IMLebanon

إشعال لبنان مطلب إقليمي؟

إستعادت واشنطن محطة العام 2003، ولكن هذه المرة وفق خطة منقّحة ومُشبعة من دروس تجربة الإجتياح البري للعراق، وخالية من نقاط الضعف التي أجهضت مشروعها، ومعزّزة بإئتلاف دولي عريض.

وهكذا استعاد باراك أوباما مشروع سلفه جورج دبليو بوش إنطلاقاً من اعتبار العراق مفتاح المنطقة، ولكن مع تعديلات جوهرية يبقى أهمّها عدم التورط بنشر قوات برية كي لا تصبح من جديد رهينة لدى القوى المتضررة من المشروع الأميركي. لذلك أعدّت إدارة أوباما مشروعها بعناية، بحيث تعود من خلال المجالات الجوية للعراق والسيطرة عليها والتحكم من خلالها بساحات القتال، وبالتالي الإمساك بالأرض من السماء.

وقد سمحت سنوات التعبئة المذهبية والصراعات المشتعلة بين مختلف القوى لإنشاء واقع جديد يسمح للطائرات بالتحكم بساحات القتال، ومن خلالها بالقرار الكبير.

الجميع ساعد تنظيم «داعش» بهدف حشر أخصامه، ولكن النتيجة التي رست عليها اللعبة الخطرة كان بأن هذا التنظيم أمسك بالأرض والقدرة المالية وأصبح خطراً داهماً على جميع القوى الإقليمية، وتهديداً جدياً للمجتمعات والمصالح الغربية.

صحيح أن الفرار الجماعي من سجن أبو غريب منذ أكثر من سنتين شكّل نقطة تحوّل في مسار هذا التنظيم، لكن السؤال كيف لم تلاحظ الولايات المتحدة الأميركية ذلك، وهي التي بقيت تحظى بتأثير مباشر على هذا السجن حتى بعد انسحاب قواتها من العراق.

ثم لماذا لم تُحذّر الإستخبارات الأميركية من تنامي قدرات هذا التنظيم وسط تعاطف المناطق السنّية معه، لا بل أكثر، فهي لم تُطلق أي تنبيه جرّاء وضع أسلحة حساسة ونوعية في يد قوات الجيش العراقي المنتشرة في هذه المناطق!

ذلك أن واشنطن كانت تدرك أن هناك انتفاضة على وشك الحصول، وعلى رغم ذلك سكتت، إن لم تكن شجّعت على نقل أسلحة نوعية الى الجيش العراقي الذي تفكّك سريعاً نتيجة خروج الضباط عن الطاعة، ما جعل «داعش» يستولي على الأسلحة.

والأهم، يبقى السؤال اللغز عن الجهة التي أمرت أو أبقت مبلغاً هائلاً يوازي تقريباً نصف مليار دولار نقداً في خزائن المصرف المركزي في تلك المنطقة؟

والمعروف بأن هناك تنسيقاً امنياً وثيقاً بين الإستخبارات الأميركية والإستخبارات التركية، والتي بات ثابتاً علاقتها الوثيقة بـ «داعش» ورعايتها لهذا التنظيم.

فهل من المنطقي الإعتقاد للحظة بأن واشنطن كانت غائبة عن كل ما كان يجري؟ المهم أن واشنطن تعود الى العراق وتُعيد «فلش» خرائطها بعد 11 عاماً ولكن بعد الإتعاظ من الدروس العسكرية التي تعلّمتها.

والأهم من كل ذلك، أن المرحلة الحربية ستكون طويلة كما قال أوباما نفسه، الذي تحدّث بوضوح عن «إستيعاب داعش» وليس القضاء عليه. أي أن إنهاء «داعش» لن يحصل سريعاً، لا بل ربما ممنوع أن يحصل، بدليل أن فرنسا أعطت حق اللجوء لمسيحيّي العراق.

فلو كانت العودة قريبة لما عمدت الى ذلك. وهذا الوضع سيسمح للطائرات الأميركية بالبقاء في أجواء المنطقة للإنقضاض على أهداف أخرى اذا ما دعت الحاجة مستقبلاً، وهنا موضع القلق لدى إيران وسوريا وحتى «حزب الله» إضافة الى قوى أخرى.

لذلك تريد إيران تفاهماً كاملاً وواضحاً مع واشنطن ومنذ الآن لكامل المرحلة اللاحقة، وكذلك تتمسك دمشق بانتزاع اعتراف لا لبس فيه بشرعية نظامها ويدعمها بذلك كل من روسيا صاحبة المصلحة الأمنية الحيوية، والصين الساعية للحدّ من نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط.

حتى الآن، فإن الكثير من النقاط الغامضة على مستوى أهداف «الحرب» المُعلنة على «داعش» ما تزال موجودة، وخصوصاً بالنسبة إلى سوريا.

فهناك كلام حول نية واشنطن تطبيق سياسة بغداد في دمشق، بما معناه الإتيان برئيس من النظام، لكن بعد إزاحة بشار الأسد، وبسبب الغموض الحاصل حول هذه النقطة، فإن التنظيم المتطرّف نقل العديد من قواعده الى داخل الأراضي السورية لسببين إثنين: الأول الخلاف الحاصل حول شمول الضربات الجوية السماء السورية، والثاني وهو الأهم إستعمال الأراضي السورية للإنقضاض على لبنان في اللحظة الحاسمة.

ويتردّد في الكواليس أن التنظيم المتشدّد يرى في التعقيدات اللبنانية الداخلية مناخاً ملائماً للنفاذ اليه والإحتماء به، حيث تصبح المعالجة أصعب على المستوى الدولي.

والكلام السائد أن «داعش» يُخطط لرفد عناصره باتجاه القلمون عبر ممرات لا يسيطر عليها الجيش السوري، حيث يعمل على تحضير هجوم بالتعاون مع «النصرة» من ثلاث نقاط في وقت واحد على عرسال في البقاع الشمالي، وقوسايا في البقاع الأوسط وشبعا.

وأشارت عمليات الرصد الجارية إلى أن الإستطلاع الميداني أو حتى من خلال الصور الجوية التي يجري تزويد لبنان بها، أظهرت أن الإستعدادات الهجومية قائمة بدليل إستيلاء هذه المجموعات على جرّافتين في عرسال.

لكن فرضية أخرى يجري التداول بها ولا تقلّ خطورة عن الفرضية الأولى وتؤشر إلى تقدّم مجموعات متطرّفة إنطلاقاً من حماه وحمص وصولاً الى منطقة عكار، حيث سيسهل على هذه المجموعات التمدّد بسرعة باتجاه البحر، وهو المنفذ الذي يطلبه تنظيم «داعش» كمطلب حيوي له. وقد عزّز مسار المعارك الحاصلة في حمص المخاوف من هذه العملية، حيث يعتقد البعض بأن الوصول الى عكار سيمنح المتطرّفين أوراقاً إضافية على مستوى الداخل اللبناني والعبث باستقراره.

ولا مبالغة في القول إن هاتين الفرضيّتين تُقلقان المراجع المعنية والمهتمة بالوضع اللبناني على السواء. أضف الى ذلك، التعقيدات التي طرأت على الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان. فالعواصم الغربية باتت على قناعة بأن عدم الإعتراف الدولي بشرعية بشار الأسد رئيساً لسوريا سيدفع بالسلطات السورية «للتطنيش» على تحركات «داعش» تجاه لبنان ولوضع عراقيل إضافية أمام الإستحقاق الرئاسي، بحيث لا يحصل إلّا بعد انتزاع اعتراف دولي بالنظام السوري.

ولا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن يعمد أخصام النظام الإقليميّين على استغلال لا بل تشجيع دخول المجموعات المتطرفة الى لبنان لتشتبك مباشرة مع «حزب الله»، ما سيؤدي الى فتح الأجواء اللبنانية أمام طائرات التحالف الدولي، وكشف «حزب الله» لاحقاً، ما سيُرغم الأطراف اللبنانيين للذهاب الى تسوية سياسية شاملة تكون قادرة على عزله عن محيطه.

وباختصار، تبدو الساحة اللبنانية ساحة جذب للساعين الى حماية النظام وللراغبين بإضعافه على السواء. وتتحدث معلومات من العواصم الغربية عن رصد جوّي كشف نصب أسلحة ثقيلة من مدفعية وصواريخ على طول سلسلة الجبال اللبنانية وصولاً بشكل خاص الى المنطقة الجبلية التي تشرف على عكار والبقاع الشمالي في آن معاً.

لا بل أكثر، فإن هذه الأوساط تتوقع أن يتحرك الوضع الأمني في لبنان قريباً جداً، ولأن هذه الأوساط تدرك أن باب الخلاص الوحيد هو عبر الجيش اللبناني، سارعت واشنطن الى تسليح الجيش بالأسلحة النوعية هذه المرة، مثل طائرات «السيسنا» المجهزة بالصواريخ، إضافة الى أسلحة أخرى.

وفي خطوة تعكس الإهتمام الأميركي البالغ بالوضع العسكري في لبنان، فإن رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي سيزور لبنان خلال الأيام المقبلة، للإطلاع على حاجاته، ولتكون الزيارة بمثابة إشارة أميركية كبيرة لمنع العبث بالوضع الأمني اللبناني. ولكن هل هذا كافٍ؟