IMLebanon

لبنان ينتظر الترياق من العراق

ما زال الجميع ينتظرون «الترياق من العراق»، إذ يعتقدون أنّه في ضوء ما ستكون عليه طبيعة تركيبة الحكومة العراقية الجديدة المنتظَر تأليفُها في وقتٍ ليس ببعيد، يمكن استكشاف المنحى الذي ستتّخذه الأوضاع في المنطقة والمحاولات الجارية للقضاء على «داعش» وأخواتها التي تُهدّد بمزيد من بحور الفتنة والدم.

ففي لبنان لم يحصل أيّ تقدم عمليّ بَعد على جبهة الاستحقاق الرئاسي في اتّجاه انتخاب رئيس جديد، والجلسة النيابية المُقرَّة لهذا الانتخاب في 3 أيلول المقبل سيكون مصيرها كسابقاتها من عدم انعقاد، لأنّ أيّ توافق على الرئيس العتيد لم يحصل بعد، ولا المنافسة الديموقراطية بين مرشّحين ممكنة أيضاً.

وزاد في الطين بلّة عودة الوضع على جبهة عرسال الى التدهور، ما دلَّ الى أنّ «داعش» تريد لهذه الجبهة أن تبقى مفتوحة لتتّخذ منها وسيلة لابتزاز لبنان في مطالب لا يمكنه تلبيتها. وقد أثبتَت الانتكاسة الجديدة أنّ «داعش» تريد من خلال معاودة اعتدائها على الجيش أن تؤكّد أنّ عرسال هي «عمق استراتيجي» لها ولا تريد التخلّي عنها.

وفي المقابل فإنّ الجيش و»حزب الله» والجانب السوري يدركون أنّ ما يجري في عرسال هو معركة مفتوحة، ولكنّ هذه المعركة لا أحد يضمن نتائجها وتفاعلاتها على مستوى الشارع السنّي في لبنان والمنطقة. وما يزيد الوضع تأزّماً هو أنّ اهالي العسكريين المخطوفين يلحّون على ضرورة تحرير أبنائهم، في الوقت الذي لا تستطيع الدولة تلبية مطالب الجهات التي تحتجز هؤلاء العسكريين.

ويرى سياسيون أنّ تركيبة الحكومة العراقية إذا جاءت متوازنة وتحت مسمّى «حكومة الوحدة الوطنية»، وكانت حصّة الطائفة السنّية فيها وازنة، فسيكون ذلك مؤشّراً على أنّ التسويات الاقليمية والدولية الموعودة بدأت تسلك طريقها الى الإنجاز تأسيساً على «الاتفاق الشامل» المنتظَر حول الملفّ النووي الايراني في تشرين الثاني بين إيران والدوَل الغربية.

ويقول هؤلاء السياسيون إنّ إيفاد الرئيس الاميركي باراك اوباما لوزير خارجيته جون كيري الى المنطقة في هذه المرحلة لتكوين تحالف اقليمي لمواجهة الارهابيين، أي «داعش» وأخواتها، إنّما يتماهى مع السعي الى تأليف حكومة الوحدة الوطنية العراقية التي هي مطلب اميركي وخليجي كان أُبلِغ الى نوري المالكي قبل تنحّيه، ولكنّه رفضَه مُصِرّاً على تأليف «حكومة الأكثرية».

فواشنطن وحلفاؤها الخليجيّون وغيرهم يريدون أن تكون الحصة الوزارية السنّية فيها وازنة، لأنّهم يعتقدون أنّه لا يمكن مواجهة «داعش» ومثيلاتها والقضاء عليها في العراق والمنطقة إلّا من خلال إشراك الطائفة السنّية في سلطة القرار، خصوصاً في العراق، بعد الفظائع التي ارتكبَتها «داعش» في الآونة الأخيرة وحاليّاً في بلاد الرافدين. ولذلك، فبمقدار ما تتميّز حكومة العبادي بتمثيل حقيقي، بمقدار ما سيندفع الاميركي وحلفائه في اتّجاه خنقِ «داعش» وتجفيف منابعها.

على أنّ رضى الأطراف الاقليمية، وتحديداً السعودية وإيران، على تركيبة الحكومة العراقية الجديدة، إذا حصلَ، سيفتح الباب امام اتفاقات على معالجة الأزمات الأُخرى التي تعيشها المنطقة، من سوريا إلى اليمن والبحرين وغيرها، علماً أنّ التحالف الاقليمي لمواجهة الإرهاب في حال نجاح اوباما في تكوينه، سيكون بمثابة إعلان غير مباشر عن حصول كلّ التسويات والاتّفاقات الاقليمية الموعودة.

ولذلك، يعتقد سياسيّون أنّ الاستحقاق الرئاسي ما يزال في دائرة الانتظار، وما زال يدور في «مرحلة عون» حسب ما يسمّيها البعض، إذ إنّ رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون لم يقرّر بعد الانسحاب من ساحة الاستحقاق الرئاسي على رغم تراجع حظوظه (في رأي البعض) لأنّه بدأ يعتقد انّ التطورات الاقليمية الجارية إذا توّجت بالتسويات الموعودة على مختلف المستويات ستحمله الى سدّة رئاسة الجمهورية، في حين انّ خصومه يعتقدون عكس ذلك. وبين الجانبين ثمّة من يرى أنّ البلاد بدأت تقترب اكثر فأكثر من اقتناع الجميع بوجوب انتخاب رئيس جمهورية يشكّل نقطة تلاقٍ بينهم.

ويشير هؤلاء السياسيون الى انّ المملكة العربية السعودية اذا ارتاحت الى تركيبة الحكومة العراقية العتيدة، فإنّ علاقتها بالجمهورية الإسلامية الايرانية ستتطوّر إيجاباً أكثر فأكثر.

ويبدو أنّ زيارة مساعد وزير الخارجية الايراني حسين امير عبداللهيان الاخيرة للرياض قد فتحَت الباب امام زيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف للعاصمة السعودية، والبعض لم يستبعد ان تتوّج الاتصالات التي سترتفع وتيرتها في قابل الايام بين الرياض وطهران بزيارة يقوم بها الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني الى العاصمة السعودية، خصوصاً أنّه كان أبدى رغبته بهذه الزيارة إثر انتخابه رئيساً للجمهورية الاسلامية الايرانية خلفاً للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

ويرى أحد المطلعين أنّ حصول اتفاق ايراني – سعودي على الحكومة العراقية ينعكس حتماً توافقاً بين الجانبين على بذل جهود مشتركة في اتّجاه الافرقاء السياسيين اللبنانيين لدفعِهم الى الاتفاق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وذلك على غرار توافُق سابق حصلَ في شباط الماضي بين الرياض وطهران وأدّى الى تأليف حكومة الرئيس تمّام سلام بعد عشرة أشهر من الخلافات والتعقيدات.