IMLebanon

ربيع واشنطن لن يُزهر: لبنانان بالانتظار

 

 

تبدأ اليوم في واشنطن اللقاءات والمشاورات على هامش اجتماعات الربيع المشتركة بين البنك الدولي وصندوق النقد، التي تسبق الاجتماع الرسمي المركزي الذي يبدأ في 17 نيسان وينتهي في 19 منه. وتبدو الآمال متواضعة حيال امكانية تسجيل أيّ خرق لبناني يتيح تبديل المشهد الاسود القائم منذ العام 2019.

 

في مطلع العام 2024، أصدرت مجلة «ايكونوموسيت» تقريرها السنوي حول أداء الاقتصادات في العالم. وأظهَر التقرير استمرار الضغوطات على مجمل هذه الاقتصاديات، جرّاء مفاعيل التضخّم الناجم في الاساس عن عوامل الحرب والتوترات، وفي طليعتها الحرب الروسية الاوكرانية. هذه النتائج لم تكن مفاجئة بل متوقعة، لكن ما هو لافت في التقرير، وينبغي أن يستحوذ على اهتمام اللبنانيين، ما يتعلّق بالاقتصاد اليوناني الذي احتلّ الصدارة من حيث الاداء الجيد بين كل الاقتصادات العالمية، للعام الثاني على التوالي، من خلال المؤشرات الخمس التي يعتمدها التقرير في تصنيف نتائج اقتصاد الدول. وتشمل هذه المؤشرات العناصر التالية: النمو، ارتفاع الاسعار، اتساع التضخّم، تغيّر نسبة البطالة، أداء الأسهم في السوق المالي. وعلى سبيل المثال، أظهر التقرير انّ معدل اسعار الاسهم في اليونان، ارتفع في العام 2023 بنسبة 43.8% مقارنةً مع العام 2022. وهذا يعني باللغة الاقتصادية انّ أداء الشركات ومناخ الاعمال، ومحركات جذب الاستثمار تتحسّن بسرعة قياسية ليس لها مثيل في اي دولة في العالم، وهو الامر الذي سمح لليونان بالتربّع على عرش المرتبة الاولى!

 

النموذج اليوناني يشكّل قاعدة مقارنة واضحة اذا شئنا تقييم الوضع في لبنان، والفرص المتاحة للخروج من الانهيار، والانتقال الى اقتصاد طبيعي قادر على النمو وجذب الاستثمارات. وللعلم، أصبح معدّل البطالة في اليونان حالياً حوالى 10.5%، مقابل 28% في فترة الانهيار المالي. في لبنان، لا توجد احصاءات دقيقة، لكن التقديرات الأخيرة تحدثت عن نسبة 38%. هذه النسبة كان يمكن ان تكون مرتفعة اكثر بكثير، لولا ارتفاع معدل الهجرة في السنوات الاربع الماضية الى مستويات قياسية، ساهمت في تخفيف الضغط الذي كان سيتعرّض له سوق العمل فيما لو كانت مستويات الهجرة باقية على ما كانت عليه قبل «الافلاس».

 

اليوم، تبدأ اللقاءات والمشاورات في واشنطن في إطار اجتماعات الربيع التي تضم البنك الدولي وصندوق النقد، ويشارك فيها لبنان بوفد رسمي، ووفد رديف. ومن المهم ان تكون الصور الماثِلة في أذهان اللبنانيين المخوّلين الكلام باسم الدولة اللبنانية، هي التالية:

 

أولاً – قصة الانهيار المالي والاقتصادي في اليونان، والوضع الذي وصل اليه الاقتصاد اليوناني اليوم.

ثانياً – نماذج من اللوائح الموجودة لدى عدد من الجمعيات، وفي وزارة الشؤون الاجتماعية، لمعرفة عمق المأساة التي تعانيها نسبة مرتفعة من الشعب اللبناني. والمأساة هنا، أكبر وأعمق مما يعتقد البعض.

 

ثالثاً – صور عن المطاعم اللبنانية «المفوّلة»، وعن الانفاق المفرط في بعض الاماكن.

رابعاً – ملخّص عمّا جرى في السنوات القليلة التي سبقت الانهيار رسمياً في آذار 2020، ومن ضمنها ما طلبته الحكومة، عندما كانت ترغب في ان تَكتتِب المصارف بسندات تصدرها الدولة بفائدة 1%، في حين كانت اسعار الفوائد في السوق المحلي وصلت الى 14%. ويومها تولّى البنك المركزي الاكتتاب، بعدما رفضت المصارف ذلك.

خامساً – ملخص بالاجراءات التي رافقت الانهيار منذ تشرين الاول 2019 حتى اليوم. واحتساب الخسائر التي تسبّبت بها هذه الاجراءات.

سادساً – نسب الاجور السائدة حالياً في القطاعين العام والخاص، ومقارنتها بما كان قائماً قبل إعلان «الافلاس».

 

في لبنان اليوم يوجد لبنانان: لبنان يضم نسبة صغيرة من الذين يحافظون على قدراتهم الشرائية، سواء من خلال اعمالهم في البلد، او من خلال العمل في الخارج. ونسبة هؤلاء ضئيلة، قد لا تتجاوز الـ15%. ولبنان آخر يضمّ الاكثرية المسحوقة، والتي تعاني نسبة كبيرة منها من وضعٍ مالي واجتماعي كارثي، فيه من البؤس ما يكفي ليهدّد الوضع الامني والاجتماعي في المستقبل.

 

أما الرهان على التطبيع المالي والاقتصادي التلقائي، واعتماد مشهدية المطاعم للادعاء انّ الامور ستعود الى طبيعتها لوحدها، لا يعدو كونه مجرد هروب الى الامام، والأزمة سوف تزداد تعقيداً مع الوقت. وأخطر ما في الأزمة هو معدّل هجرة الشباب، حيث تشير التقديرات الى انّ الهجرة تجاوزت معدل الـ60 الف مهاجر سنوياً، وانّ النسبة الاكبر من هؤلاء من الشباب الذين يغادرون بقرار حازم بعدم العودة.

من جديد، اليونان نموذج، وعلى من يمتلك القرار ان يدرك انّ اتّباع النموذج اليوناني مُتاح، بصرف النظر عن بعض الاختلافات المتعلقة بموقع اليونان الجيو سياسي. لكن نقاط القوة في لبنان لا يُستهان بها، ومن اهمها حيوية اللبنانيين، والقوى اللبنانية العاملة في الخارج، والتي تنجح في مَد الاقتصاد اللبناني بحوالى 8 الى 9 مليارت دولار سنوياً، تشكل اليوم حوالى 40% من حجم الناتج المحلي، وهي قد تكون الاعلى في العالم.

 

قد لا تكون اجتماعات الربيع في واشنطن نقطة تحوّل في الأزمة اللبنانية، لكن من المجدي الافادة منها لوضع مداميك يمكن البناء عليها لاحقاً. فهل سنشهد بذل مجهود في هذا الاتجاه، ام انّ سياسة «ماشية والربّ راعيها» مستمرة الى ما شاء الله؟