IMLebanon

تأجيل المشكلات الاجتماعية زادها صعوبة فصار الحلّ مكلفاً على غير قياسها

عندما كانت الحكومات زمن تطبيق الديموقراطية التي بموجبها تحكم الأكثرية وتعارض الاقلية، تواجه ما تواجهه الحكومات زمن ما يسمى الديموقراطية التوافقية من مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، كان المشهد السياسي مختلفا، سواء عند تشكيل الحكومة او عند مواجهة مجلس النواب. فعند تشكيل الحكومة كانت رؤيا المشاركين فيها واحدة، يعبرون عنها في البيان الوزاري ويدافعون عنها مجتمعين وموحدين امام المجلس، وكان النواب الموالون يتصدون للنواب المعارضين دفاعا عنها. ولم تكن الحكومة تواجه مجلس النواب الا متضامنة في موقفها من القضايا المطروحة او التي ستطرح، وكان الوزير الذي يخالف رأي الاكثرية الوزارية يستقيل قبل مواجهة مجلس النواب لتظل الحكومة محافظة على وحدة موقفا وتضامن أعضائها. وهو ما فعله وزراء كثر أمثال ريمون اده وغسان تويني وكمال جنبلاط وبهيج تقي الدين وادوار حنين واميل بيطار، ومن لم يستقل كان يقال كما حصل مع هنري اده في عهد الرئيس سليمان فرنجية.

ان الحكومات هذه كانت تواجه مجلس النواب متضامنة، او تستقيل قبل ان تواجهه اذا لم تكن متضامنة. ويذكر ان الرئيس رشيد كرامي عندما كان رئيسا للحكومة ووزيرا للمال في آن واحد، طرحت في المجلس زيادة رواتب الموظفين عشرة في المئة، وعندما ارتفعت اصوات نواب زايدت سياسيا او انتخابيا لكسب شعبي، تطالب بزيادة عشرة في المئة تصدى الرئيس كرامي لهم شارحا وضع الخزينة وامكاناتها، وعندما ظل المزايدون مصرين على موقفم، ولم يأخذوا في الاعتبار وضع الخزينة طرح الرئيس كرامي الثقة بحكومته على اساس الزيادة التي اقترحها ، ولأنه لم يكن في مصلحة أحد حجب الثقة عنها، تراجع المزايدون عن موقفهم.
أما اليوم، وفي ظل ما يسمى “الديموقراطية التوافقية” وحكومات “وحدة وطنية” كاذبة، تذهب الى مجلس النواب وهي منقسمة على نفسها حول العديد من المواضيع المطروحة للدرس والمناقشة، وليس لها موقف موحد منها تواجه النواب به وتبلغ حد طرح الثقة اذا لزم الأمر، مما يجعل النواب من الموالين لها ينقسمون بدورهم، بعضهم ليس بدافع المصلحة الوطنية انما بدافع المصالح الخاصة، والكسب الشعبي الرخيص وان على حساب مصلحة البلاد وهو ما حصل في مواضيع كثيرة كان آخرها وليس الأخير موضوع سلسلة الرتب والرواتب الذي لم يكن للحكومة السابقة موقف موحد منها فرمت كرتها في ملعب اللجان البرلمانية، التي قتلت الوقت درسا ومناقشة، وورثت الحكومة الحالية عن الحكومة السابقة هذا الموضوع الشائك، ولم يكن لها هي ايضا موقف موحد منها فرمته هي ايضا على اللجان النيابية التي أعادت درسه، وعندما غرقت في الارقام وتضاربت الأراء بدافع الخوف على الخزينة او بدافع الخوف من الناخبين، قررت هذه اللجان احالة الخلاف حول بعض الارقام على الهيئة العامة لمجلس النواب، ولأن لا الحكومة كان موقفها واحدا، ولا مجلس النواب، ارتئي للخروج من المأزق تشكيل لجنة جديدة أعادت درس ما قد درس محاولة التوفيق بين حقوق الموظفين وامكانات الخزينة، فهل يكون موقف الحكومة واحدا مما تقترحه اللجنة وتكون الاحزاب والكتل النيابية والمشكلة فيها داعمة لها، وهل سيكون لمجلس النواب متسع من الوقت وهو منهمك بالانتخابات الرئاسية، لبت هذا الموضوع، أم أنه يرحّل الى العهد الجديد مع حكومة جديدة ومعطيات سياسية واقتصادية جديدة؟
الواقع ان المشكلات في لبنان تعيش سنوات على تأجيل الحلول لها فتكبر بحيث يصبح أي حل مكلفا وأصغر من حجمها، او تعتمد الحكومات سياسة الترقيع لتتهرب من تحقيق الاصلاح السياسي والاداري ومكافحة الفساد ووقف مزاريب الهدر وسد الثقوب في سفينة الدولة. وقد زادت فأوشكت ان تغرق بمن فيها.
البلاد في حاجة الى اعادة نظر في هيكلية الوضع الاقتصادي والمالي توصلا الى المحافظة على حقوق أصحاب العمل والعمال وتحقيقا للعدالة الاجتماعية، وبات المطلوب حاكما صالحا ومصلحا لتحقيق كل ذلك، وما على الحكومة الآن والتي تتمثل فيها معظم القوى السياسية الاساسية في البلد سوى مواجهة مشكلة سلسلة الرتب والرواتب بمسؤولية وأن تمون على الشارع في ما تقرره، فتجعله هادئا، وإلا فما الفرق بينها وبين حكومة التكنوقراط التي يتهمها السياسيون بالعجز عن مواجهة ذلك، وأن ما تستطيع حكومة السياسيين البارزين مواجهته لا تستطيعه تلك، فتلجم الشارع وتثبت انها “تمون على الهيئات النقابية والعمالية وأقله على موظفي الدولة.