IMLebanon

روما تثرثر

عندما وضعت «أوراق السندباد» بحثت عن معالم وصور الحياة اليومية في عاصمة الرشيد، وعثرت على أكثرها في كتاب عن تلك المرحلة للدكتور وليم الخازن صدر عن «دار الساقي». في الماضي كانت معظم الأفلام الكبرى التي تنتجها هوليوود مأخوذة من قصص وتواريخ الإمبراطورية الرومانية: خيول مطهمة، وجنود مدرَّعون، وأثرياء ممددون على التكايا يلتهمون الدجاج وصحون الفواكه.

لكن كانت هناك وجوه أخرى لروما القديمة: الباعة، والضجيج، وسوق بيع العبيد بالمناقصة، ومحتالو الشوارع. أول من كرس عملا كاملا عن يوميات روما القديمة كان الفرنسي جيروم كاركوبينو. أرسلته باريس إلى العاصمة الإيطالية (1937) لإدارة البعثة التعليمية فيها، فخطر له أن يعبر من روما الحديثة إلى روما التاريخية في ظل الأباطرة ومنهم نيرون الحرّاق المجنون.

قبل أي شيء كانت روما مدينة الأحرار والعبيد. العبيد كانوا الأكثرية الساحقة من السكان، يعيشون بلا حقوق أو ضمانات، لا شأن لهم في الحياة سوى تنفيذ أوامر أسيادهم (أشياء لا مخلوقات). أما الأحرار فكانوا أيضا ينقسمون إلى طبقات وفقا لحجم ثرواتهم. وفوق هؤلاء جميعا كانت طبقة الشيوخ والفرسان وعائلاتهم وجنودهم. سوق العبيد؛ حيث كانت السياط تلهب أجساد الأفارقة، كان لها اسم عربي: «سوق الخميس». يفهم من قصيدة لشاعر روماني أن المدينة كانت تفيق قبل الفجر وتنخرط في ورشة أعمال صاخبة. يشكو الشاعر من ضجيج الحدّادين وزحمة الخبّازين. ولذا، كان الميسورون يقبعون داخل بيوتهم، تعزلهم عن الضوضاء الجدران السميكة والبساتين المثمرة. لكن تبقى هناك أصوات عمل العبيد وهم ينظفون البيوت الضخمة، والخدم الذين يتدافعون في الغرف وعيونهم مدمّرة ببقاء النعاس، يحملون السلال والسلالم والسطول والإسفنج ومكانس الريش، أو المكانس المصنوعة من سُعف النخل. وإذا كان رب البيت ينتظر ضيفا مهما، فقد كان يشرف بنفسه على عملية التنظيف صارخا في العمال: «اكنسوا الأرضية. لمِّعوا الأعمدة. عليكم بذلك البيت العنكبوتي. وأنت هناك، أسرع إلى تنظيف الفضيات».

في صورة عامة، كان أهل روما من المبكرين، يسعون، فقراء وأغنياء، إلى الإفادة القصوى من ضوء النهار، لأن القناديل الشاحبة كانت تبعث على الكآبة. وقد عملوا جميعا بشعار بطليموس القائل «أن تحيا هو أن تكون يقظا».

كانت غرف النوم عارية إلا من الفراش، وقد أثار تبيريوس فضيحة عندما حاول أن يعلق لوحة فنية في مخدعه. وكان الفراش محشوا بالقش أو مصنوعا من الصوف عند الأغنياء. كما كانت الأغطية تصنع من الحرير الدمشقي الملون. ولم يكن الروماني قد عرف الجوارب، وكان يتنقل في نعال مكشوفة، كما كان يرتدي طبقتين من الثياب الداخلية والخارجية. والأولى مصنوعة عادة من القطن ومربوطة بحزام عند الخصر.

كان الوجيه الروماني يمضي وقتا طويلا عند المزيِّن تاركا له أن يصفف شعره ولحيته. وكان الأغنياء يوظفون حلاقين خاصين في البيت. أما المرايا والأمشاط فكانت كما نعرفها اليوم. وتحولت دكاكين الحلاقين إلى ما هو شبيه بالنوادي والملتقيات؛ حيث لا يكون الثرثار هو الحلاق وحده، بل الزبائن أيضا.