IMLebanon

لماذا يفتعل السياسيّون أزمة الجامعة اللبنانية؟

يصعُب النظر ببراءةٍ إلى ما تتعرَّض له الجامعة اللبنانية. فالأزمة التي انفجرَت بعد احتقانٍ طويل ربّما تفرض السؤال الآتي: هل هي مسألة أسماء ومواقع، أم هناك مَن يريد للجامعة أن تلتحق بالمؤسّسات الأخرى المأزومة، من رئاسة الجمهورية إلى المجلس والحكومة؟

يقول رئيس الجامعة الدكتور عدنان السيّد حسين، لـ«الجمهورية»: «إذا انهارت الجامعة، فستكون وحدة لبنان في خطر». ويعود ذلك إلى أنّ الجامعة تحتضن أكبر كتلة شابّة متعدّدة الانتماءات طائفياً ومذهبياً واجتماعياً (80 ألفاً)، وهي في ذلك، أي عدَدياً، تزيد على الجيش (65 الفاً)، وإنْ يكن دور المؤسسة العسكرية والمصرف المركزي ومؤسسات أخرى أكثر حساسية.

واللافتُ أنّ المسيحيّين وحدَهم يتجادلون حول ملفّ العمَداء. ويتَّهم مسيحيّو «14 آذار» وزيرَ التربية الياس بو صعب بأنّه اختارَ غالبية العمَداء المسيحيين في التشكيلة المقترحة، من لونٍ سياسي واحد. ويردّ بو صعب و«التيار الوطني الحرّ» بالقول: غير صحيح. إنّ التشكيلة المقترحة متوازنة في شكل مقبول سياسياً بين مسيحيّي «8 و14 آذار».

وفي معزل عن الخطأ والصواب، يُصبح مبرَّراً الإستنتاج: إذاً، هل جميع العمَداء الذين يُراد تعيينهم ينتمون في شكل مباشر أو غير مباشر إلى أحزاب وتيارات سياسية؟ وتالياً، ألم تعُد هناك فرصة، لأيّ أستاذ جامعي، مهما علت كفايته الأكاديمية، في الوصول إلى عمادة كلّية، أو حتى إدارة فرع، ما لم يكن محسوباً على طرف سياسي؟ واستطراداً: هل يؤدّي ذلك لاحقاً، وبناءً على الاعتبارات عينها، إلى محاصَصة في الأساتذة؟ وهل ملامحُ هذه المحاصصة بدأت تطلّ من خلال النزاع الحاصل في ملفّ التفرُّغ؟

المعنيّون يتخوّفون من ذلك، ويقولون: إذا وصلت الجامعة إلى هذه الحال، فإنّها تفقد طابعَها الأكاديمي، وتلتحق بالمؤسسات والأجهزة والإدارات التي يتوزّعها السياسيون عبر جماعاتهم، لتكون لهم نوعاً من الرشوة. فالمعيار الأكاديمي لا يستقيم في ظلّ الوصايات السياسية.

وسمع هؤلاء من رئيس الجامعة، مراراً، إصرارَه على إبعادها عن الفئوية. وهو يقول اليوم مِن موقعه الحالي: «إسألوا إذا كنتُ قد تعاملت مع أبناء طائفتي بطريقة مختلفة. بل إنّني اختلفتُ أحياناً مع أبناء طائفتي لأجل الجامعة. فأنا إبن هذه اللبنانية، وأعلم أنّها لا تُدار ولا تستمر بفكر طائفي».

لكنّ ذلك لم يمنع نشوبَ المعركة بين السياسيين، المسيحيّين خصوصاً، حول التعيينات. فلا مشكلة في أسماء العمَداء الشيعة.

أمّا السُنّة فحصل «المستقبل» على ثلاثة منهم و«مشي الحال». إلّا أنّ العمَداء المسيحيين هم موضع تجاذب بين قوى الطائفة حول انتماءاتهم السياسية، باستثناء عميد كلية الطب الدكتور بيار يارد. واللافت أنّ ذلك أتاح لزعامة درزية هي النائب وليد جنبلاط، مدعوماً بقوى كاثوليكية، أن تتحرَّك للتمسّك به تحت عنوان: الاعتبار الأكاديمي أوّلاً.

وتقول أوساط جنبلاط: لا نريد أن يفهم أحدٌ أنّنا نتدخّل في مواقع مسيحية. فالرجل ليس محسوباً علينا أساساً، ولا نعرفه. وقبل أن تنفجر أزمة المتفرّغين والعمَداء، كان العديد من أساتذة «اللبنانية» ومسؤوليها يهمسون معبِّرين عن خوفهم على مستقبلها. فالترهُّل يتزايد يوماً بعد يوم، ولماذا لا يكون تعيين العمَداء فرصة لاستعادة الروح الأكاديمية التي لطالما امتازت بها الجامعة اللبنانية؟

لكنّ أوساطاً سياسية تطرح شكوكاً حول توقيت الأزمة الراهنة، وتسأل: ما الذي دفع الجامعة اللبنانية لتنضمّ إلى سلّة المؤسسات المأزومة، في لحظة القلق المصيري؟ وهل هناك مَن يدفعها قصداً لتصل إلى المأزق؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فهل الهدف استغلاليّ تجاري، أم سياسي؟

أي، هل المقصود «تهشيل» 75 ألف طالب لتستفيد منهم الجامعات والمعاهد التي تنمو كالفطر، وغالباً ما يكون طالبو التراخيص لها هم أنفسُهم أصحاب المال والنفوذ الذين يتسبَّبون اليوم بمأزق الجامعة؟ أم المقصود هو تعميم الفوضى والفراغ في المؤسسات. أي ضرب الجامعة الوطنية بعد ضرب رئاسة الجمهورية، وربّما المجلس النيابي والحكومة وغالبية الإدارات والأجهزة؟