IMLebanon

هذا يريد استعادة القسطنطينية وذاك يريد استرداد الأندلس

من كاهن قريب من «حزب الله» يقول على مذبح الكنيسة كلاماً يتناول فيه اللحى الاسلامية بالسوء، الى رَدّ من شيخ طرابلسي يهاجم فيه المسيحيّين بالجملة والمفرّق، الى رئيس حزب شاب يردّ على الشيخ إيّاه نابشاً دراسة تاريخية تقول إنّ المسجد الذي أطلق منه خطبته كان كنيسة.

وقد ترافقَ هذا التراشق مع حفلة إثارة أحقاد طائفية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليكون المشهد السوري وآثاره المدمّرة قد تُرجم في لبنان والعراق وربما أبعد من ذلك على شكل فوضى هدّامة، لا تجد من يبتسم لها إعجاباً أكثر من اسرائيل والنظام السوري وحلفائه، وقوى التطرف الإلغائية على توزّع انتماءاتها الطائفية.

قال رئيس النظام السوري بشار الاسد إنه سيحرق المنطقة، ويبدو انه الى الآن نجح نجاحاً معقولاً، فقوى التطرّف تتوسّع بشكل مخيف، والاقليات باتت أسرى معادلة تحالف الأقليات، وها انّ بعضها يصعدون الى هاوية الأمن الذاتي والتسلّح، في سوريا والعراق ولبنان، الذي اجتاحته أخيراً نغمة الأمن الذاتي، الذي يشجّعه «حزب الله» وبعض القوى الفاعلة، حتى اقترب الامر من أن يظهر عبر وسائل الاعلام على شكل قرى مدجّجة بالسلاح، في مشهد يذكّر ببداية الحرب الاهلية في العام 1975.

يندفع بعض المسيحيين في تيار الأمن الذاتي، كما أراد لهم تحالف «حزب الله» والنظام السوري. هؤلاء الذين أفقدوا أنفسهم كل حصانة عندما ساوَموا على هيبة الدولة ودعموا السلاح الذي نفّذ 7 أيار في بيروت والجبل، وغَطّوه عندما ذهب ليقاتل في سوريا، أسقطوا من فوق رؤوسهم مظلة الحماية التي وحدها تَصلح لضمان وجودهم، عندما انهارت ضمانة الدولة القوية والقادرة والحافظة لحدودها.

فتحتَ شعار محاربة الارهاب، لا بأس من أن يتجاهل جزء من المسيحيين مطلباً تاريخياً بضبط الحدود، وأن يتعاموا عن المطالبة بتطبيق القرار 1701، الذي ينصّ على مساعدة «اليونيفيل» للجيش اللبناني في هذه المهمة، وأن يغطّوا قتال «حزب الله» في سوريا، وأن يبدأوا بتطبيق بعض مظاهر الأمن الذاتي، بتشجيع ومساعدة من «حزب الله»، ولا بأس أيضاً من أن تغضّ كنيستهم النظر عن قتال «حزب الله» في سوريا، وأن تغمض عيناً على ما ارتكبه النظام السوري منذ ثلاث سنوات لتستفيق على الارهاب الذي ولد بفِعل هذا البطش.

وتحت يافطة محاربة الارهاب، لا بأس أن يموّل رجال أعمال من المسيحيين، لبنانيين وسوريين، مؤتمراً في الولايات المتحدة الاميركية في الاول من أيلول، يسوّقون فيه للنظام السوري كحامٍ للأقليات، ويطلبون دعماً دولياً على شكل قرار يصدر عن مجلس الامن لحماية الأقليات.

ولا بأس أن تغطي الكنيسة هذا المؤتمر في توظيف مباشر، يصبّ في النهاية في خدمة معادلة تحالف الاقليات ورعاتها وحماتها ومنظّريها، بحيث يبدو أنّ المسيحيين أصبحوا جالية مشرقية، لا بد لحمايتها من الرهان مرة أخرى على تدخّل غربي، بطلب من الفاتيكان والكنائس الشرقية.

لقد استلزم إطفاء النار الذي كاد يشعله الكاهن والشيخ جهوداً استثنائية، من اتصالات مع بعض المطارنة أدّت الى تأنيب الكاهن، ومن اتصالات طرابلسية لَجَمت الشيخ وبعض المشايخ، فمَن سيعالج ظاهرة الأمن الذاتي التي تكاد أن تصبح أمراً واقعاً؟ ومن هو القادر على إطفاء الفتيل الاول، عندما يقرّر هذا أنّ الوقت حان لاستعادة القسطنطينية، ويردّ ذاك بإعلان العمل على استرداد الاندلس؟