إنّ كأس العالم 2026، ليس مجرّد نسخة أخرى من الحدث الرياضي الأوسع شعبية في العالم، بل نقطة تحوُّل في اقتصاديات كرة القدم. فلأول مرّة، تجمع البطولة بين صيغة رياضية موسعة، نموذج تجاري أميركي، إيرادات قياسية من البث التلفزيوني، أسعار تذاكر جنونية، توترات جيوسياسية، وسوق استهلاكي عالمي ضخم. وبهذا المعنى، قد تُذكر كأس العالم هذه، لا بالأهداف التي سُجِّلت على أرض الملعب وحسب، بل بالأهداف المسجّلة في مرمى الربح الاقتصادي.
مع مشاركة 48 منتخباً وطنياً بدلاً من 32، وإقامة 104 مباراة بدلاً من 64، انتقلت البطولة إلى بُعد مالي جديد تماماً. فزيادة عدد الفرق تعني المزيد من المباريات، والمزيد من ساعات البث التلفزيوني، التذاكر، الرعاة، السفر، والاستهلاك. ولطالما كانت كرة القدم شغفاً عالمياً، لكنّها ستصبح في العام 2026 منصّة اقتصادية أكبر بكثير، إذ ستربط الرياضة بالسياحة، ووسائل الإعلام، والإعلان، والبنية التحتية، والديبلوماسية، والعلامات التجارية.
مصادر الأرباح الأساسية
يقف الاتحاد الدولي لكرة القدم في قلب هذا النموذج. فمن المتوقّع أن تصل الدورة المالية للمنظمة في الفترة 2023-2026 إلى ما يقرب من 13 مليار دولار أميركي، وهو رقم قياسي في عالم كرة القدم. وتمثّل هذه زيادة كبيرة مقارنةً بالدورة السابقة، التي كانت مربحة جداً. وبالتالي، فإنّ كأس العالم 2026 ليست مجرّد بطولة؛ بل أكبر عملية تجارية لـ”فيفا”. وتستند إيراداتها إلى ثلاث ركائز رئيسية: حقوق البث، بيع التذاكر وخدمات الضيافة، والرعاية والتسويق.
لا يزال البث التلفزيوني المصدر الرئيسي الأول للدخل. فكأس العالم هو أحد الأحداث القليلة التي لا تزال قادرة على جمع مليارات الأشخاص في الوقت الفعلي. وفي عصر تتشتّت فيه الجماهير عبر المنصات المختلفة، تبقى الرياضة الحية ذات قيمة بالغة. فالقنوات التلفزيونية ومنصات البث المباشر على استعداد لدفع مبالغ ضخمة، لأنّ مباريات كأس العالم تضمن جذب الانتباه وإثارة المشاعر وتوفير فرص إعلانية. ومع وجود هذا الكمّ من المباريات، فإنّ حجم المحتوى المذاع أكبر بكثير ممّا كان عليه من قبل. وهذا يتيح لـ”فيفا” بيع المزيد من المساحات الإعلامية، ويمنح القنوات ساعات إضافية من البرامج، ناهيك عن استراحة شرب المياه المستحدثة في منتصف الشوط. ومن المتوقّع أن تتجاوز إيرادات البث 4 مليارات دولار أميركي، ممّا يؤكّد أنّ الشاشة أصبحت لا تقلّ أهمّية عن الملعب في اقتصاديات كرة القدم الحديثة.
إنّ الركيزة الثانية هي بيع التذاكر والضيافة. وهنا تكمن تميّز نسخة 2026 حقاً. ففي البطولات السابقة، غالباً ما استثمرت الدول المضيفة أموالاً ضخمة في الملاعب الجديدة وأنظمة النقل والبنية التحتية العامة. وأحياناً، تسبّبت هذه الاستثمارات في مشاكل طويلة الأمد، إذ أصبحت الملاعب الباهظة الثمن “أعباءً مالية” بعد انتهاء البطولة.
القدرات الأميركية الشمالية
أمّا في النسخة الحالية، فالنموذج مختلف. إذ تمتلك الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بالفعل ملاعب كبيرة، ولا سيما الأولى، حيث توفّر ملاعب دوري كرة القدم الأميركية (NFL) سعة استيعابية هائلة، مقصورات فاخرة، صالات تجارية، مرافق لوقوف السيارات، وبنية تحتية متطوّرة لخدمات الضيافة. وهذا يعني أنّ كأس العالم يمكن أن يحقّق إيرادات ضخمة من دون الحاجة إلى المستوى عينه من الإنشاءات العامة الجديدة.
كما كان من المتوقّع أن تصل إيرادات التذاكر والضيافة إلى حوالى 3 مليارات دولار أميركي، ممّا يزيد بكثير عن المستوى المسجّل في قطر 2022، حيث كانت إيرادات التذاكر والضيافة أقلّ من مليار دولار أميركي. كذلك، تشير بعض التقديرات إلى أنّ المبلغ قد يكون أعلى من ذلك، اعتماداً على الأسعار النهائية والطلب. ويرجع ذلك إلى أنّ كأس العالم الحالية تطبّق نموذج تسعير أكثر جرأة، مستوحى جزئياً من سوق الرياضة الأميركية. ففي هذا النموذج، لا يقتصر الهدف على ملء الملاعب فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى تعظيم الإيرادات من مختلف فئات المستهلكين.
التسعير الديناميكي
وهذا يقودنا إلى أحد الجوانب الأشدّ إثارة للجدل في البطولة: التسعير الديناميكي، ويعني أنّ أسعار التذاكر يمكن أن ترتفع أو تنخفض وفقاً للطلب. وهذا النموذج شائع في شركات الطيران والفنادق والحفلات الموسيقية والرياضات الأميركية، لكنّ تطبيقه على كأس العالم يغيِّر العلاقة التقليدية بين كرة القدم ومشجّعيها. فلم تعُد تذكرة المباراة مجرّد دخول بسعر ثابت إلى حدث رياضي؛ بل أصبحت منتجاً مالياً تتغيّر قيمته وفقاً للطلب، المكانة، الخصم، الموقع، والتوقيت.
من منظور تجاري، يُتيح التسعير الديناميكي لـ”فيفا” الحصول على حصة أكبر من الأموال التي قد تذهب، لولا ذلك، إلى الأسواق الثانوية أو إلى بائعي التذاكر. فبدلاً من السماح للمضاربين بتحقيق أرباح ضخمة، يمكن لـ”فيفا” استيعاب جزء من تلك القيمة. ومع ذلك، من منظور اجتماعي، يُثير هذا سؤالاً جاداً: هل يمكن لكأس العالم أن تبقى حدثاً شعبياً إذا استُبعد العديد من المشجّعين العاديّين بسبب ارتفاع الأسعار؟ لطالما أُطلق على كرة القدم لقب “لعبة الشعب”، لكنّ النموذج الحالي يخاطر بتحويل تجربة حضور المباريات في الملعب إلى منتج فاخر لا يمكن الوصول إليه إلّا بشكل أساسي للمشجّعين الأكثر ثراءً، وعملاء الشركات، والسيّاح ذوي القدرة الشرائية العالية.
الأثر الاقتصادي
أمّا بالنسبة للمدن المضيفة، فإنّ الأثر الاقتصادي أشدّ تعقيداً ممّا يبدو. فتشير بعض التقديرات إلى أنّ البطولة قد تدرّ أكثر من 40 مليار دولار أميركي من النشاط الاقتصادي العالمي وحوالى 17 إلى 19 مليار دولار أميركي في الولايات المتحدة وحدها. وهذا يجعل كأس العالم بمثابة حافز اقتصادي واسع النطاق لقطاعات معيّنة.
من ناحية أُخرى، نجد أنّ توزيع الفوائد ليس متساوياً. ففي حين تستحوذ “فيفا” على جزء كبير من الإيرادات المباشرة من التذاكر، البث التلفزيوني، الرعاية، والضيافة الرسمية. قد تبقى المدن المضيفة مضطرة إلى تحمُّل تكاليف الأمن وتنظيم النقل والخدمات العامّة وإدارة الحشود والتكاليف التشغيلية. وقد يتلقّى مالكو الملاعب مدفوعات إيجار ثابتة، في حين تستفيد “فيفا” من الزيادة في أسعار التذاكر. وهذا يعني أنّ كأس العالم يمكن أن تكون مربحة لـ”فيفا”، في حين أنّ الفائدة الصافية لبعض المدن قد تكون محدودة أكثر ممّا كان متوقعاً.
ولهذا السبب تعكس نسخة العام 2026 ما يسمّيه الاقتصاديّون “اقتصاد K”. ففي هذا النموذج الاقتصادي، تتقدَّم بعض المجموعات إلى الأعلى وتستفيد بشكل كبير، بينما تتراجع مجموعات أخرى أو تواجه ضغوطاً متزايدة. ويتّبع كأس العالم المنطق نفسه. فالـ”فيفا” والجهات الراعية ومقدّمو خدمات الضيافة الفاخرة وشركات البثّ والمستهلكون الأكثر ثراءً يقعون على الخطّ الصاعد. أمّا المشجّعون العاديّون الذين يضطرّون لدفع ثمن تذاكر باهظة وتكاليف سفر مرتفعة وإقامة مكلفة، فقد يجدون أنفسهم على الخطّ الهابط.
التسويق المفرط
إنّ الركيزة الثالثة للنموذج الاقتصادي في كأس العالم، هي الرعاية والتسويق. فالبطولة هي آلة إعلانية عالمية. فالعلامات التجارية لا تكتفي برعاية كرة القدم فحسب؛ بل تشتري الوصول إلى العاطفة والهوية والولاء والظهور العالمي. فتتيح كأس العالم للشركات مخاطبة مليارات المستهلكين في آنٍ واحد. ومن المتوقّع أن تقترب عائدات الرعاية والتسويق من 3 مليارات دولار أميركي. ويشمل ذلك الرعاة التقليديّين، الشركاء الرقميّين، الخدمات المالية، العلامات التجارية الاستهلاكية، شركات التكنولوجيا، وشركاء الاستضافة.
التأثيرات السياسية والجيوسياسية
من ناحية أُخرى، تُقام كأس العالم الحالية في بيئة جيوسياسية غير عادية. فالبلدان المضيفة الثلاثة، وهي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ليست مجرّد شركاء في تنظيم الحدث؛ بل هي أيضاً جهات فاعلة اقتصادية رئيسية، تربطها مفاوضات تجارية وتوتّرات استراتيجية. وتتزامن البطولة مع نقاشات بشأن العلاقات التجارية في أميركا الشمالية، الهجرة، الحدود، السياسة الصناعية، والمنافسة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تصبح كرة القدم أبعد من مجرّد ترفيه، إذ تصبح “قوّة ناعمة”.
وستستغل الولايات المتحدة كأس العالم، التي ستليها دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس العام 2028، لتقديم نفسها كمركز عالمي للرياضة والأعمال والبنية التحتية والإعلام والترفيه. وستستفيد كندا والمكسيك أيضاً من الظهور الإعلامي والسياحة وتعزيز العلامة التجارية الوطنية. ولهذا السبب، فإنّ كأس العالم 2026 ليس مجرّد حدث اقتصادي؛ بل هو مرآة للاقتصاد العالمي نفسه.
في الإطار المحلي، وعلى رغم من أنّ لبنان لا يستضيف البطولة ولا يشارك فيها، إلّا أنّ كأس العالم له تأثير اقتصادي واجتماعي ملحوظ. إذ تستفيد المطاعم والمقاهي والحانات والفنادق وأماكن المشاهدة العامة من بث المباريات. وفي أثناء المباريات الكبرى، ولا سيما تلك التي تشارك فيها فرق عربية أو دول ذات شعبية كروية تاريخية، غالباً ما تتحوَّل المطاعم اللبنانية إلى ملاعب صغيرة. فالشاشات الكبيرة والحجوزات الجماعية والقوائم الخاصة والعروض الترويجية في ليالي المباريات، تجعل من كرة القدم فرصة تجارية موسمية. فحتى في ظل ظروف اقتصادية صعبة، توجد كرة القدم لحظات يكون فيها الناس على استعداد للإنفاق من أجل خبرة جماعية. بالتالي، فإنّ “الاقتصاد العاطفي” لكأس العالم يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من البلدان المضيفة.
أخبارلبنان
النسخة الأقوى اقتصادياً
على رغم من جميع ما ذكرناه، لا يزال التوتر الأساسي من دون حل. ستكون كأس العالم 2026 أكبر بطولة وأغناها وأكثرها تجارية في تاريخ كرة القدم. وقد تحقق إيرادات قياسيّة لـ”فيفا” ونشاطاً اقتصادياً كبيراً لقطاعات محدّدة. وقد تدعم أيضاً تطوير كرة القدم عن طريق برامج إعادة التوزيع على الاتحادات الوطنية، بما في ذلك الدول الأصغر والأفقر في مجال كرة القدم. لكنّها تخاطر أيضاً بتعميق الفجوة بين كرة القدم كثقافة شعبية، وكرة القدم كمنتج ترفيهي فاخر.
بالتالي، فإنّ النجاح الاقتصادي لهذه البطولة لن يعتمد فقط على أرقام الإيرادات، بل على الشرعية أيضاً. فإذا امتلأت الملاعب، انخرط المشجّعون، استفادت المدن المضيفة، وأنتجت البطولة لحظات رياضية لا تُنسى، قد يُعتبر هذا النموذج انتصاراً مالياً. لكن إذا شعر المشجّعون بالاستبعاد، وشعرت المدن بالعبء، وبدت الأسعار مبالغاً فيها، فقد تصبح البطولة رمزاً للتسويق المفرط.
في النهاية، إنّ السؤال الحقيقي لا يقتصر على من سيرفع الكأس فحسب، بل مَن الذي “سيفوز” حقاً من المليارات التي ستُدرّها البطولة؟ فالتحدّي يكمن في ضمان أن يبقى الفائز الأكبر هو كرة القدم نفسها، لعبة قادرة على توحيد الناس، حتى في عالم يتزايد انقسامه. وألّا تسجّل “فيفا” هدفاً في مرماها (own goal) وتخسر ما سخّرت الكثير الكثير في سبيل تحقيق “هدفها”.