ديفيد إي. سانغر وتايلر بيجر
مع دخول الحرب في إيران شهرها الثاني من دون تحديد أي مفاوضات بعد بين الأطراف الرئيسية المتحاربة، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرارات عدة مترابطة، ستُحدِّد مدة بقاء القوات الأميركية منخرطة في المعركة، ونوعية المخاطر التي ستتحمّلها. ويبدو أنّ الخيار الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ينبغي عليه تضييق أهداف الحرب، على أمل الدفع نحو تسوية تفاوضية مع مجموعة جديدة من القادة الإيرانيِّين. وفي حديثه إلى الصحافيِّين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، وصف ترامب القيادة الإيرانية بأنّها «مجموعة مختلفة تماماً من الناس»، وأنّهم «كانوا عقلانيِّين للغاية» (وكان وزير خارجيّته، ماركو روبيو، أكثر تشكُّكاً بكثير).
إنّ إبرام الصفقات، كما يعلم ترامب، يتطلّب الأخذ والعطاء، على رغم من أنّه لا يُحِب أن يُنظر إليه على أنّه يُقدِّم أي تنازل. لكن إذا واصل الإيرانيّون رفضهم، كما فعلوا عندما قالوا إنّه لا يوجد ما يمكن مناقشته حتى توقف الولايات المتحدة وإسرائيل قصف الأراضي الإيرانية، فسيكون أمامه خيارات مختلفة يتعيّن اتخاذها.
ومع اقتراب وصول أكثر من 4000 من مشاة البحرية والفرقة 82 المحمولة جواً إلى المنطقة، يمكن لترامب أن يدعم تهديده بالسيطرة على منشآت تصدير النفط في جزيرة خرج، تحرير مضيق هرمز، وربما الاستيلاء على مخزون إيران من المواد النووية القريبة من مستوى تصنيع القنبلة.
لكنّ مخاطر هذه الخطوات الثلاث هائلة. حتى ترامب نفسه أقرّ بأنّه إذا أرسل قوات للسيطرة على جزيرة خرج، فإنّ الحفاظ على تشغيلها سيتطلّب من الجيش الأميركي «البقاء هناك لفترة من الوقت». وينطبق الأمر على فتح المضيق، الذي يعتبر الإيرانيّون الآن أنّه جزء من أراضيهم السيادية، وأنّ السفن الراغبة في المرور ستضطر إلى دفع الرسوم الباهظة التي بدأوا في فرضها.
لم يكن التحكُّم في المضيق مطروحاً حتى قبل 4 أسابيع، عندما بدأت الحرب. لكنّ إعلان إيران سيطرتها على حركة الملاحة تسبَّب في اضطراب كبير للنظام التجاري العالمي، إلى درجة أنّه أصبح عنصراً محورياً في أي نقاش حول كيفية إنهاء الصراع.
وأكّد روبيو: «سيُعاد فتح المضيق إمّا بموافقة إيران أو من خلال تحالف دولي يضمّ الولايات المتحدة». وإذا فشلت الجهود لإعادة فتحه، أضاف ترامب: «سننهي إقامتنا الجميلة في إيران بتفجير وتدمير كامل لجميع محطات توليد الكهرباء لديهم، آبار النفط، جزيرة خرج، وربما جميع محطات تحلية المياه!».
وبغضّ النظر للحظة عن أنّ مثل هذه الهجمات على البُنية التحتية المدنية ستُعدّ على الأرجح جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف، فإنّ ترامب يدرك أنّ إيران يمكنها الردّ بضرب منشآت مماثلة في الخليج، باستخدام ما تبقّى لديها من طائرات مسيّرة وصواريخ متوسطة المدى.
وأوضح روبرت ليتواك، الباحث في جامعة جورج واشنطن، أنّ «الإيرانيّين حققوا تدميراً متبادلاً مضموناً من دون سلاح نووي. إذا هاجم ترامب البُنية التحتية المدنية في إيران، فإنّ إيران ستدمِّر منشآت الطاقة وتحلية المياه المماثلة في الخليج».
في صميم المعضلة الاستراتيجية التي يواجهها ترامب حقيقة، أنّه حتى بعد ضرب 11 ألف هدف، لم يُحقّق بعد التغييرات السياسية في إيران التي تحدّث عنها في 28 شباط، مع بدء العملية. وبالطبع، لا يزال لديه وقت: فقد توقّع حرباً تستمر من 4 إلى 6 أسابيع، ولا يزال هناك ما يقرب من أسبوعَين متبقيَّين ضمن هذا الإطار.
وأكّدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أنّ «الإطار الزمني من 4 إلى 6 أسابيع لا يزال قائماً». وإذا استغرق الأمر وقتاً أطول، كما يُقرّ الآن معظم كبار المسؤولين، فإنّهم يعتقدون أنّ لديهم هامشاً سياسياً يسمح بشراء مزيد من الوقت.
لكن عند الاستماع بعناية إلى ترامب وروبيو، يصبح من السهل ملاحظة كيف يجري تقليص الأهداف. إذ ادّعى ترامب تحقيق نجاح كبير، مؤكّداً أنّ «تغيير النظام» قد حدث بالفعل في إيران، حتى وإن ظلّ الحرس الثوري الإسلامي والقادة الدينيّون في موقع السيطرة على البلاد.
ومموِّهاً الفارق بين تغيير نظام الحُكم وتغيير القيادات، أضاف: «حصل تغيير في النظام. النظام الأول حُطِّم ودُمِّر، وهم جميعاً أموات. النظام التالي ميِّت في معظمه». وأكّد أنّ إيران باتت الآن تحت سيطرة «نظام ثالث» يشارك في المفاوضات. ولم يدعُ الشعب الإيراني إلى الانتفاض، كما فعل عند بدء الحرب قبل شهر، للاستيلاء على السلطة وإسقاط حكومته، وهو ما كان سيُشكّل تغييراً حقيقياً للنظام.
تزامناً، نشر روبيو على حساب وزارة الخارجية قائمة أكثر تضييقاً من الأهداف، إلى جانب ما بدا وكأنّه انتقاد لوسائل الإعلام التي أشارت إلى تغيُّر الأهداف. وكتب: «يجب أن تكتبوها»، قبل أن يسرد الأهداف: تدمير سلاح الجو والبحرية، التقليص الشديد لقدرات إطلاق الصواريخ، وتدمير مصانعهم. لكنّه لم يُشر إلى القضاء على القدرات النووية الإيرانية (الهدف المباشر المعلن لشنّ الهجوم) ولا إلى حماية المتظاهرين الإيرانيِّين الذين قُتلوا في الشوارع في كانون الثاني، ممّا دفع ترامب إلى إعلان أنّ المساعدة في الطريق. كما لم يشر في تلك القائمة إلى إعادة فتح مضيق هرمز.
وبعد ساعات قليلة، قدّمت ليفيت قائمتها الخاصة. فأضافت «تفكيك البُنية التحتية لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإضعاف وكلائهم بشكل كبير خلال هذه العملية، ومن ثم، بالطبع، منع إيران من امتلاك سلاح نووي على الإطلاق».
وبينما يفاخر ترامب بأنّ القادة الإيرانيِّين يتوسّلون لعقد صفقة، يقلّل بعض كبار مسؤولي إدارته في السرّ من حجم التقدُّم الديبلوماسي. وأقرّ مسؤولون أنّ المحادثات يمكن وصفها في هذه المرحلة بأنّها «مباحثات» أكثر من كونها «مفاوضات» رسمية.
وأعلن وزير خارجية باكستان، إسحاق دار، يوم الأحد أنّ بلاده ستستضيف محادثات بين الولايات المتحدة وإيران في الأيام المقبلة، على رغم من أنّ مسؤولين أميركيّين يقولون إنّه لم يُحدَّد أي اجتماع بعد.