IMLebanon

حذارِ من اتفاق دوحة جديد

 

 

 

ستنتهي الحرب ويتصافح القادة

وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد

وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب

وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل

لا أعلم من باع الوطن! ولكنني رأيتُ من دفع الثمن

 

(محمود درويش)

 

تقال عن كل الحروب. الشعب الفلسطيني لم يدفع وحده الثمن. هو دفع أغلاها. الآخرون دفعوا الأثمان مرتين. مرة ضحية العدوانية الصهيونية وأخرى ضحية ساحاتهم.

 

ستتوقف حرب غزة، بعد إشارتيْن أو ثلاث، على طريقة قارئي الكف، يومين أو أسبوعين أو شهرين. من المؤكد أنها ستتوقف بعد أن يتعب المتقاتلون. سيحصي كل قتلاه وجرحاه وخسائره وأحزانه. سيحلم كل بأيام السلام الآتية. غزة بلا معالم والساحات مقفرة إلا من صدى خطابات رنانة وشارات نصر تملأ الأمكنة، وصور الشهداء معلقة على أعمدة ملتوئة.

 

في غمرة المعارك، يقولون لك، لا وقت للشكوى. لا يشغل المتقاتلين غير القتال. ليس دويّ المدافع وحده ما يصم آذانهم، بل كذلك هوس السلطة الجموح. في نظرهم، المنددون خونة والصامتون خونة. لم يسمعوا قول محمود دروييش: «وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ، لا تنس من يطلبون السلام. وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيتِكَ، فكِّرْ بغيركَ، لا تنس شعب الخيام. وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ، ثمة من لم يجد حيزاً للمنام». ولا قول الكاتب الكويتي عبد العزيز الكندري. فكر بغيرك ممن يتكدسون في قوارب متهالكة هرباً من البراميل المتفجرة، ومن الفقر والقتل على الهوية والحروب الطائفية الطاحنة وبحثاً عن شواطئ الحياة.

 

لا خيم في غزة تعنيهم ولا جوع في اليمن ولا انقسامات طائفية في لبنان والعراق ولا مخلفات مجنون ليبيا ولا صبيان العصابات في الصومال. ولا تعنيهم صرخات الجامعيين في أميركا ولا هتافات المتظاهرين في أوروبا ولا إدانات ولا دعوات إلى التهدئة والسلام والى تسويات لا يموت فيها الذئب الصهيوني ولا يفنى الغنم العربي. يخوضون حروبهم طمعاً بالجنة هنا والتزاماً بنصوص التلمود هناك.

 

في كل الحروب هناك دوماً رابح وخاسر. الشعوب تدفع الثمن. والأحياء من القادة في بلادنا يرفعون شارة النصر ويحاسبون شعوبهم، أما في البلاد المتقدمة فيتعلمون من أخطائهم ويحاسبون المرتكبين. إسرائيل، كدولة وكفكرة صهيونية، مسؤولة عن جرائم الحروب كلها منذ النكبة الأولى وحتى نكبة فلسطين والعرب والمسلمين في غزة. لكن أشكال المواجهة مسؤولة هي الأخرى عن هدر الدماء. فالقضية المضمرة في مخيلة القادة هي الاستحواذ أو الاستيلاء على السلطة، فيما يذهب خيال المؤمنين بالقضية المعلنة نحو جنات موعودة بعد الانتصار على الإمبريالية والشيطان الأكبر.

 

مرة وحيدة حاول فيها عبد الناصر أن يحاسب نفسه ويحاسب سواه على مسؤوليتهم عن الهزيمة. رفضت شعوبنا مبدأ المحاسبة لأنها اعتادت على مجافاة الديمقراطية بعد أن ترعرعت في أحضان أنظمة الاستبداد وهللت للانقلابات العسكرية واستعاذت بالله واستنجدت بالطير الأبابيل وإذاعة صوت العرب ضد «العدو الغاشم».

 

مرتين أحرزنا انتصاراً على إسرائيل، مرة حين عاد الفلسطينيون إلى فلسطين وأسسوا دولة لهم وإن منقوصة السيادة، ومرة حين أخرجنا جيشها ذليلاً من لبنان. وفي المرتين تعلمنا الدرس بالمقلوب. أول شيء فعلنا دمرنا الوحدة الوطنية. عدنا، في فلسطين كما في لبنان، إلى عهد الدويلات. هناك دولة موزعة بين غزة ورام الله، وهنا بدل الشعب شعوب وبدل الدولة دويلات والسيادة منتهكة على الحدود البرية وداخل الحدود، ومساع إلى جعل البحر مشرعاً للعابرين مثلما جعلت ثرواته سائبة أمام الطامعين.

 

غداً ستتوقف الحرب أياً تكن نتائجها، سيرفع القادة شارة النصر. فحذار من مؤتمر دوحة جديد. لا حل إلا بالدولة. دولة القانون والمؤسسات والسيادة غير المنقوصة.