IMLebanon

رفض شمالي لمحاصرة الحريري

 

وسط اشتداد العاصفة السياسية بين الأطراف الأساسية في البلد، تقاوم هذه العاصفة رياحاً شمالية عاتية ومعاكسة لمنظومة الأمر الواقع. وفي الوقت الذي يعتبر البعض، مِمّن لم يقرأ كتب التاريخ، انّ «البعض» من السياسيين أصبحوا في حكم النسيان ولم يعد لهم دور في الحلبة السياسية «المُتحدثة»، يطلّ هذا البعض مجدداً الى الواجهة رافعاً الإصبع والصوت لتشتدّ حدّة الرياح الشمالية، فتعود حريرية مقاومِة حتى الرمق الأخير.

 

يبدو أنّ وَضع الرئيس المكلّف سعد الحريري أقوى شعبياً اليوم ممّا كان عليه في الانتخابات الاخيرة، «لا بل أقوى ممّا كان عليه بعد عودته من المملكة العربية السعودية»، فحتى الرؤساء السابقون للحكومات، الذين يتنافسون عادة على منصب الرئاسة الثالثة، يُجمعون حاليّاً على سعد الحريري.

 

فالشعور العام السنّي انّ أي تراجع للحريري في هذه اللحظة، سيكرّس للطائفة الشيعيّة عُرفاً يستمر سنين طويلة. وتَصف شخصيات سنّية عريقة المعركة بالمصيرية وليست معركة سعد الحريري تحديداً، بل تجسيد للانتصار الوَهمي في سوريا واتخاذ لبنان رهينة للمفاوضة عليه في وجه العقوبات المقبلة.

 

وفي الوقت الذي يترقّب المتابعون تحرّكاً ما سيلجأ إليه تيار «المستقبل» مطلع الاسبوع المقبل دعماً لصمود الحريري، وتظهَر مؤشّراته من خلال اليافطات الكبيرة الداعمة له شمالاً، تبرز 3 مشاهد لا تقل مدلولاتها أهميّة عن الأخرى.

 

ريفي: لبنان في «سجن ايفين» و«الحزب» ينفّذ 7 أيّار حكوميّاً

 

الأولى: رَدّ من اللواء أشرف ريفي الذي آثر الصمت عقب تصريحات ضدّه لم يُعرها اهتماماً، بل بالعكس استرسَل في دفاعه عن الرئاسة الثانية من خلال مواقف صارمة وحادّة تعليقاً على المستجدات اللبنانية – السنيّة، فقال في حديث لـ«الجمهورية»: «انّ ما يحصل اليوم في ما يسمّى عقدة توزير السنّة المستقلين، هو الدليل الأوضح على وصاية «حزب الله» على القرار اللبناني، لأنه باتَ يأتي برؤساء الجمهورية وقانون الانتخاب والحكومات، ويضع لبنان رهينة بيد إيران لتفاوض عليها مع المجتمع الدولي وتؤمّن مصالحها على حسابنا».

 

ولفتَ ريفي الى أنّ تعطيل تشكيل الحكومة ليس الأول ولن يكون الأخير، إذ سبق أن عُطّلت حكومة الرئيس السنيورة وأُسقطت حكومة الرئيس الحريري في العام 2011، بعد أن نفّذ «حزب الله» 7 أيار ليفرض الثلث المعطّل ويصادر الحياة السياسية. أمّا اليوم فتعطيل تشكيل الحكومة هو 7 أيار حكومي، لكنّ المفارقة أنه يُنفّذ ضد عهد الرئيس ميشال عون الذي سبق أن شارك «حزب الله» في تعطيل البلد، ويصحّ الآن القول: «طابخ التعطيل آكله». مُذكّراً بأنه حذّر مراراً من تسليم البلد لـ«حزب الله»، واننا اليوم نعاني اختلالاً كبيراً في التوازن، لأنّ الوصاية الايرانية وضعت لبنان في سجن «ايفين»*، وهو يعاني خطر العزلة الاقتصادية والسياسية، لأنّ إيران ستستعمله لتبتزّ محاصريها. مضيفاً أنّ الحزب، الذي سلّموه أوراق التحكّم بالقرار اللبناني، لا يأبَه لمصلحة لبنان الاقتصادية والوطنية، وهو بين مصلحة الرئيس عون الذي يريد تشكيل حكومة لضمان عهده، ومصلحة إيران، يختار مصلحة ايران.

 

وحذّر من أنّ ما يفوق هدف «حزب الله» باختراق الطائفة السنية خطراً، هو اختراق صيغة لبنان العيش المشترك والوطن الواحد.

 

وفي السياق، لم يستغرب ريفي إصرار «حزب الله» على توزير حلفائه السنّة، قائلاً إنّ «حزب الله»، المُتهم باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يريد أن يخطف القرار السني ويضعفه ويجَيّره لصالح إيران والنظام السوري، وهو لا يريد أن يَنتهج سنّة لبنان نهجاً سيادياً وعربياً، بل يريد استهدافهم وتطويعهم كما فعلَ في العراق وسوريا. والحزب يعمل على إضعاف الحصن المُتبقّي في لبنان، وهو رئاسة الحكومة، مؤكداً أنّ السنّة سيواجهون هذا الاختراق، «ولن نقبل أبداً بإضعاف موقع رئاسة الحكومة، إنطلاقاً من رفضنا المَس بالدستور».

 

كرامي لـ«الجمهورية»: «كل الاحتمالات واردة»

 

موقف آخر لا يقلّ في مدلولاته أهمية عن موقف ريفي، صدر عن الاستاذ وليد معن كرامي الذي قال لـ«الجمهورية»: «إنّ التكتّل السنّي المستقل أداة بيَد «حزب الله»، وهو يستخدمها لاستكمال الانتصار الوَهمي في سوريا، من خلال إعادة محاصرة السراي الحكومي وإرساء عرف جديد يكرّس ولوج الحزب الى الحكومة بواسطة جميع الطوائف اللبنانية، بما فيها الطائفة السنّية، فاختاروا لمعركتهم النائب فيصل كرامي الذي تُشكّل عائلته متراساً سنّياً حصيناً للتلطّي خلف معارضتهم، حسبما اعتقدوا».

 

ويضيف أنّ «ما فشل الحزب في تحقيقه عام 2005 لن ينجح في بلوغه عام 2018، وانّ فيصل كرامي يمثّل نفسه فقط، وكلّ فرد في عائلة كرامي له حَيثيته. أمّا عائلة كرامي فهي تاريخ بحدّ ذاته سُطِّر بالدم والتضحيات لأجل لبنان، ولا يستطيع فرد من العائلة تحييد التاريخ أو تزويره».

 

وقال: «إنّ فيصل كرامي يكتب تاريخه هو، وما يمثّل هو وحده، أمّا نحن في العائلة فلنا عملنا وحيثيتنا، وسنحصد ما نَجنيه بأيدينا. فإمّا يُنصفنا التاريخ أو يُديننا».

 

وأكّد أنّ «تاريخ العائلة كُتب، أمّا نحن فمسؤولون أمام التاريخ عن تموضعنا الحالي. فأنا أرتبط بعائلتي بالدم، أمّا في السياسة فيربطني المبدأ فقط مع أقربائي».

 

زيارة تضامنية الى «بيت الوسط»؟

 

وبالنسبة الى احتمال زيارة معن رشيد كرامي وابنه وليد بيت الوسط، لاسيّما بعد زيارة الرئيس الحريري منزل العائلة إبّان الإنتخابات النيابية، يكشف وليد كرامي لـ«الجمهورية» أنّ العائلة كانت بصَدد رَد الزيارة، «ولكن أردناها بعد تأليف الحكومة، كي لا يُقال إنّ العائلة تهرول قبل تشكيل الحكومة الى بيت الوسط طمعاً بمنصب وزاري. فنحن لا نؤمن بسياسة الانبطاح. ولكن اليوم كل الاحتمالات واردة عند عودة الحريري، لأنّ من واجبنا رَد الزيارة» ، مُذكّراً بحادثة من ماضي عائلة كرامي، عندما اصطحب الرئيس عمر كرامي الرئيس أمين الحافظ الى قريطم تضامناً مع رئيس الحكومة رفيق الحريري في موقف مُشابه.

 

المؤشّر الثالث

 

أمّا الموقف الشمالي السني اللافت، فتَمثّل بانسحاب المرشح المحامي زياد درنيقة من انتخابات نقابة المحامين كمرشح على مركز النقيب مدعوماً من النائب فيصل كرامي، وذلك بسبب الضغط والنقمة الشعبية العارمة المستجدة، وهو مؤشّر آخر يدلّ على عدم امتلاك فيصل كرامي قرار الطائفة السنية.

 

وقد أعلن المحامي زياد درنيقة تعليق ترشحه من منزل فيصل كرامي في طرابلس، بعد اجتماع ضَم النقباء السابقين الذين تمنّوا عليه تعليق ترشحه لهذه الدورة، حرصاً على وحدة النقابة في هذه الظروف الدقيقة، التي نقلوها الى الوزير السابق.

 

في السياق، تستبعد أوساط طرابلسية اعتذار الرئيس المكلّف، معتبرة أنّ موقف الحريري أصبح أكثر قوة اليوم بعدما تَظهّر موقف رئيس الجمهورية الداعم له علناً. أمّا بالنسبة الى قوله «فتّشو عن غيري»، فهو يندرج في إطار التكتيك السياسي والضغط لاستقطاب العطف وحَشد الشارع السنّي المؤيّد، كاشفة أنّ التحرك الشعبي ليس مستبعداً في حال قرّر الحريري التنحّي، كما أنّ جميع الاحتمالات مفتوحة… إنما المطلوب صمود الحريري، إذ من غير المستحَبّ أن يقول الحريري، وفق تعبير تلك الأوساط: «إذا بَدكن توَزّروهن للسنّة المستقلين فَتّشوا عن غيري»، فالأولى القول: «سأفتّش عن غَيرن»!

 

* حيث تسجن السلطات الإيرانيّة معارضيها