IMLebanon

حول شهادة حوثي في المحكمة

«ما أهون الدمع الجسور إذا جرى من عين كاذبة فأنكر وادعى فتطل من رأسي الظنون تلومني وتشد أذني فلطالما باركت كذبك كله ولعنت ظني!» (كامل الشناوي )

من ملحمة «فاوست» لجوهان ولفغانغ غوته شاعر ألمانيا الأعظم:

فاوست: «إن التغيير يحتاج لضرب التقاليد الأبوية الفاسدة، إن العالم يحتاج لروح ثائرة تتخطى المحاذير الأخلاقية، إن بقاء آثار العالم القديم هو إعلان تحد لمشاريعي…» 

وهكذا قرر فاوست أن يستولي على بستان العجوزين المحبوبين والطيبين كي يشيد مكانه برجاً لمراقبة مشروع عملاق له على شاطئ المحيط. 

لكن العجوزين يرفضان التنازل عن أرضهما مهما كانت الإغراءات والعواقب. يعني أن العجوزين الطيبين المحبوبين أصبحا عائقاً في وجه مشاريع فاوست، هنا صدرت التعليمات للشيطان «مفيستوفيليس» لعلاج الأمر!

لم تعد القضية شخصية، ولم يعد للمشاعر الإنسانية مكان، فلا حقد ولا كراهية ولا مودة ولا صداقة، بل قرار مهني تمليه المصلحة العليا.

احترق العجوزان في منزلهما مع أبرياء صودف وجودهم في موقع الجريمة.»…

أنا لست عالماً بالقلوب، ولا يمكنني اليوم التأكيد على ماهية شعور حسن نصر الله تجاه رفيق الحريري، أكان ذلك قبل إصدار الفتوى باغتياله، أو مباشرة بعد الإغتيال، أو اليوم بعد مضي عشر سنوات. 

حتى أعتى المجرمين قد يكون عندهم أحياناً بعض من بقايا إحساس بالتعاطف، وأنا لا يمكنني الحكم على مستوى هذا الإحساس بناءً على ظهور من وراء الشاشات يتحدث فيه أمين عام حزب الله عن ذرفه الدموع سراً لفقدان حبيب. كل ذلك لا يغير واقعة أصبحت ثابتة وهي أن خمسة من الذين يأتمرون بأوامر نصر الله متهمون باغتيال «صديقه العزيز» رفيق الحريري بناءً على أدلة مادية، وبدل أن يسلمهم للمحاكمة رفعهم إلى مرتبة القديسين. 

بالمقابل فأنا أشعر بالأسى والحزن والغضب على الصبر والتسامح اللذين طبعا رفيق الحريري في تعامله مع مجموعات من العصابات العقائدية والإجرامية. 

زاد على ذلك شعور بالغثيان رافقني على مدى الساعات التي أمضيتها أتتبع مرغماً كلام مصطفى ناصر في المحكمة وهو لا يختلف بشيء عن كلام الملتزمين من كوادر حزب الله، أو كلام بعض المأجورين الموزعين على مختلف وسائل الإعلام لبث الدعاية عن الحزب وعن مقاومته. 

مصطفى ناصر كرر سيناريو الود مع حزب الله الذي ظهر فجأة بعيد اغتيال رفيق الحريري، وهو بأهدافه متطابق مع قصة أبي عدس وشهود الزور وطائرة الإستطلاع الإسرائيلية التي أتحفنا بالحديث عنها حسن نصر الله. يعني أن كل ذلك يأتي في إطار التغطية على المجرم، أو على من أعطى له الأوامر. 

أن يقول حسن نصر الله للرئيس الشهيد بأنه فاسد فلا أظن أن من يموج حزبه بالفاسدين والعملاء يحق له أن يصنف الناس، أما عن كون حكومته فاسدة فالمعلوم أن آخر حكومة ترأسها الرئيس الشهيد كانت في أكثريتها العظمى لحلفاء نصر الله، وكان الحريري محاصراً إلى حد الإختناق فيها، وكانت قصص الفساد تدور حول وزراء الممانعة وأبناء الرؤساء الممانعين.

أما عن العمالة لـ»أمريكا«، فكيف لمن يفخر بعمالته لإيران الولي الفقيه أن يتهم أياً من الناس بالعمالة؟

غضبي وحزني هو لأن رفيق الحريري الذي كان يعتبر لبنان كقطعة من قلبه كان يصبر ويداري ويكابر على الجراح في وجه مختطفي بلده الذي يحب. 

اليوم لم يعد مهما كمية الترهات التي رماها مأجور للدفاع عن «المقاومة» في الإعلام الممانع وعن نزاهتها ومصداقيتها، وبالتالي عدم إمكانية قيامها باغتيال رفيق الحريري. ولا يهم بالتالي الدفاع الركيك الذي تبرع بالقيام به مجموعة من المحامين وهم يتغاضون بالكامل عن وقائع الجريمة مبحرين في متاهة إطالة المحاكمة بالحديث مجدداً عن عدم وجود دافع لدى منظومة الممانعة لإغتيال رفيق الحريري. 

اليوم أصبح واضحاً بأن رفيق الحريري كان الشهيد الأول الذي سقط دفاعاً عن وجود العالم العربي في مواجهة مشروع امبراطورية الولي الفقيه، وما أحداث اليوم في العراق وسوريا ولبنان واليمن إلا دلائل إضافية على هوية القاتل، ولن ينفع أن يأتي حوثي أو أكثر ليشهد دفاعاً عن حزب غارق في الدم حتى أذنيه.