IMLebanon

الجمهورية : عون يرحّب بالتفاهم الأميركي- الإيراني ويتمسّك بالسيـادة… ونتنياهـو يلـوّح بالبقاء جنوباً والتفاوض يختبر جدّيته

 

في لحظة إقليمية مفصلية، تبدو المنطقة أمام انتقال تدريجي من منطق الحروب المفتوحة إلى منطق التسويات السياسية. فالتفاهم الأميركي – الإيراني الذي وُلد بعد أسابيع من التوترات العسكرية والمواجهات غير المباشرة، لا يختصر نفسه بوقف التصعيد بين واشنطن وطهران، بل يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط. غير أنّ لبنان، خلافاً لما يحاول البعض الإيحاء به، لا يقف اليوم على هامش هذه التحولات ولا في قلب المقايضات الإقليمية، بل في مسار مختلف تحكمه معادلة واحدة: تعزيز سلطة الدولة واستكمال التفاوض للوصول إلى ترتيبات تضمن الأمن والاستقرار والانسحاب الإسرائيلي.

وأكّدت أوساط سياسية مطلعة لـ»الجمهورية»، أنّ الاتفاق الأميركي – الإيراني يقتصر في مرحلته الأولى على بندين أساسيين لا ثالث لهما:

الأول يتعلق بضمان فتح مضيق هرمز وحماية الملاحة الدولية ومنع أي اضطراب يهدّد أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو هدف أميركي ملحّ بالنسبة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب.

 

أما البند الثاني، فيتعلق بإيران التي تسعى إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والحصول على متنفس مالي يساعدها في مواجهة أزماتها الداخلية المتفاقمة.

 

وبحسب الأوساط نفسها، فإنّ الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدّمها البرنامج النووي الإيراني والدور الإقليمي لطهران، تمّ ترحيلها إلى مرحلة تفاوضية لاحقة ضمن المهلة المحدّدة بستين يوماً. وبالتالي فإنّ واشنطن تسعى حالياً إلى تثبيت الاستقرار النفطي والاقتصادي، فيما تسعى طهران إلى تحقيق انفراج اقتصادي محدود يخفف من وطأة العقوبات.

 

لكن الأوساط تشدّد في الوقت نفسه، على أنّ الولايات المتحدة لم تتراجع عن أهدافها الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني أو بالنفوذ الإقليمي لطهران. كذلك فإنّ ملف الأذرع العسكرية التابعة لإيران في المنطقة بات جزءاً من مسار المعالجة التدريجية، كما يظهر في العراق، حيث تتّجه الفصائل الموالية لطهران نحو الاندماج في مؤسسات الدولة والتخلّي تدريجياً عن واقعها العسكري المستقل.

أما لبنان، فتؤكّد الأوساط، أنّ وضعه مختلف إلى حدّ بعيد عن مسار التفاوض الأميركي – الإيراني. فالقضية اللبنانية باتت مرتبطة مباشرة بمسارين متلازمين: الأول يتعلق بإسرائيل التي ما زالت تربط أي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية بمعالجة ملف سلاح «حزب الله»، والثاني يتمثل بالجهد التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.

 

وفي قراءة هذه الأوساط، فإنّ واشنطن تعتبر أنّ التطور الأهم في المرحلة الأخيرة يتمثل في تكريس مقاربة جديدة، تعتبر أنّ جوهر المشكلة القائمة ليس نزاعاً لبنانياً – إسرائيلياً تقليدياً، بل مسألة وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية. ولذلك تبدو الإدارة الأميركية معنية بإحداث اختراق خلال الجولة التفاوضية المقبلة التي تمتد ثلاثة أيام، باعتبار أنّ أي تقدّم في هذا الملف سيُسجّل ضمن الإنجازات السياسية التي يسعى إليها الرئيس ترامب في إطار مشروع أوسع لخفض النزاعات في المنطقة.

 

وتخلص الأوساط إلى أنّ ربط مصير لبنان بنتائج التفاوض الأميركي – الإيراني لم يعد يستند إلى وقائع ملموسة، بل يدخل في إطار الاستثمار السياسي الداخلي. فالمعطيات المتوافرة لدى الجهات المعنية تشير إلى أنّ المسارين باتا منفصلين إلى حدّ كبير، وأنّ مستقبل لبنان يُبحث على طاولة أخرى عنوانها الدولة اللبنانية والتفاوض المباشر برعاية أميركية.

 

قراءة ديبلوماسية

وفي السياق نفسه، جزم ديبلوماسي مطلع على ملف التفاوض اللبناني – الإسرائيلي المباشر، بأنّ انتهاء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وطيّ صفحة العمليات العسكرية الواسعة، يشكّلان تطوراً إيجابياً للبنان، لكنهما لا يعنيان إقفال الملف اللبناني أو حسم مصيره بصورة نهائية.

 

وأوضح الديبلوماسي لـ«الجمهورية»، أنّ الاتفاق المستجد يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة في لبنان، لكنه لا يوقف تلقائياً العمليات العسكرية المحدودة في الجنوب أو في ما تسمّيه إسرائيل «المنطقة الصفراء». ولذلك فإنّ وقف الحرب الواسعة لا يساوي حكماً نهاية التوترات الميدانية، خصوصاً أنّ الوقائع الميدانية أظهرت استمرار الخروقات والغارات المحدودة منذ اليوم الأول لسريان التفاهم الأميركي – الإيراني.

ورأى المصدر، أنّ النقطة الجوهرية تكمن في أنّ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة لا يزال بنداً قائماً ومثبتاً، إلّا أنّ توقيته وآلياته لم تُحسم عبر التفاهم الأميركي – الإيراني، بل تُركت لمعالجة خاصة ضمن إطار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية برعاية واشنطن.

 

وأضاف، أنّ ملف سلاح «حزب الله» وعلاقته بإيران يشكّل جزءاً أساسياً من المناخ السياسي المحيط بهذه المفاوضات، في ظل إصرار أميركي على إنهاء أشكال الدعم العسكري والمالي الخارجي للحزب، كجزء من إعادة ترتيب المشهد الإقليمي. وعليه، فإنّ أي تقدّم على هذا المسار من شأنه أن يفتح الباب أمام تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وتمكينها من إدارة ملف الانسحاب الإسرائيلي من موقع الدولة صاحبة القرار.

وحذّر المصدر، من أنّ تعطيل المسار التفاوضي أو محاولة إفشاله سياسياً لن يؤدي إلى تسريع الانسحاب الإسرائيلي، بل قد يؤدي إلى إطالة أمد الاحتلال وحرمان مئات آلاف اللبنانيين من العودة الطبيعية إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار المنتظرة.

 

اتصال إيراني

ومن هنا، تكتسب المقاربة التي يعتمدها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أهمية استثنائية. فالرئيس الذي تلقّى مساء أمس اتصالاً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رحّب بالتفاهم الأميركي – الإيراني، باعتباره خطوة إيجابية نحو خفض التوتر وفتح المجال أمام الحلول الديبلوماسية. وفي الوقت نفسه، شدّد على أولوية استقرار لبنان وأمنه وسيادته وحماية مصالحه الوطنية وسط المتغيّرات الإقليمية المتسارعة.

 

ويقرأ متابعون موقف رئيس الجمهورية على أنّه يعكس تمسكاً واضحاً بثابتتين: الأولى حماية لبنان من تداعيات الصراعات الإقليمية، والثانية تثبيت موقع الدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة إدارة الملفات السيادية والتفاوضية. وهي مقاربة تنسجم مع المناخ الدولي والعربي الداعم لقيام دولة قادرة تمسك بقرار الحرب والسلم وتستعيد سلطتها الكاملة على أراضيها.

وفي الإطار نفسه، تلقّى رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالاً من عراقجي، شدّد خلاله الأخير على ضرورة التطبيق الكامل والفوري لبند وقف إطلاق النار في لبنان طوال فترة التفاوض المحدّدة بستين يوماً، معتبراً أنّ مسؤولية ضمان التنفيذ تقع على عاتق الولايات المتحدة والجهات الراعية.

 

نتنياهو يصعّد

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد حملت مواقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إشارات متناقضة. فمن جهة تحدث عن استمرار تمسكه بالمصالح الأمنية الإسرائيلية وحرّية العمل العسكري في لبنان، وأعلن عدم التزامه الكامل بالبند المتعلق بالانسحاب من المنطقة الأمنية العازلة. ومن جهة أخرى أقرّ بوجود تباينات مع الرئيس ترامب، كما أقرّ بعدم امتلاكه صورة كاملة عن تفاصيل الاتفاق الأميركي – الإيراني.

 

وتكشف هذه المواقف، أنّ المرحلة المقبلة لن تكون سهلة أو سريعة، وأنّ الطريق إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل لا يزال يحتاج إلى جهد تفاوضي كثيف وضغوط دولية مستمرة. إلاّ أنّ الثابت الأبرز يبقى أنّ لبنان يقف اليوم أمام فرصة نادرة للخروج من دوامة الحروب المفتوحة والانتقال إلى مرحلة تثبيت الدولة واستعادة القرار الوطني.

فلا انسحاب كاملاً بلا تفاوض، ولا عودة آمنة بلا ترتيبات واضحة، ولا إعادة إعمار من دون استقرار مستدام. وبين منطق الدولة ومنطق الساحات المفتوحة، تبدو اللحظة الحالية فرصة لترجيح الكفة لمصلحة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، باعتبارها الضمانة الوحيدة القادرة على حماية السيادة وتأمين مصالح اللبنانيين وصون مستقبلهم.

 

جلسة الحكومة

في أول اجتماع حكومي بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بدا واضحاً أنّ مجلس الوزراء يحاول الانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى مرحلة تثبيت الاستقرار الداخلي والاستعداد للمرحلة السياسية المقبلة. فالجلسة التي ترأسها رئيس الحكومة نواف سلام، حملت رسائل سياسية وأمنية وتربوية متداخلة، عكست رهان السلطة على أن يشكّل وقف النار مدخلاً لتخفيف الضغوط عن لبنان، وإعادة تحريك الملفات العالقة.

 

وفي هذا السياق، أكّد سلام، أنّ الحكومة ستواصل العمل عبر المفاوضات الجارية في واشنطن من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية والإفراج عن الأسرى، بالتوازي مع تكثيف الاتصالات مع الدول الشقيقة والصديقة لتأمين متطلّبات إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم.

أمّا الملف الذي استحوذ على الاهتمام الشعبي، فكان مصير الامتحانات الرسمية. وقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بالتريُّث وعدم حسم خيار الإلغاء أو الإجراء في الوقت الراهن، مع تأجيل الموعد المحدَّد سابقاً، بانتظار اتضاح مدى صمود وقف إطلاق النار وانعكاسه على الواقع الأمني. ويعكس هذا التوجُّه محاولة للموازنة بين الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية وضمان سلامة الطلاب وتكافؤ الفرص بينهم، مع إبقاء خيار الإفادات قائماً إذا استدعت الظروف ذلك.

 

وفي الجانب الإداري والإصلاحي، أقرّ المجلس سلسلة قرارات تتصل بتفعيل عمل التفتيش المركزي، ملء شواغر رقابية وفنية، إنشاء شركة مساهمة لإدارة مطار بيروت الدولي، بالإضافة إلى تكليف شركة تدقيق دولية بتتبُّع حركة أموال محولة من حسابات استشارية إلى شركات صورية أو أطراف ثالثة. كما أُعيد تفعيل المجلس الوطني لسياسة الأسعار، وأُقرَّت خطوات تنفيذية مرتبطة بإدارة النفايات الصلبة.

وعكست القرارات المتخذة محاولة حكومية لربط مرحلة ما بعد الحرب بأجندة إصلاحية وإدارية، عنوانها استعادة انتظام عمل المؤسسات وتعزيز الرقابة المالية والإدارية، بالتوازي مع معالجة الملفات الأمنية والإنسانية الأكثر إلحاحاً.