بين اختبار التفاهم الأميركي – الإيراني الأول على الأرض، واستمرار اشتعال الجبهة اللبنانية، تتّجه الأنظار إلى ما إذا كان اتفاق واشنطن وطهران قادراً على الصمود أمام تعقيدات الواقع الميداني. فالتصعيد الإسرائيلي الأخير في الجنوب أعاد طرح الأسئلة حول حدود الاتفاق، فيما يتمسّك لبنان الرسمي بمسار تفاوضي مستقل، لا ينتظر نتائج المفاوضات الإقليمية. ويتقدّم سؤال أساسي: هل يفتح الاتفاق الأميركي – الإيراني الباب أمام استقرار دائم في لبنان، أم أنّ الجنوب سيبقى ساحة تجاذب تعرقل أي تفاهم أوسع؟ المؤشرات الحالية توحي بأنّ المعركة السياسية لم تنتهِ بعد، رغم توقف المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
اتفاق واشنطن – طهران لا ينهي الجدل
وفي قراءة ديبلوماسية للتفاهم الأميركي – الإيراني المستجد، اعتبر ديبلوماسي غربي سبق أن عمل في لبنان، رداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أنّ الاتفاق الذي توصّلت إليه واشنطن وطهران نجح في وقف المواجهة المباشرة بين الطرفَين، لكنّه تجنّب الخوض تفصيلياً في الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدّمها الوضع على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية. وأوضح أنّ «إيران ربطت دعمها للتفاهم بوقف الضربات الإسرائيلية في لبنان، غير أنّ مدى التزامها بهذا الشرط ما زال موضع اختبار، وقد اهتزّ اليوم بعدما بدا متماسكاً»، محذّراً من أنّ «الساحة اللبنانية قد تتحوَّل إلى عامل تعطيل أو تقويض لأي تفاهم أوسع بين الجانبَين». وأضاف أنّ احتمالات التصعيد تبقى قائمة سواء عبر هجمات قد يشنّها «حزب الله» ضدّ إسرائيل أو من خلال لجوء إسرائيل إلى عمليات عسكرية استباقية، إذا ما رأت أنّ الحزب يعزّز قدراته الميدانية».
على لبنان الإكمال بمساره ولا ينتظر طهران
وفي السياق نفسه، شدّد وزير وديبلوماسي لبناني سابق في حديث لـ«الجمهورية»، على «أهمّية استمرار المسار التفاوضي القائم مباشرةً بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة (ستُعقَد الجولات التالية من 23 إلى 25 حزيران الجاري) ما دام يستند إلى موقف لبناني واضح ومحدَّد المرجعيات والأهداف». وأضاف: «إنّ أي تهدئة إقليمية تنعكس إيجاباً على لبنان، إلّا أنّ الحُكم على نتائج التفاهم الأميركي – الإيراني يبقى مرتبطاً بما ستؤول إليه المفاوضات خلال مهلة الـ60 يوماً المقبلة، ولا يجب توقّع إتمام الأمر في هذا الموعد بالنجاح، فربما يطول أو تعود الحرب الإقليمية وتشتعل الحرب بلبنان أكثر، خصوصاً أنّ إيران تتعمّد دائماً المماطلة، وفي ذلك مخاطرة على لبنان. مصالحنا تتناقض ومصالحهم. من هنا ينبغي أن ننقذ أنفسنا بأنفسنا ونستفيد من الفرص التي يتيحها الاتفاق الإقليمي. إلّا أنّ ذلك يتطلّب توافقاً داخلياً على ضرورة إنقاذ لبنان عبر طاولة واشنطن، لكنّه غير مؤمَّن بسبب تدخّلات إيران».
وأكّد أنّ الولايات المتحدة تبدو حريصة على إبقاء مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مفتوحاً. وأضاف أنّ المرجعيات اللبنانية واضحة وتتمثل في تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، استعادة الأراضي اللبنانية المحتلة، واستكمال ترسيم الحدود. معتبراً أنّ هذه العناوين تشكّل المدخل الواقعي لتحقيق الأمن والاستقرار. وحذّر من أنّ أي مقاربة تتجاوز هذه الأسس ستُبقي لبنان عرضة لاستخدامه كساحة لتصفية النزاعات الإقليمية والدولية.
من جهة أخرى، تؤكّد مصادر سياسية مطلعة لـ«الجمهورية»، أنّ محاولات الربط بين المسارين اللبناني والإيراني، عبر الترويج لفكرة أنّ تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان مرتبط مباشرة بالتفاهمات بين واشنطن وطهران، لا تستند إلى معطيات واقعية. وتشير هذه المصادر إلى أنّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وسقوط ضحايا وجرحى خلال الساعات الأخيرة، يشكّلان دليلاً على أنّ الملف اللبناني ما زال يتحرَّك وفق اعتبارات ميدانية وسياسية خاصة به. وتضيف أنّ كلاً من الولايات المتحدة والدولة اللبنانية تعملان على الفصل بين المسارين، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ لكل من الملفَّين ظروفه وحساباته المختلفة، وأنّ معالجة الوضع في لبنان يجب أن تتمّ ضمن إطار مستقل عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وإن كانت التطوُّرات الإقليمية تظل عاملاً مؤثراً في المناخ السياسي العام.
التصعيد في الجنوب يجمّد مفاوضات سويسرا
دخل الاتفاق الأولي الذي أبرمته الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع مرحلة دقيقة بعد انفجار الوضع الميداني مجدَّداً في جنوب لبنان، حيث أدّت المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» إلى تأجيل الجولة الجديدة من المحادثات الأميركية – الإيرانية التي كانت مقرَّرة في سويسرا أمس، ما أثار مخاوف متزايدة من انهيار التفاهم الذي يُفترض أن يمهّد لإنهاء الصراعات الإقليمية عبر مسار تفاوضي أوسع.
وكان من المنتظر أن تستضيف سويسرا محادثات تقنية بين الجانبَين الأميركي والإيراني على ضفاف بحيرة لوتسيرن، إلّا أنّ وزارة الخارجية السويسرية أعلنت تأجيلها مع استمرار التحضيرات اللوجستية لاستضافتها في موعد لاحق. وبحسب ثلاثة ديبلوماسيّين، قرّرت طهران الانسحاب من الجولة الجديدة من المفاوضات عقب الضربات الإسرائيلية في لبنان، من دون توضيح ما إذا كان القرار مرتبطاً بالهجمات الأخيرة أم بسلسلة العمليات التي سبقتها خلال الأسبوع.
وجاء هذا التطوُّر بعدما شهد الجنوب اللبناني أخطر تصعيد منذ الإعلان عن الاتفاق الأميركي – الإيراني. ففجر أمس الجمعة قُتل 4 جنود إسرائيليِّين إثر استهداف دبابة إسرائيلية قرب بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان، في واحدة من أكثر الضربات دموية التي تتعرّض لها القوات الإسرائيلية منذ اندلاع المواجهات الحالية في آذار الماضي.
ورداً على الهجوم، أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق، استهدفت أكثر من 80 موقعاً قالت إنّها تابعة لـ«حزب الله» في مناطق النبطية والبقاع. وأعلن الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع أنّ الغارات أسفرت عن مقتل عشرات المقاتلين، فيما أفادت وزارة الصحة اللبنانية بسقوط ما لا يقل عن 47 قتيلاً وإصابة 97 آخرين نتيجة الغارات التي استمرّت من منتصف الليل حتى ساعات الصباح، وشملت ما لا يقل عن 11 بلدة في الجنوب اللبناني والبقاع.
في المقابل، أعلن «حزب الله» أنّ مقاتليه نصبوا كميناً لقوات إسرائيلية حاولت التقدُّم قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية، مؤكّداً استهداف قوات إسرائيلية بالصواريخ وقذائف الهاون وتدمير دبابات «ميركافا» بواسطة صواريخ موجَّهة.
ومع اتساع رقعة المواجهات، تصاعدت المخاوف من انعكاسها المباشر على الاتفاق الأميركي – الإيراني الذي ينصّ على وقف الأعمال القتالية في جميع الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية التي تحوَّلت إلى العقدة الأكثر حساسية أمام استدامة التفاهم الجديد.
وعلى رغم ذلك، أفاد مسؤول أميركي وديبلوماسيّون، بأنّ إسرائيل و»حزب الله» توصّلا لاحقاً إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية وقطرية، على أن يدخل حيّز التنفيذ عند الساعة الرابعة بعد الظهر بالتوقيت المحلي. إلّا أنّ فشل اتفاقات سابقة مماثلة، أبقى الشكوك قائمة حول قدرة هذا التفاهم على الصمود، إذ خلال ساعتَين فقط من بدء سريان الاتفاق تعرَّضت بلدات جنوبية إلى أكثر من 12 غارة إسرائيلية. وترجِّح المصادر أن يطول أمد «وقف النار المُستحدَث» إلى حين انطلاق أولى جولات التفاوض التي تستضيفها سويسرا في موعد يُحدَّد لاحقاً، فيتمّ خرقه من قِبل «حزب الله» أو إسرائيل بشكل منضبط، خصوصاً أنّه ينصّ على أنّ لإسرائيل حرّية الحركة العسكرية تجاه أي تهديد مباشر لقواتها في جنوب لبنان.
وعكست المواقف السياسية حجم التباعد القائم بين أطراف الأزمة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكّد أنّه أصدر أوامر بشن ضربات قوية ضدّ «حزب الله»، مشدِّداً على أنّ إسرائيل «ستفرض ثمناً باهظاً جداً» على الحزب بعد مقتل الجنود الأربعة. كما كرَّر مسؤولون إسرائيليّون التأكيد أنّ تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بالكامل بمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وأنّ القوات الإسرائيلية ستواصل البقاء داخل ما تصفه بـ»المنطقة الأمنية» الممتدة لأكثر من 10 كيلومترات في جنوب لبنان، إذ إنّ المذكرة لا تنص على أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان.
في المقابل، حمّلت إيران الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عن التطوُّرات الأخيرة. إذ أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي العمليات الإسرائيلية، مؤكّداً أنّ طهران ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وأمنها وحقوقها وحقوق حلفائها.
تزامناً، بدأت تظهر معارضة داخلية للاتفاق الأميركي – الإيراني في كلا البلدَين. ففي إسرائيل انتقد سياسيّون الاتفاق باعتباره يمنح طهران متنفّساً اقتصادياً مقابل تأجيل الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني. أمّا في إيران، فدعت وكالة «تسنيم» المقرّبة من الحرس الثوري إلى إبقاء مضيق هرمز مغلقاً وتعليق أي مفاوضات إضافية إلى حين انسحاب إسرائيل الكامل من لبنان.
كما برزت توترات بين واشنطن وتل أبيب على خلفية الاتفاق. فقد أرجأت الإدارة الأميركية زيارة كان من المقرّر أن يقوم بها نائب الرئيس جي دي فانس إلى سويسرا للمشاركة في المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وفي مؤتمر صحافي، وجّه فانس انتقاداً غير مألوف للأصوات الإسرائيلية المعارضة للاتفاق، مشدِّداً على أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبقى الحليف الأقوى لإسرائيل في الوقت الراهن، في إشارة إلى استياء واشنطن من الانتقادات الإسرائيلية المتزايدة.
وبذلك، يجد الاتفاق الأميركي – الإيراني نفسه أمام أول اختبار ميداني حقيقي منذ الإعلان عنه. فبينما يسعى الوسطاء إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وإعادة إحياء المفاوضات المؤجّلة، يرى مراقبون أنّ استمرار القتال على الجبهة اللبنانية سيجعل أي تفاهم بين واشنطن وطهران هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، ما لم تُترجَم التعهُّدات السياسية إلى تهدئة فعلية ومستدامة على الأرض.
عون: وقف النار أولاً
رفع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سقف الموقف اللبناني الرسمي عشية الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، واضعاً أولوية مطلقة لوقف شامل لإطلاق النار، باعتباره المدخل الإلزامي لأي بحث في الملفات الأخرى، من الانسحاب الإسرائيلي إلى انتشار الجيش اللبناني وعودة الأسرى. وفي ظل تصاعد الضربات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع، اعتبر عون أنّ ما يجري يشكّل محاولة مباشرة لنسف الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تثبيت التهدئة، ولا سيما بعد التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير.
وفي موازاة إدانته الاعتداءات الإسرائيلية، شدَّد عون على أنّ الدولة وحدها تشكّل الضامن للبنان، مؤكّداً أنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ البدائل الحزبية والطائفية لم تُنتِج سوى المزيد من الدمار والاستنزاف. كما وجّه رسالة سياسية واضحة مفادها، أنّ المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استعادة دور المؤسسات وتعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
وجاء اللقاء مع السفير المصري علاء موسى ليعزّز هذا التوجُّه، إذ أكّد الأخير الدعم المصري الكامل لمواقف الدولة اللبنانية وللمسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة، معتبراً أنّ الاتفاق الأميركي – الإيراني يوفّر مناخاً أكثر ملاءمة لخفض التوترات في لبنان. كما شدّد على أنّ القاهرة تنظر إلى المفاوضات المرتقبة في واشنطن كفرصة لإحداث اختراق فعلي يقود إلى تثبيت وقف الأعمال العدائية والانسحاب الإسرائيلي.
وفي مؤشر إضافي إلى عودة الحضور الديبلوماسي إلى لبنان، تسلّم عون أوراق اعتماد سفراء جدد من سويسرا والسعودية والجزائر، في خطوة تعكس استمرار الرهان الدولي والعربي على استقرار لبنان ومؤسساته الشرعية في مرحلة إقليمية دقيقة.
روبيو
أكّدت الخارجية الأميركية، أنّ وزير الخارجية ماركو روبيو شدّد خلال اتصال مع الرئيس عون على أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل هو الخيار الوحيد لوضع حدّ لدورة العنف. وبحسب البيان، تناول الاتصال تطوُّرات الأوضاع في لبنان والمنطقة، إذ جدّد روبيو دعم واشنطن لاستقرار لبنان وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها ونزع سلاح «حزب الله»، إلى جانب دعم مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وفي مقدّمتها الجيش. من جهته، شكر الرئيس عون الولايات المتحدة على دعمها، مؤكّداً ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والتوصُّل إلى وقف شامل لإطلاق النار، باعتباره مدخلاً أساسياً لإنجاح المفاوضات المرتقبة في واشنطن الأسبوع المقبل حول تثبيت الأمن والسيادة اللبنانية.
بري وترقّب للمسار الإقليمي
في موازاة الحراك الرئاسي المرتبط بالمفاوضات والملف الأمني، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، السفير السعودي الجديد في لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري في زيارة بروتوكولية بعد تسلّمه مهامه، حيث جرى استعراض الأوضاع اللبنانية والإقليمية والعلاقات الثنائية بين بيروت والرياض. ويأتي اللقاء في سياق اهتمام سعودي متجدِّد بالساحة اللبنانية، بالتوازي مع الحراك الدولي والعربي المواكب للمفاوضات المرتقبة في واشنطن، والتي يُنظر إليها باعتبارها محطة مفصلية لتحديد مسار المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني والمنطقة عموماً.