لم يعُد السؤال المطروح في لبنان: هل نتفاوض أم لا؟ بل أصبح: ما البديل الواقعي الذي يمنع حرباً جديدة ويحفظ ما تبقّى من الدولة؟ ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، اختارت الدولة اللبنانية الانتقال من إدارة المواجهة إلى إدارة المصالح الوطنية، مستندة إلى قناعة مفادها أنّ حماية المواطنين واستعادة السيادة لا تتحققان بالشعارات، بل بمسار سياسي يوقف النزيف. وبينما تتصاعد الضغوط الإسرائيلية، ويتحرَّك الأميركيّون لتثبيت الإطار الجديد، يضع رئيس الجمهورية جوزاف عون معارضي هذا المسار أمام سؤال واحد: إذا لم يكن هذا الطريق، فأين البديل القادر على إنقاذ لبنان؟
في غمرة الكلام على زيارة مرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، والأنباء المسرَّبة من إسرائيل حول رغبة ترامب في عقد لقاء ثلاثي يجمعه بعون ونتنياهو، خرج رئيس الجمهورية بمواقف صريحة، وتضع كل طرف أمام مسؤولياته. وخلال جلسة مع عدد من الصحافيّين، خاطب معارضي المسار التفاوضي بالقول: «لستُ مغرماً بإسرائيل، إنما أعطوني حلاً آخر لأسير به أياً يكن». وجدّد عون تأكيده أنّ «هذا إطار وليس اتفاقاً مع إسرائيل»، موجّهاً رسالة واضحة إلى الداخل والخارج، بأنّ الرهان على تفتيت المؤسسة العسكرية ليس إلّا وهماً، وأضاف: «لا يراهننَّ أحد على انقسام الجيش اللبناني، ولن أترك شعبي يموت. وأقول للذين يعارضون هذا الإطار: أنا في انتظار أي حل أو اتفاق يخرجنا من الحروب».
وتلفت مصادر سياسية، إلى أنّ هذا الطرح يمثل منطقاً سياسياً واقعياً، وخلاصته أنّ الإنكار وحده لا يمكن أن يمنع الاحتلال من قضم الأرض. ولذلك، إمّا تقديم بديل قابل للتطبيق يضمن حماية الشعب والسيادة، وإمّا ترك الدولة تمضي في خيارها الأسلم، في محاولتها الصعبة لحفظ ما تبقّى من البلد وأهله.
لماذا اختار لبنان مسار التفاوض؟
لم يعُد النقاش في لبنان يدور حول خيارٍ نظري بين الحرب والتفاوض، بل حول مسؤولية الدولة في حماية شعبها، بعد سنوات من النزاعات التي استنزفت الإنسان والاقتصاد والمؤسسات. فالسلطة اللبنانية تنطلق اليوم من معادلة مختلفة، قوامها أنّ الشرعية الوطنية تُقاس بقدرتها على حماية المواطنين وإعادة بناء الدولة، لا بإطالة أمد المواجهات المفتوحة. ومن هذا المنطلق، ترى الأوساط الديبلوماسية، أنّ صيغة الإطار التي وقّعها لبنان لا تمثل تنازلاً سياسياً، بل تعكس انتقالاً من إدارة الحروب إلى إدارة المصالح الوطنية، انطلاقاً من حق اللبنانيّين في الأمن والاستقرار.
وتستند هذه المقاربة إلى حجم الكلفة التي تكبّدها لبنان خلال السنوات الأخيرة. فالحرب الأخيرة وحدها أودت بحياة أكثر من 4 آلاف شخص وجرح أكثر من 12 ألفاً، وأدّت إلى نزوح أكثر من مليون لبناني، فيما تعرّض نحو 90 ألف منزل لأضرار متفاوتة. كما أنّ المواجهات الممتدة بين عامي 2023 و2024 خلّفت خسائر اقتصادية قاربت 14 مليار دولار، فيما تجاوزت حاجات إعادة الإعمار والتعافي 11 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الانهيار الذي أصاب البنية التحتية والاقتصاد الوطني.
صُحف
وانطلاقاً من هذه الوقائع، تعتبر الدولة اللبنانية أنّ واجبها الأول يتمثل في حماية حياة اللبنانيّين، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وإعادة حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية. فالدولة، وفق هذه الرؤية، لا تستطيع مطالبة شعبها بتحمّل دورة جديدة من الدمار، بعدما دفع أثماناً بشرية واقتصادية تفوق قدرته على الاحتمال.
بداية مسار لا نهايته
في هذا السياق، تؤكّد المصادر الديبلوماسية لـ«الجمهورية»، أنّ ما وقّعه لبنان ليس اتفاق سلام نهائياً، بل صيغة إطار تؤسس لمسار سياسي وأمني جديد. وأهمّية هذه الصيغة لا تكمن في حل جميع الملفات دفعة واحدة، بل في وضع آلية تدريجية تسمح بالانتقال من وقف إطلاق نار هش إلى استقرار طويل الأمد، عبر تثبيت مبدأ الانسحاب الإسرائيلي المرحلي من الأراضي اللبنانية.
وترى المصادر، أنّ القراءة الموضوعية للإطار ينبغي أن تركّز على المسار الذي يفتحه أكثر من تفاصيله التقنية، إذ إنّه يربط بين الانسحاب الإسرائيلي، وعودة السكان إلى قراهم، وإطلاق إعادة الإعمار، وصولاً إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على جميع الأراضي وحصر امتلاك القوّة بيد المؤسسات الشرعية وحدها. ومن هنا، فإنّ الاتفاق لا يقدّم نفسه بوصفه نهاية للأزمة، بل باعتباره نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة واستعادة سيادتها تدريجياً، بعيداً من منطق الجبهات المفتوحة الذي حَكَم الجنوب اللبناني لعقود.
هيئاتتنفيذية
عون: المطلوب بديل واقعي لا شعارات
هذا المنطق عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال لقائه مجموعة من الصحافيّين، عندما شدّد على أنّ الهدف الأساسي من صيغة الإطار هو إنهاء الحلقة المفرغة التي عاشها لبنان منذ سنوات. وأكّد أنّ موقفه لا ينطلق من أي اعتبارات أيديولوجية أو سياسية تجاه إسرائيل، بل من مسؤولية وطنية تفرض البحث عن أي مسار يحقق الاستقرار ويحمي اللبنانيّين.
وجاءت رسالته واضحة إلى المعترضين، إذ دعاهم إلى تقديم بديل عملي قادر على إخراج البلاد من دوامة الحروب، مؤكّداً أنّ الأولوية ليست للدفاع عن الشعارات، بل لإيجاد حلول قابلة للتنفيذ تحفظ الأمن الوطني وتمنع تكرار الكوارث التي عاشها اللبنانيّون.
كما رفض رئيس الجمهورية المقارنات مع اتفاق 17 أيار، معتبراً أنّ الظروف الإقليمية والدولية والسياسية الحالية مختلفة بالكامل، وأنّ المسار الجديد حظي بدعم واسع من القوى الدولية التي تواصلت مع لبنان وأبدت تأييدها للتحرُّك الذي تقوده الدولة.
إجراء تقني لا اتفاق خفي
وفي موازاة الجدل الداخلي، برزت حملة تشكيك ركّزت على سرّية الملحق الأمني المرافق لصيغة الإطار. إلّا أنّ مصادر سياسية تؤكّد لـ«الجمهورية» أنّ هذه السرّية ليست استثناءً لبنانياً، بل قاعدة معمول بها في جميع التفاهمات الأمنية، نظراً لما تتضمّنه من تفاصيل عملياتية وآليات تنفيذ ميدانية لا تُنشر عادة للرأي العام.
وتوضح المصادر، أنّ لبنان لم يطلب إخفاء الملحق أو منع نشره، بل إنّ تصنيفه ضمن الوثائق السرّية يعود إلى طبيعته الأمنية حصراً، وليس إلى وجود بنود سياسية مخفية كما يحاول البعض الإيحاء. وتلفت كذلك إلى أنّ تنفيذ الترتيبات الأمنية سيتمّ عبر الآلية الأميركية التي تتولّى دور الوسيط وقناة التنسيق بين الطرفَين، بما يعني عدم وجود تنسيق أمني مباشر بين لبنان وإسرائيل، بل إدارة أميركية للاتصالات المتعلقة بتطبيق الاتفاق وآليات مراقبته. بالتالي، فإنّ تحويل مسألة السرّية إلى مادة سياسية لا يعكس حقيقة طبيعة هذه الملاحق، فيما يبقى المعيار الحقيقي هو مدى نجاح الاتفاق في تثبيت الاستقرار وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.
حراك أميركي لتثبيت المسار ومنع الحرب
وفي هذا الإطار، تكتسب زيارة رئيس آلية المراقبة، الجنرال جوزيف كليرفيلد، إلى إسرائيل أهمّية خاصة، إذ تؤكّد المصادر السياسية أنّ مهمّته الأساسية تتمثل في إزالة العقبات التنفيذية ومنع أي تطوُّرات ميدانية قد تعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة. ويعكس هذا الحراك رغبة أميركية واضحة في الانتقال سريعاً من الاتفاق السياسي إلى التنفيذ العملي، قبل أن تتحوَّل الخلافات التقنية إلى ذريعة لإعادة التصعيد.
وتشير المعطيات، إلى أنّ كليرفيلد يعمل على تقريب وجهات النظر بشأن الملفات التنفيذية، بما يضمن استمرار المسار الحالي باعتباره فرصة فعلية لإبعاد لبنان عن حرب جديدة، في ظل إدراك واشنطن أنّ أي انهيار للاتفاق ستكون له انعكاسات إقليمية واسعة.
ضغط تفاوضي لا تغيير في المعادلة
في المقابل، واصلت إسرائيل رفع سقف مواقفها السياسية والعسكرية. فقد دعا رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال زيارته إلى مرتفعات قلعة الشقيف المحتلة، الجيش اللبناني إلى تنفيذ التزاماته، معلناً استمرار الجيش الإسرائيلي في التحرُّك ضدّ أي ما يعتبره تهديداً أمنياً، مع التلويح بالانتقال إلى عمليات هجومية إذا انهار وقف إطلاق النار.
كما كشفت تقارير إسرائيلية، أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ينتظر موقفاً أميركياً نهائياً قبل اتخاذ قرار بتنفيذ عملية عسكرية تستهدف موقعاً في مرتفعات علي الطاهر، شرق النبطية، إذ تعتقد إسرائيل أنّ عناصر من «حزب الله» لا يزالون موجودين داخله.
وتشير هذه المعطيات إلى أنّ إسرائيل تستخدم التهديد العسكري كورقة ضغط موازية للمسار السياسي، فيما يبقى نجاح صيغة الإطار مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على منع انزلاق الطرفَين إلى مواجهة جديدة، خصوصاً أنّ محاولات إسرائيل السابقة للسيطرة على هذا المرتفع الاستراتيجي لم تحقق أهدافها.
وفي السياق نفسه، أكّد نتنياهو استمرار التنسيق الوثيق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نافياً وجود أي خلاف استراتيجي بينهما، ومشيراً إلى أنّ أي تباينات تُعالج عبر التشاور المباشر.
لبنان في قلب التوازنات
بالتوازي مع الملف اللبناني، تستمر المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وسط تعثر واضح في تنفيذ التفاهمات التي جرى التوصُّل إليها. فالمذكرة القائمة بين الجانبَين ما زالت قائمة من حيث المبدأ، إلّا أنّ تطبيقها يصطدم بأزمة ثقة عميقة بين الطرفَين. ويتركّز الخلاف الأساسي حول آلية تحويل نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية، بالإضافة إلى كيفية تنفيذ الوعود المتعلقة باستثمارات تصل إلى 300 مليار دولار عبر شركات متعدّدة الجنسيات، إذ تصرّ طهران على الحصول على الضمانات المالية أولاً، بينما تعطي واشنطن الأولوية لضمان حرّية الملاحة في الخليج وتأمين الممرات البحرية.
أمّا لبنان، فيحتل موقعاً محورياً في هذه المفاوضات، إذ تصرّ إيران على ربط أي تفاهم بحماية «حزب الله» ومنع استهدافه، في حين تدفع الولايات المتحدة باتجاه تثبيت صيغة الإطار اللبناني باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. ويعني ذلك أنّ أي تعثر في المسار الأميركي – الإيراني قد ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، سواء عبر ضغوط سياسية واقتصادية أميركية أو عبر محاولات إيرانية لاستخدام الورقة اللبنانية في تحسين شروط التفاوض.
وعلى رغم من امتلاك واشنطن أدوات ضغط مالية ومصرفية وسياسية واسعة، فإنّها ما زالت تفضّل معالجة الملف اللبناني عبر تثبيت صيغة الإطار ودعم مؤسسات الدولة، باعتبار أنّ نجاح هذا المسار يمثل أفضل وسيلة لتجنيب لبنان الانزلاق مجدّداً إلى الحرب.
مرحلة مفصلية أمام الدولة اللبنانية
في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية. إلّا أنّ الثابت في المقاربة الرسمية، هو أنّ مصلحة الدولة اللبنانية تبقى فوق أي اعتبارات أخرى، وأنّ مسؤوليتها الأولى تتمثل في حماية مواطنيها، وإنهاء زمن الحروب المفتوحة، واستعادة القرار السيادي عبر المؤسسات الشرعية.
فالرهان اليوم لم يعُد على إدارة الأزمات، بل على استثمار صيغة الإطار كفرصة تاريخية للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الدولة، ومن اقتصاد الحرب إلى إعادة الإعمار، ومن تعدُّد مراكز القرار إلى سلطة وطنية واحدة تحتكر وحدها مسؤولية الدفاع عن لبنان وصناعة مستقبله.