IMLebanon

الجمهورية : عون يفتح في واشنطـن باب الدولة اللبنانية… والجنوب يدخل أول اختبار للانسحاب والسيادة الكاملة

 

 

وضع رئيس الجمهورية جوزاف عون لبنان على عتبة مرحلة سياسية وأمنية جديدة، بعدما أعاد من البيت الأبيض تثبيت موقع الدولة اللبنانية شريكاً في صياغة مستقبل البلاد، لا ساحة تُستخدم في صراعات الآخرين. فالقمة التي جمعته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي الأولى بين رئيسي البلدين منذ 17 عاماً، لم تقتصر على تجديد العلاقات، بل فتحت مساراً عنوانه تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، ودعم الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء حالة العداء، وإعادة بناء الثقة الدولية بلبنان.

السياسة(التيار اليميني)

وعاد عون من واشنطن حاملاً دعماً سياسياً أميركياً واضحاً لمقاربته، فيما بدأ الجيش اللبناني تسلّم أول منطقة انسحبت منها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية. وتزامن ذلك مع قرار ترامب السماح باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان بعد انقطاع منذ عام 1985، في مؤشر رمزي وسياسي إلى أنّ واشنطن بدأت تنظر إلى لبنان من بوابة الدولة ومؤسساتها.

 

لكن الأهم من رمزية القمة هو ما سيليها. فقد انتقل الملف اللبناني من مرحلة الاتفاق على المبادئ إلى اختبار التنفيذ، وباتت الدولة أمام مسؤولية تثبيت سلطتها في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، فيما يواجه «حزب الله» خياراً بين الاندماج في الحياة السياسية تحت سقف المؤسسات، أو البقاء خارج المسار الذي تتّجه إليه البلاد.

 

قمة تعيد لبنان إلى الخريطة

قالت مصادر سياسية مطلعة لـ«الجمهورية»، إنّ القمة شكّلت محطة تاريخية، ولم تكن لتحصل لولا وجود قناعة أميركية بأنّ لبنان بدأ يستعيد مقومات الدولة، وبأنّ السلطة الحالية تسير في اتجاه تكريس سلطتها وإنهاء واقع الدويلة.

 

ورأت المصادر، أنّ قرار الرحلات الجوية يعكس بداية بناء ثقة جديدة بالدولة اللبنانية، بعد عقود ارتبطت في الذاكرة الأميركية بخطف الطائرات وهيمنة الميليشيات وقوى الأمر الواقع على القرار الأمني. إلّا أنّ التنفيذ الفعلي للقرار يتطلّب استكمال التقييمات الأمنية والإجراءات التنظيمية وموافقة شركات الطيران، ما يجعل الخطوة بداية مسار وليست عودة فورية للرحلات.

 

وحملت القمة ثلاث رسائل: الأولى من عون إلى ترامب، بتأكيده أنّ الهدف النهائي هو السلام والاستقرار وإنهاء حالة العداء، بما يضع لبنان ضمن المسار الإقليمي الذي تقوده واشنطن.

أما الثانية، فوجّهها ترامب إلى الثنائي الشيعي، ولا سيما «حزب الله»، عندما أشاد بالرئيس نبيه بري، وأبدى استعداداً للتواصل مع الحزب إذا جرى ذلك عبر رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة. ومضمون الرسالة، أنّ باب التسوية ما زال مفتوحاً أمام الحزب إذا انتقل من المشروع المسلح إلى العمل السياسي.

 

وجاءت الرسالة الثالثة من إشادة ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، وإشارته إلى احتمال أن يكون لدمشق دور في لبنان. وقرأت مصادر سياسية هذا الكلام على أنّه ضغط إضافي لتنفيذ المطلوب داخلياً، وتذكير بأنّ واشنطن لن تسمح باستمرار النفوذ الإيراني المسلح تحت أي عنوان.

 

دعم لمقاربة عون

وفي مؤشر إلى اتساع التأييد الداخلي للمقاربة الرئاسية، بعث النائب السابق وليد جنبلاط برسالة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، هنّأه فيها على خطابه الأخير في السفارة اللبنانية في واشنطن، ومشيدًا بالمقاربة التي اعتمدها في تناول ملف سلاح حزب الله. وجاء في الرسالة: «حضرة الرئيس عون، أهنئكم على خطابكم وعلى مقاربتكم الممتازة لقضية سلاح «حزب الله». كل الاحترام».

وتكتسب الرسالة أهميتها من موقع جنبلاط وخبرته في قراءة التحوّلات الإقليمية، إذ تعكس إدراكاً داخلياً بأنّ حصرية السلاح لم تعد مسألة خارجية أو مطلباً أميركياً، بل أصبحت ركناً في إعادة بناء الدولة وحمايتها من حروب جديدة.

 

الجنوب يترجم القمة

بالتوازي مع قمة واشنطن، دخلت «المناطق التجريبية» مرحلة التنفيذ في فرون وصريفا وزوطر الغربية، ضمن الآلية الثلاثية المنبثقة من صيغة الإطار وبرعاية أميركية مباشرة.

السياسة(التيار اليميني)

وأوضح مصدر سياسي مطلع لـ«الجمهورية»، أنّ الجنوب دخل مرحلة أمنية تختلف عن كل ما سبقها. فلم يعد النقاش يدور حول زيادة عدد وحدات الجيش، بل حول نموذج يقوم على انتقال الأرض من الاحتلال الإسرائيلي إلى سلطة الدولة، ومنع إعادة إنتاج أي وجود عسكري خارج المؤسسات الشرعية.

 

وباشر الجيش انتشاره في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الجزء الذي كانت تسيطر عليه، وبدأت وحداته أعمال المسح الهندسي وتفجير الذخائر غير المنفجرة. وزار رئيس الحكومة نواف سلام زوطر الغربية برفقة وزير الدفاع ميشال منسى ورئيس الأركان اللواء الركن حسان عودة، وغرس العلم اللبناني في ساحتها.

وقال سلام، إنّ انتشار الجيش يمثل بداية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، معلناً العمل على فتح الطرقات وإعادة خدمات المياه والكهرباء والاتصالات وتأمين مساكن خلال المرحلة الانتقالية. وبذلك انتقلت التجربة من التسليم العسكري إلى مسؤولية حكومية تشمل الخدمات وعودة السكان.

 

خرق في الاختبار الأول

لم تخلُ البداية من اختبار خطر. فقد أكّدت قيادة الجيش أنّ القوات الإسرائيلية اقتربت من أطراف زوطر الغربية أثناء وجود وحداته داخل البلدة، وأطلقت النار بالقرب منها، ما عرّض العسكريين للخطر وأعاق تنفيذ المهمّة.

 

وشدّد الجيش على أنّ وحداته دخلت زوطر الغربية، لا زوطر الشرقية، وأنّ أي إشكال يجب أن يُعالج عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، لا من خلال الاعتداءات الميدانية.

ويكشف الحادث هشاشة الآلية في أيامها الأولى، كما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية منع إسرائيل من فرض خرائط أو قواعد حركة خارج ما جرى الاتفاق عليه. فنجاح النموذج يتطلّب انسحاباً واضحاً، ودخولاً آمناً للجيش، ومنع أي احتكاك يمكن أن يعرقل التسليم. وتراقب الجهات اللبنانية ثلاثة مؤشرات: التزام إسرائيل مواعيد الانسحاب، دخول الجيش من دون عراقيل، ومنع وقوع أحداث أمنية تعطّل العملية. وستحدّد النتائج سرعة الانتقال إلى مناطق إضافية.

 

واشنطن شريك في التنفيذ

أكّد مصدر مطلع لـ«الجمهورية» أنّ الولايات المتحدة انتقلت من دور الوسيط إلى الشراكة التنفيذية، عبر الإشراف على آلية المتابعة والتحقق، فيما تتولّى القيادة المركزية الأميركية مواكبة التنسيق العسكري.

وفي هذا السياق، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة قائد العمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية العميد جون بيشوب، وبحث معه تعزيز التعاون والتنسيق. ويأتي اللقاء ضمن سلسلة اتصالات عسكرية تعكس نظرة واشنطن إلى الجيش باعتباره الركيزة الأساسية لإنجاح صيغة الإطار.

 

وترتبط المساعدات العسكرية المنتظرة بنتائج التنفيذ، لأنّ الانتشار في مناطق إضافية سيفرض على الجيش مهمات واسعة في المراقبة والهندسة والاتصالات وحماية السكان. ومن هنا، شكّل دعم المؤسسة العسكرية محوراً رئيسياً في محادثات عون مع ترامب.

 

جولة جديدة في إيطاليا

أفاد مسؤول لبناني، أنّ لبنان وإسرائيل سيعقدان جولة مفاوضات جديدة بوساطة أميركية في إيطاليا في الرابع من آب، لتقييم المرحلة الأولى، ومعالجة الخروق، والبحث في المناطق التالية التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية وينتشر فيها الجيش.

السياسة(التيار اليميني)

 

وتريد بيروت منع حصر التجربة في زوطر الغربية أو استخدامها لتجميل احتلال مناطق أوسع. ولذلك يتركّز العمل على تحويل الانسحاب الأول إلى آلية متتابعة تنتهي باستعادة كامل الأراضي اللبنانية.

وشدّد الرئيس بري على أنّ العبرة تبقى في النتائج، ولا سيما تثبيت وقف إطلاق النار والانسحابات. واعتبر أنّ ما حصل في زوطر الغربية محدود قياساً إلى حجم الأراضي المحتلة واستمرار الاعتداءات. لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام دعم المسار إذا أنتج تقدّماً حقيقياً، معلّقاً على كلام ترامب عنه بالقول إنّ الرئيس الأميركي «يفهمني أكثر من اللبنانيين».

 

الثنائي يترقّب إسلام آباد

قال مصدر بارز في الثنائي لـ«الجمهورية»، إنّ الثنائي يتابع التطورات بهدوء، وإنّ هناك اتفاقاً على عدم القيام بأي خطوة متهورة، خصوصاً أنّ وقف إطلاق النار يسري ضمن قواعد اشتباك مدروسة نسبياً، فيما عاد نحو 50 في المئة من السكان إلى منازلهم.

 

وأضاف، أنّ مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، بمهلتها المحددة بـ60 يوماً، ما زالت على الطاولة. ورأى أنّ الظروف التي أنتجتها والدوافع التي دفعت ترامب إلى الالتزام بها ما زالت قائمة، متوقعاً عودة الأمور إلى التفاوض بعيداً من التصعيد.

وأكّد أنّ الثنائي لا يريد أن يجرّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى روزنامته المرتبطة بحساباته الانتخابية، في موقف يعكس رغبة واضحة في إبقاء لبنان خارج المواجهة الأميركية-الإيرانية.

 

من الدعم إلى النتائج

تتجمّع تطورات اليوم حول معادلة واحدة: عون أعاد فتح أبواب واشنطن أمام لبنان، لكن تثبيت التحول يحتاج إلى نتائج متراكمة. فالرحلات المباشرة تعيد بناء الثقة، وانتشار الجيش يعيد الأرض إلى الدولة، والمفاوضات المقبلة يفترض أن توسع الانسحاب.

 

في المقابل، ستقاس المرحلة بقدرة الدولة على حماية الجيش، وإعادة السكان، وتوفير الخدمات، ومعالجة ملف السلاح ضمن المؤسسات. كما ستقاس بقدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بوقف الخروق وعدم تحويل المناطق التجريبية إلى جزر منفصلة وسط احتلال مستمر.

 

أما «حزب الله»، فقد وصلته رسالة مزدوجة: باب السياسة مفتوح إذا اختار الدولة، لكن زمن المشروع المسلح المفتوح على الخارج يقترب من نهايته. وبين الخيارين، يتحول قرار عون إلى محور المرحلة: حماية لبنان بالتفاوض، وتقوية الجيش، واستعادة الأرض، ومنع استخدام البلاد مجدداً ورقة في صراعات الآخرين.