ما هو أسوأ من التعطيل المتعمّد لتأليف الحكومة، هو محاولة المُمعنين في هذا التعطيل نفض أيديهم منه، وتقاذف المسؤولية في هذا الاتجاه او ذاك، من دون اي اكتراث لحال البلد والدرك الأسود الذي انحدر اليه اهله على كل المستويات، ويكاد يعرّيهم بالكامل ويفقدهم حتى الهواء الذي يتنفّسونه. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى حجم التلوّث السياسي وغير السياسي، المعشِّش في العقليّة القابضة على البلد، والتي يبدو انها ماضية في نهجها وتحويل لبنان الى ارض محروقة لا بشر فيها ولا حجر.
وفي موازاة الواقع الحكومي المعطل، برزت خطوة اميركية لافتة في مضمونها وتوقيتها، وتجلّت في اعلان «برنامج مكافآت من أجل العدالة» الخاص بوزارة الخارجية الأميركية، عن مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن عضو «حزب الله» سليم عياش، لتورّطه في عمليات تهدف إلى إلحاق الأذى بأشخاص أميركيين». والجدير بالذكر انّ عياش أدانته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
دولة فاشلة
واذا كان أصدقاء لبنان في الشرق والغرب لم يتركوا فرصة الا وأسدوا فيها النصيحة للمعنيين بالملف الحكومي، بأن يستشعروا حجم المصيبة التي ضربت لبنان والانصياع لرغبة اللبنانيين، ونصائح الاصدقاء بتشكيل حكومة تبدأ المشي نحو الانفراج، الا أن المصيبة الأكبر للبنان، والتي تتعاظم على مدار الساعة، تكمن في قرار، يبدو ان لا رجعة عنه، في خلفية معلّقي تأليف الحكومة على حبل النكد، ورهن مصير البلد واهله من اجل حقيبة وزارية او وزير بالزايد او وزير بالناقص.
لم يعد خافياً انّ لبنان انحدر الى حد فقدانه كل عناصر مناعته، وهو ما حذّر منه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بتأكيده انّ البلد كله في خطر.. والبلد كله في التايتانيك».. كما لم يعد سرّاً انّ لبنان تحوّل في نظر العالم بأسره الى دولة فاشلة، مشلّعة سياسيّا، ومفلسة اقتصاديا ونقديا وماليا ومنهارة صحيا واستشفائيا ومعدومة سياحيا وخدماتيا، بحيث لم يعد فيها شيء فيه نَبض حياة. وبالتالي، لا يمكن ان تحجب هذه الحقيقة المؤلمة كلّ الشعارات والاقاويل ومساحيق التجميل الكاذبة، التي ترد على لسان هذا وذاك من شركاء التعطيل بأنّ قيامة لبنان ما زالت ممكنة شرط انصياع الطرف الآخر لـ»سلّة الشروط» للافراج عن الحكومة.
الرقص فوق جثة!
على ان خطورة توصيف الدولة الفاشلة، لا تتأتّى من الداخل، بل هي تتأتى من واقع البلد الذي يعكس هذا الفشل على كل المستويات في كل القطاعات، وتتأتى أيضاً في بواطن الكلام الديبلوماسي، وعلى وجه الخصوص الغربي، الذي يَرد تباعاً الى المستويات السياسية والرسمية على اختلافها، ويعبّر عن «خوف جدّي مع تردي الوضع في لبنان، من أنّ إمعان القادة السياسيين في هذا البلد بسياسة الحفر عميقاً في طريق الحكومة، والرقص المُستهتر على حافة الهاوية، قَرّبهم مسافات خطيرة من دخولهم الى حلبة الرقص المميت فوق جثة كان اسمها لبنان».
تحذير فرنسي
وفي موقف لافت يعكس مدى الحنق الفرنسي من استهتار القادة اللبنانيين، ويلوّح برفع مستوى الضغط عليهم للتعجيل في تشكيل حكومة، اعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أنّ وزير خارجية فرنسا جان إيف لو دريان تحدث مع رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري مستنكراً الجمود الكامل منذ أشهر في المناقشات الهادفة إلى تشكيل حكومة في لبنان، «حتى مع استمرار البلاد في الغرق في أزمة اقتصادية واجتماعية وإنسانية وسياسية كبرى يدفع الشعب اللبناني ثمنها كل يوم، وتضع البلاد في ظل توتر خطير وغير ضروري».
وذكّر، بحسب بيان الخارجية الفرنسية، بأنّ القوى السياسية اللبنانية ككل تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا المأزق، معتبراً أن التعطيل المتعمّد لأي احتمال للخروج من الأزمة يجب أن يتوقف فورا، ولا سيما من جانب بعض الفاعلين في النظام السياسي اللبناني، من خلال مطالب متهورة ومن زمن آخر.
وأعاد لودريان التذكير بالمناقشات حول مبادرته التي طرحها الأسبوع الماضي مع نظرائه الأوروبيين بهدف تحديد وسائل الاتحاد الأوروبي لتعزيز الضغط على المسؤولين عن الجمود.
وشدد على أنّ فرنسا تقف كما هي دائماً إلى جانب اللبنانيين، مشيراً الى أنها كانت ولا تزال على الموعد على المستوى الإنساني لتحقيق المنفعة المباشرة لسكان لبنان منذ انفجار 4 آب. وقد حشدت شركائها الأوروبيين والدوليين في هذا الصدد.
ورأى لودريان أنه لإخراج لبنان من أزمته، الحل يتمثّل بتشكيل حكومة قادرة وجاهزة للعمل بجدية وللصالح العام لتنفيذ إصلاحات معروفة من قبل الجميع، مؤكداً أنها مسؤولية كل القوى السياسية اللبنانية التي التزمت بها أمام رئيس الجمهورية الفرنسية، من أجل بلدهم واللبنانيين.
وأبلغ الوزير نظراءه الأوروبيين والإقليميين والدوليين أنه بعد سبعة أشهر من الجمود، حان الوقت لتكثيف الضغط لتحقيق بذلك.
هذا الكلام، وبحسب معلومات موثوقة لـ»الجمهورية»، يقوله، الى جانب الفرنسيين، البريطانيون ومعهم الاميركيون الذين بدأوا يجاهرون بأنّ التأخير في تشكيل الحكومة في لبنان بالطريقة التي تتصادم فيها الشروط المعطلة لهذه الحكومة، تبعث الى الاستفزاز، وتعمّق فجوة الثقة المعدومة بالطاقم المعطل، والذي لم يلتقط الرسالة التي وجّهتها السفيرة الاميركية دورثي شيا من على منبر القصر الجمهوري وتأكيدها أنه آن الأوان للتخلي عن الشروط وتشكيل حكومة ينتظرها اللبنانيون. ولا يختلف الموقف الروسي عن هذا التوجّه، في تأكيده على التفاهم على حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري في اسرع وقت تقوم بالدور المسؤول المنتظر منها في كبح الانحدار المتسارع للوضع في لبنان.
وفي السياق نفسه، يندرج الموقف المصري الذي يؤكد عليه سفير مصر في لبنان ياسر العلوي، في زياراته المتتالية الى المسؤولين، وآخرهم بالامس الرئيس المكلف، وخلاصته انّ القاهرة، كما الاسرة العربية، ترغب في ان ترى الوضع في لبنان قد دخل في حال من الاستقرار على كل المستويات، مع التشديد على كل المكونات السياسية في لبنان أن تتعاون في ما بينها لإنهاض بلدهم من الازمة الصعبة التي يمر بها.
عود على بدء
المستجِد في المسار الحكومي هو العودة الى بدء، اي الى حلبة الصراع والاشتباك. واذا كان اللبنانيون قد عوّلوا على تبدّل ما في المواقف المعطلة للتعطيل، بالاستفادة من الزخم الديبلوماسي الذي دخل على الخط الحكومي في الايام القليلة الماضية، وممّا اكد عليه السفراء في حثّهم على التسريع بتشكيل الحكومة، الا أن منسوب إحباطهم ارتفع الى حد بَدا فيه انّ افق التأليف قد سُدّ بالكامل، مع ارتفاع متاريس التراشق مجددا بين رئيس الجمهورية ميشال عون ومعه فريقه السياسي، وبين الرئيس المكلف سعد الحريري، وتقاذف مسؤولية التعطيل. وهو ما بَدا بشكل جَليّ في ما نقل عن رئيس الجمهورية في الساعات الماضية من هجوم مركّز على الرئيس المكلف، وتحميله مسؤولية حجز الحكومة، وإصراره على تجاوز معايير عون وفريقه، خصوصاً لناحية تسمية الوزراء المسيحيين. ونافياً بالتالي اتهامه بأنه يريد الثلث المعطل في الحكومة.
وقد أتبع رئيس الجمهورية موقفه هذا، بالاعلان امس امام وفد الاتحاد العمالي العام عن «ضرورة تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، قادرة على معالجة الاوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعانيها اللبنانيون». وشدد في المقابل على «أن الحكومة تؤلف وفق معايير محددة تحترم أسس توزيع التوازن وتمكّن اصحاب الصلاحيات من ممارسة صلاحياتهم، وليس عبر اعتماد مبدأ «احتكار شخص لعملية التأليف». وقال: «علينا إيجاد حلول كي نعيد التوازن الى ما كان عليه، ويعود اصحاب الصلاحيات الى ممارسة صلاحياتهم».
اللافت في هذا السياق، اكتفاء الرئيس المكلف بتغريدة مقتضبة حيال ما نقل عن عون، اعتبر فيها «انّ الرسالة قد وصلت.. ونسأل الله الرأفة باللبنانيين»، مكتفياً بهذا القدر من التعليق. إلّا أنّ أوساطاً قريبة من «بيت الوسط» قرأت في كلام رئيس الجمهورية إمعاناً على ذات المنحى الإستفزازي ومحاولة متواصلة لإحراج الرئيس المكلف فإخراجه، وهذا ما لن يحصل على الإطلاق مهما بلغ حجم الإفتراء وتزوير الحقائق الذي لم يبدّل في حقيقة الجهة التي تسعى الى التعطيل منذ اللحظة الاولى التي جرى فيها تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة».
وبحسب هذه الأوساط، انه خلافاً لِما قيل عن إصرار الرئيس المكلّف على تسمية الوزراء المسيحيين، فإنّ رئيس الجمهورية يعرف تماما ان هذا الامر غير صحيح، اضافة الى انّ تأكيده على انه لا يريد الثلث المعطل مُجاف للحقيقة تماما، ذلك انّ الرئيس المكلف سبق ان قدم تشكيلة بلا ثلث معطل لكن رئيس الجمهورية رفضها، اضافة الى أن رئيس الجمهورية نفسه يؤكد على تمسكه بالثلث المعطل في ما نقل عنه بالأمس حينما يقول انه يريد تسمية الوزراء المسيحيين، من غير الارمن، مصنّفاً حزب الطاشناق بأنه مستقل. ربما هو يتناسى ان حزب الطاشناق جزء من تكتله النيابي.
وخلصت الأوساط الى التأكيد بأنّ أيّ كلام وأي اتهام لن يغيّر في الموقف الثابت للرئيس المكلف بحكومة إختصاصيين من اصحاب الخبرة والكفاءة ومن غير السياسيين او الحزبيين، وفق مندرجات المبادرة الفرنسية ولا ثلث معطلا فيها لأيّ طرف، وآن الاوان لأن ينزع البعض من اذهانهم فكرة حمل الرئيس الحريري على الاعتذار.
التعطيل داخلي ام خارجي؟
على انّ اللافت للانتباه في جوّ التعطيل الحكومي، هو تنامي الحديث في بعض الصالونات السياسية عن انّ التعطيل، وكما له اسبابه الداخلية، له اسباب خارجية ايضا. وعلى ما يقال في تلك الصالونات، انّ السبب الداخلي واضح في عمق الخلاف بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. إنما ما يخشى منه ان يكون هذا السبب الداخلي مرتبطا بسبب خارجي اقوى منه واكثر تعقيدا من ثلث معطل وحقائب وتسمية وزراء.
وينقل في هذا السياق عن احد كبار المسؤولين قوله (في اشارة واضحة الى زيارتي السفير السعودي الى القصر الجمهوري والمختارة): «ثمة زيارتان حصلتا في الايام القليلة الماضية، برز من خلالهما حديث حول نقطة كانت لافتة للانتباه مرتبطة بملف اليمن. قد تبدو اثارتها للوهلة الاولى من خارج السياق، الا انّ التمعّن فيها يوصل الى خلاصة انّها ليست اكثر من رسالة غير معزولة عن الملف الحكومي، أريد لها ان تصل الى حيث يجب ان تصل في لبنان، وثمة من يقول انها وصلت بالفعل الى جهة حزبيّة فاعلة».
وفي خلاصة كلامه انتهى المسؤول المذكور الى القول: «بالتأكيد ان ثمة تعطيلا داخليا للحكومة عبر الثلث المعطل وغيره من المطالب والشروط، ولكن يبدو ان هناك في المقابل قطبة مخفية، تجعلني اعتقد بأن علينا ايضاً ان نفتش على الحكومة في مأرب».
موقف بري
في هذا السياق، برز تحذير متجدد لرئيس المجلس النيابي من التأخير في تشكيل الحكومة، وقال في مداخلة له امام الهيئة العامة لمجلس النواب امس: البلد كله في خطر، البلد كله «تايتانيك»، هذا الكلام يقال في الاوساط العالمية، لقد آن الاوان لأن نستفيق لأنه في النهاية اذا ما غرقت السفينة لن يبقى احد، وسوف يغرق البلد. واذا غرق سيغرق الجميع من دون استثناء».
وحول ما يقال عن تفعيل حكومة تصريف الاعمال قال بري: نص المادة 64 من الدستور لم يكن موجودا قبل الطائف، بما يتعلق بالحكومة المستقيلة وصلاحياتها، الصلاحيات التي عندها هي النطاق الضيق، الدستور في هذا المجال لا يحتاج الى تفسير فهو واضح تماماً، يعني كل الامور الضرورية التي تفيد أو تدفع الضرر عن الشعب.
اضاف: انا اتعجب بأنّ الحكومة لديها كل هذا الشغل، ومع الأسف الشديد يأتون الآن ويطالبوننا بأن نفسّر الدستور هذا اولاً. وثانياً، اذا كان المطلوب تغيير الدستور هذا الامر ليس موجودا على جدول اعمالنا وبالتالي فليذهبوا و»يشتغلوا»، هذا ما ابلغته لرئيس الحكومة اليوم.
وقال: اما بالنسبه للكهرباء، فأنا الآن أتكلم باسم المجلس النيابي ككل. بغضّ النظر نحن امام أمرين احلاهما مر إمّا لا سلفة ولا شيء وسيقولون المجلس النيابي عَتّم البلد، واما سوف يصير هذا الامر، ولذلك انا برأيي حسناً فعلت اللجان المشتركة انها أنجزت هذا الموضوع بشكل مَرن بأن يكون لشهر او لشهر ونصف.
الجلسة
وكان المجلس النيابي قد أقر في جلسة تشريعية عقدها برئاسة بري امس في قصر الاونيسكو، إعطاء سلفة خزينة بقيمة 200 مليون دولار لمؤسسة كهرباء لبنان، حيث أوضح عضو التنمية والتحرير النائب علي حسن خليل انه «مع تغيّر سعر الصرف فإنّ قيمة السلفة الفعلية للكهرباء هو ٣٠٠٠ مليار ليرة وليس ٣٠٠ مليار ليرة، خاصة انها ستدفع بالدولار من احتياطي البنك المركزي.
كما أقر المجلس قانون استعادة الاموال المنهوبة. انما احيط هذا القانون بسؤال كيف ومتى؟ وخلال مناقشة هذا القانون، سأل نائب رئيس حزب القوات اللبنانية جورج عدوان: هل القصة «سيف وترس ومين بيسنّ قوانين أكتر؟». وتابع: «المسألة ليست بسنّ القوانين بل بتنفيذها، وعشرات القوانين أقرّت ولم تنفذها الحكومة ومجلس النواب يقوم بدوره». ورد رئيس المجلس قائلاً «كان عنّا إستاذ إسمو يوسف جبران يعلّمنا، كان يقلّنا: «على المحامي أن يربح الدعوى مرتين، مرة عند صدور الحكم ومرة عند تنفيذه». والأمر نفسه ينطبق على الدولة والأفراد، ولم نترك قانوناً متعلقاً بالفساد إلّا وأقرّيناه ولكن نريد تطبيق القوانين».
كما أقر مجلس النواب من خارج جدول الأعمال مشروع قانون الاتفاق الصحي مع العراق.
وقال رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان في الجلسة: على الحكومة تصريف الأعمال لا إيقاف الأعمال وعليها الاجتماع استثنائياً لأخذ قرارات في الموازنة وترشيد الدعم لا تقاذف المسؤوليات والناس يدفعون الثمن. واضاف: «إنّ اقرار سلفة الكهرباء ضروري كحل موقت والا سنكون امام العتمة واطفاء المستشفيات والمؤسسات».
بدوره، قال أمين سر كتلة اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن من مجلس النواب ان «اللقاء الديمقراطي» يجدد موقفه بالتأكيد على ما أعلنه في جلسة اللجان النيابية المشتركة، ويعترض على سلفة الكهرباء التي ستدفع من الإحتياطي الإلزامي أي من أموال المودعين». اضاف: «موقفنا هذا ليس مبنياً على خلفية سياسية بل على رؤية إصلاحية، وبرأينا ان الخيار اليوم يجب ان يكون بين الاصلاح والعتمة. وإنطلاقاً من ذلك سنختار الاصلاح حتماً». وتابع: «هذا مطلبنا وهذا نهجنا كان وسيبقى كي لا تعمّ العتمة بعد ثلاثة اشهر، ويبقى مدخل الاصلاح الحقيقي من خلال حكومة مهمة تشكل بداية الإنقاذ من المستنقع الذي نغرق به جميعاً».