القمة في موعدها وليبيا تغيب… ولبنــان يطالب واشنطن بتفهُّمِه وتحييده

ظلّ ملف التأليف الحكومي المتعثر خارج البحث في الأوساط المعنية، لتنصبّ الاهتمامات بقوة على القمّة الاقتصادية العربية التي حُسم أمر انعقادها في بيروت السبت المقبل، بمجرد إعلان الجهات المنظّمة إنجاز كل الترتيبات اللازمة، وكذلك على محادثات مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد هيل، الذي حمل الى لبنان رسائل ومواقف، بعضها يدعو اللبنانيين الى «محاسبة» «حزب الله»، واصفاً أيّاه بأنّه «ميليشيا خارجة عن سيطرة الدولة». فيما أدرج الحزب زيارة هيل في إطار «رفع معنويات حلفاء» واشنطن في لبنان.
بدأ العد العكسي لإنعقاد القمة الاقتصادية التنموية العربية في موعدها على رغم بعض الدعوات لتأجيلها، وفي ظل انقسام داخلي حيال مشاركة سوريا وليبيا، التي اعلنت رسمياً أمس عدم مشاركتها فيها، وذلك بعد واقعة حرق العلم الليبي في لبنان، ما دفع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط الى التعبير عن انزعاجه الشديد، مهيباً بالسلطات اللبنانية، في ضوء تعهداتها والتزاماتها في اعتبارها الدولة المضيفة للقمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية، العمل على ضمان توافر الاحترام الكامل لوفود الدول الأعضاء في الجامعة العربية المقرّر أن تشارك في اجتماعات القمة.

هيل
في هذه الاجواء، تابع وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل زيارته للبنان ولقاءاته مع المسؤولين، فزار الرؤساء: العماد ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري ووزيري الخارجية جبران باسيل والمال علي حسن خليل والسفير السعودي في بيروت وليد البخاري.
وسجّلت مصادر متابعة لزيارة هيل، الملاحظات التالية:
-1 زيارة هيل للبنان، على رغم وجود وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو في المنطقة يجول على الدول المحيطة به، تعني انّ لبنان ليس بين الاولويات الاميركية الساخنة. لكن تطور الموقف الاميركي في ضوء تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب وبومبيو، وحتى تصريحات هيل، من شأنها إعادة لبنان الى واجهة الاهتمام الاميركي.
-2 بدت زيارة هيل كأنّها جولة تفقدية على المؤسسات، إذ لم يكتف بلقاء المسؤولين السياسيين، انما زار الموظفين الأمنيين والعسكريين والاقتصاديين الكبار، اضافة الى لقاءات ليلية مع شخصيات من فريق 14 آذار. فأمس التقى عدداً منهم في عشاء أقامه على شرفه رئيس «حركة الاستقلال» النائب ميشال معوض.
-3 إكتفى الموفد هيل، حتى الآن على الاقل، بأن ينسب المواقف الاميركية التي بحث فيها مع المسؤولين اللبنانيين الى وزير الخارجية بومبيو، لا سيما في ما يتعلق بايران و«حزب الله» وسوريا. وكان لافتاً، انّ البيان الاساسي عن الزيارة صدر بعد اجتماعه مع رئيس الحكومة وليس بعد لقاءيه مع رئيس الجمهورية ووزير الخارجية.
-4 لاحظ المسؤولون الذين التقوا هيل، انّه يتفهّم جيداً صعوبات الوضع اللبناني وما يعترض الدولة لبسط سلطتها على كل الاراضي اللبنانية، كونه كان سفيراً في لبنان حتى عام 2016. لكنه في المقابل كان أميناً في نقل موقف ادارته المتشدّد حيال الدولة اللبنانية، التي تعتقد واشنطن أنها «تساير» «حزب الله» بمقدار واسع. كذلك كان واضحاً في نقل لائحة مطالب إدارته، التي تتضمن ضرورة أن يتخذ لبنان سريعاً تدابير تنفيذية على الأصعدة الأمنية والديبلوماسية والاقتصادية والمالية. إذ انّ الادارة الاميركية، وإن كانت تعرف تعقيدات الوضع اللبناني، لا تستطيع ان تحيّد لبنان كلياً عن معركتها المفتوحة ضد ايران و«حزب الله» في سوريا ولبنان.
-5 خرج بعض المسؤولين والقادة الذين التقوا المبعوث الاميركي بانطباع أنّ الادارة الاميركية تبلّغ لبنان ضرورة ان يختار موقعه في النزاع الدائر في المنطقة، وهي تريده الى جانب الاستراتيجية الاميركية، علماً أنّ لا أحد بعد، حتى في واشنطن، يدرك ما هي هذه الاستراتيجية التي تتبدّل من يوم الى آخر. لكن كل ما هو معروف انّ هناك قراراً اتخذته الادارة الاميركية ونقله هيل، وهو أن واشنطن عازمة على «طرد ايران من سوريا وتحجيم دورها في المنطقة ووضع حدّ لدور «حزب الله» المتنامي والمستقوي بسلاحه في لبنان». لكن حتى في هذا الاطار، لم يكشف هيل عن الآلية التنفيذية لهذه السياسة غير الحديث عن تشديد العقوبات وتوجيه تحذيرات جدّية الى «حزب الله» لكي يعيد النظر في سياسته في سوريا من جهة، وفي الداخل اللبناني من جهة اخرى.
ولم تستبعد مصادر مطلعة على تطوّر الموقف الاميركي، أن تعمد الولايات المتحدة الاميركية الى ضمّ الاجواء اللبنانية الى منطقة عمل قوات التحالف الدولي ضد الارهاب الذي يقتصر حالياً على سوريا.
وفي هذا الاطار، عُلم من فحوى حديث هيل مع الذين التقاهم، أنّ واشنطن «لن تسمح بأن يكون لبنان جزءاً من الجاذبية الروسية، وهو ما تسعى روسيا الى تحقيقه منذ بضعة أشهر».
كذلك عُلم انّ غالبية المسؤولين اللبنانيين شدّدوا امام مساعد وزير الخارجية على ضرورة تفهّم الوضع اللبناني، إن بحكم تركيبته الداخلية، وإن بحكم جواره، وبالتالي فإن المسؤولين طالبوا هيل بأن تعمل إدارة بلاده على تحييد لبنان ومساعدته على القضايا التي يشكو هو منها، وليس فقط على القضايا التي تشكو واشنطن منها. وفي هذا السياق طرح رئيس الجمهورية ووزير الخارجية موضوع إعادة النازحين السوريين الى بلادهم وحسم موضوع استمرار اللاجئين الفلسطينيين على اراضيه في شكل استيطاني، ودعم لبنان اقتصادياً وعدم ممارسة ضغط عقابي عليه بسبب ايران أو «حزب الله» وكذلك مواصلة الادارة الاميركية دعم الجيش اللبناني.
ويبدو من خلال المعلومات المتوافرة، انّ الجواب الواضح الذي اعطاه هيل يتعلق بإلاستمرار الاميركي في دعم الجيش، على ان تمارس الدولة اللبنانية سياسة واضحة حيال «حزب الله «ووقف اي تنسيق بينها وبينه.
وفي المحصلة، ترك هيل انطباعاً لدى اكثر من مسؤول مفاده «أنّ واشنطن حريصة على استقرار لبنان ومستعدة لدعم الدولة اللبنانية، شرط ان تدعم الدولة نفسها، إذ لا يُعقل ان تستمر البلاد بلا حكومة ناجزة يقع على عاتقها التواصل مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي».
وكان هيل اكّد بعد زيارته الرئيس المكلّف سعد الحريري «المضي قدماً في جهودنا لمواجهة الأنشطة الخطيرة لإيران في أنحاء المنطقة، بما في ذلك تمويل أنشطة المنظمات الإرهابية بالوكالة مثل «حزب الله». وفيما يحق للبنان الدفاع عن نفسه، هذا حق للدولة اللبنانية وحدها. إنّه من غير المقبول وجود ميليشيا خارجة عن سيطرة الدولة ولا تحاسبها كافة أطياف الشعب اللبناني، تقوم بحفر أنفاق هجومية عابرة للخط الأزرق الى إسرائيل وبتجميع ترسانة تضم أكثر من 100.000 صاروخ تهدّد الاستقرار في المنطقة».

حكومياً، اعلن هيل «انّ المجتمع الدولي يراقب الوضع الحكومي، وأن تشكيل الحكومة يعود للبنان ولكن نوع هذه الحكومة هو المهم للجميع».
اما اقتصادياً، فأشار هيل الى «انّ هناك إصلاحات اقتصادية حاسمة تتراجع، فيما العوائق تثقل على الاقتصاد وتعرّض البلاد للخطر». وشجع «حكومة تصريف الاعمال على المضي قدماً حيث يمكنها، وخصوصاً على الصعيد الاقتصادي، لتجنب مزيد من الضرر والحفاظ على الثقة الدولية».

«حزب الله»
وأدرجت اوساط قريبة من «حزب الله» جولة هيل «في سياق السعي الى التخفيف من آثار القرار الاميركي بالانسحاب من سوريا، خصوصاً بالنسبة الى أصدقاء واشنطن الذين أزعجهم قرار ترامب المفاجئ، ربطاً بما يمكن ان يتركه من تداعيات على موازين القوى الاقليمية والمحلية».
ورجحت هذه الاوساط «ان تكون محطة هيل اللبنانية بديلاً من زيارة بومبيو «الذي جال على بعض دول المنطقة لهدف اساسي وهو احتواء الذعر الذي اصابها بعد إعلان ترامب عن سحب قواته من سوريا»، مشيرة الى انّ بومبيو رفع «دوز» التهديد ضد ايران و«الحزب» في اطار رفع معنويات الحلفاء». (راجع ص 5)

بوغدانوف وشعبان
في هذا الوقت، استعجلت روسيا تشكيل حكومة لبنان، واعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان، انّ «الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية للشرق الاوسط وبلدان افريقيا، نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف استقبل ظهر امس الممثل الخاص لرئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري جورج شعبان، وتمّ خلال اللقاء مناقشة الاوضاع في لبنان والجوار بما في ذلك مشكلة اعادة النازحين السوريين على الاراضي اللبنانية الى وطنهم».
واضاف البيان، انّ الجانب الروسي اكّد «موقفه المبدئي الذي يدعم استقلال لبنان وسيادة ووحدة اراضيه، كذلك تمّ تأكيد ضرورة تسريع تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة الرئيس سعد الحريري، كنتيجة للانتخابات النيابية التي جرت في أيار الماضي، مع الأخذ في الاعتبار ان تطور لبنان والنهوض بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية يتطلب بإلحاح وجود سلطات حكومية مؤهّلة القيام بهذه المهمة».

مؤشرات إيجابية
على الصعيد المالي، بدا أمس انّ اجتماع بعبدا الطارئ أمس الاول قد أتى ثماره لجهة لملمة تداعيات قلق الاسواق العالمية جرّاء تصريحات وزير المالية علي حسن خليل في شأن اعادة هيكلة الدين العام. وقد تلقفت الاسواق العالمية رسالة التطمين الصادرة عن اجتماع بعبدا بإيجابية انعكست في ارتفاع اسعار السندات اللبنانية بعد انخفاضها بقوة نهاية الاسبوع المنصرم. وزادت اسعار كل استحقاقات السندات اللبنانية، وحقق إصدار 2025 أكبر المكاسب بصعوده نحو 1.5 سنت.
في سياق متصل، كرّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة «أنّ إجتماع بعبدا أكّد أنّ الدولة اللبنانية ملتزمة تسديد الدين وفوائده بالعملات الوطنية والأجنبية». ونفى علمه بأيِّ خطط لهيكلة الدين العام، قائلاً: «لا علم لي بأيّ خطة مستقبلية، وأيّ خطة تُبحث عادة في البنك المركزي»، لافتاً الى «أنّ مشاريع كهذه تحتاج الى حكومة وقوانين تمرّ في مجلس النواب». وأضاف: «لدينا القدرة على تسديد الديون في تواريخها المحددة ومن دون ايّ اقتطاع منها»، مشدّداً على أنّ «لا خطر على سعر صرف الليرة، والإشاعات الراهنة لم تؤثر علينا والعملة مستقرة، والكميات من الليرة المتوافرة في السوق مدعومة بأرقام وليس بشعارات». (تفاصيل ص 13)