“الجمهورية”: جلسة غارقة في الخطابات والسجالات.. العــلولا ينقل دعم الرياض

مشهد المنطقة على حافة تغيّرات واحتمالات، ربطاً بـ«التظاهرة الدولية» التي تنظمها الولايات المتحدة الاميركية لنحو 60 دولة في العاصمة البولندية وارسو وتحت عنوان أساس: «بحث تقليص المخاطر في الشرق الأوسط»، أمّا جوهره فالبحث في وضع أسس تكوين تحالف لوقف أنشطة إيران المُزعزعة للاستقرار، ومحاربة الإرهاب. وفي انتظار ما سينتهي إليه «مؤتمر وارسو»، وما قد ينجم عنه من ارتدادات وتداعيات، يمضي لبنان نحو إعادة تكوين مؤسساته الدستورية ويقترب من محطة منح الثقة لحكومته، الذي قد يتم غداً أو بعده. في وقت تلقّى رسالة سعودية إيجابية في دلالاتها تجلّت في الاعلان عن رفع حظر سفر السعوديين الى لبنان.

 

شكلت زيارة الموفد الملكي السعودي الدكتور نزار العلولا حدثاً بارزاً، في توقيت يبدو انه أريد منه إيصال رسالة دعم سعودية واضحة سياسياً ومعنوياً للحكومة الجديدة، كان اللافت فيه مبادرة المملكة الى رفع حظر سفر الرعايا السعوديين الى لبنان، بعد سنوات من المنع.

 

المبادرة حملها الدكتور العلولا، الذي التقى أمس، برفقة السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، كلّاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في القصر الجمهوري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري في مجلس النواب، ورئيس الحكومة سعد الحريري.

 

وفيما ذكرت المعلومات الرسمية أنّ العلولا نقل لعون تحيات الملك سلمان وولي العهد، وتهانيهما لمناسبة تشكيل الحكومة، مؤكداً «وقوف السعودية الى جانب لبنان ومساعدته في المجالات كافة بهدف تعزيز العلاقات الاخوية بين البلدين الشقيقين»، أعلن السفير البخاري بعد لقاء العلولا مع الحريري انّ الموفد الملكي أبلغ لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري انه «سيتم رفع الحظر عن سفر السعوديين الى لبنان»، وقال: «نظراً لانتفاء الأسباب الأمنية التي دفعتنا لتحذير رعايانا من السفر ونتيجة التطمينات التي سمعناها، نرفع تحذيرنا للمواطنين المسافرين الى لبنان».

 

وأضاف: «قدّمنا التهاني الى الرئيس الحريري، وناقشنا جملة قرارات أهمها اللجنة المشتركة بين البلدين وإرسال لجنة من الخبراء للقاء نظرائها في السعودية».

 

ومساءً أقامت السفارة السعودية مأدبة عشاء في فندق فنيسيا جمعت العلولا مع مرجعيات وقيادات سياسية تقدّمها رئيس الحكومة سعد الحريري، الرؤساء ميشال سليمان، امين الجميل، فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي، ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وعقيلته النائب ستريدا جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، رئيس حزب الطاشناق اغوب بقرادونيان، وعدد من الوزراء والسفراء العرب والاجانب، ونواب وشخصيات سياسية واقتصادية وادارية واعلامية وامنية.

 

مستندات

 

سياسياً، مرّ اليوم الثاني لجلسة الثقة، وسط سيلان كلامي متدفّق، أغرق الهيئة العامة لمجلس النواب، ومن خلالها المشهد اللبناني العام، بتعابير أدخلت كلّ الطاقم السياسي الى قفص الاتهام. فيما علمت «الجمهورية» انّ وزارة المالية بصدد إحالة كل المستندات حول كيفية صرف المليارات المشكوك بوجهة صرفها، والتي طالبَ بها النائب حسن فضل الله، الى المجلس النيابي»، وهو أمر، كما تؤكد مصادر مجلسية لـ«الجمهورية»، يوجِب إعادة طرح هذا الملف على الطاولة المجلسية لإماطة اللثام عن كل ما اعتراه من التباسات ووجهات صرف غير معروفة.

 

إشتباك

 

كذلك، عبر اليوم الثاني وسط اشتباكات متقطعة بين النواب، وصلت الى حد تبادل تعابير قاسية. وبرز في هذا السياق التلاسن بين النائبين نديم الجميّل ونواف الموسوي، والذي أصاب الجلسة بنوع من التشنج.

 

حصل هذا الاشتباك، أثناء تلاوة النائب سامي الجميّل كلمته، وقال فيها «انّ «حزب الله» يتحكّم باللعبة السياسية ويفرض خياراته»، فرد الموسوي قائلاً: «المقاومة تشرّف كل لبناني، وشرف ان يكون الرئيس ميشال عون وصل ببندقية المقاومة وليس بالدبابة الاسرائيلية».

 

فتدخل النائب نديم الجميّل قائلاً: «أنتم رششتم الارز على الدبابة الاسرائيلية.. فـ«ما بَقا حدا يهِتّنا» بالدبابة الاسرائيلية». فأكمل النائب سامي الجميّل كلمته بالقول: أنا رح إحفظ شغلِه وحده، إنك قلت انّ الرئيس عون وصل الى بعبدا بسلاح «حزب الله»… وعلى كل حال لا أظن انّ الرئيس عون ولا التيار الوطني الحر «بيرضوا بهالشّي».

 

وتَبعت ذلك مساء، وقفة تضامنية في الاشرفية نظّمها مناصرو حزب «الكتائب» وحزب «القوات اللبنانية» وفاعليات إستنكاراً للكلام الصادر عن الموسوي.

 

وألقى النائب نديم الجميّل كلمة قال فيها: «أحد نواب «حزب الله» تعدّى على رمز وهو بشير الجميّل، وحاول أن يخوّن القضية التي استشهد من أجلها».

 

اضاف: «السلاح وكلامهم في المجلس النيابي وتهويلهم لن يخيفنا… منعرف نحمل سلاح ومنعرف نواجه».

 

وقال عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب عماد واكيم، خلال الوقفة التضامنية: «لن نسمح بإهانة الشهيد بشير الجميّل و«ما يشوفونا بمجلس النواب بالبدلات والكرافتات» فنحن وَقت السلم «قوات» ووقت الحرب «قوات». مضيفاً: «اللي بيعَربِش على حيطنا منكسِرلو إجرو» وكل من لا يحترم بشير الجميّل، لن نعترف بانتمائه الوطني اللبناني».

 

ومساءً ردّ النائب نواف الموسوي من مجلس النواب على «من قال انه سيكسر رجلنا» بالقول: مقاومتنا عزّتنا وشَرفنا، ومن يتطاول عليها سنكسر رقبته».

 

ليست «زلة لسان»

 

وقال مصدر كتائبي مسؤول لـ«الجمهورية»: ما صدر عن النائب الموسوي ليس «زلة لسان» ولا هو مجرد موقف سياسي، بل هو إقرار علني من «حزب الله» بوضع اليد على مؤسسات الدولة الدستورية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية بقوة السلاح».

 

واعتبر «انّ هذا الإقرار المدوّن في المحاضر الرسمية لمجلس النواب، والمحفوظ فيها، يعتبر وثيقة إدانة لكل الذين شاركوا ويشاركون في تغطية ما يمكن وصفه بأنه انقلاب على الدستور وعلى الديمقراطية وعلى الآليات الطبيعية لانتقال السلطة وإعادة تشكيلها، بدءاً بانتخاب رئيس الجمهورية مروراً بالظروف التي سبقت ورافقت الانتخابات النيابية الاخيرة وما انتهت اليه من كسر للتوازنات الوطنية، وصولاً الى تشكيل الحكومة الاخيرة في الشكل الذي تشكّلت فيه من خلال الرضوخ لكل الشروط التي حدّدها «حزب الله» منذ اليوم الاول لبداية مسيرة التأليف!

 

وختم المصدر: انّ ما شهده مجلس النواب أمس يستدعي وقفة سياسية وشعبية معارضة، تتصدى بحسم وحزم للمنطق الانقلابي الذي باتَ يتحكّم بكل المؤسسات والقرارات لإعادة لبنان الى المسارات الدستورية والديموقراطية التي طبعت حياته السياسية وميّزتها!

 

فتح السجون

 

ما ورد في مداخلات النواب في الجولات الاربع من جلسة الثقة على مدى اليومين الماضين، من ارتكابات واتهامات بصفقات وسمسرات واختلاسات، كاف، في دولة تحترم نفسها، لأن تُفتح أبواب السجون على مصاريعها، وتزجّ بهم خلف القضبان. مع انّ الكلام النيابي أكد بما لا يقبل أدنى شك انّ صفّ المرتكبين طويل جداً من أعلى الهرم الى أدناه. ولذلك، وعلى كثرتهم، قد لا تتّسع لهم السجون الموجودة، بل يتطلب هذا الصف الطويل بناء سجون جديدة لاحتوائهم.

 

إنفصام

 

بالتأكيد انّ ما قاله النواب في مداخلاتهم، قد يبدو مدغدغاً مشاعر الناس، ومحدداً مكامن الوجع التي تشعر به، لكنه في جوهره لم يأت بأيّ جديد، بل كان كعصا، جلّ ما فعله النواب بها من خلال استعراضاتهم الخطابية المرئية والمسموعة على «منبر الثقة»، هو أنّهم غرزوها في جرح الناس ونَكأوه، فلم يزيدوا وجعهم فقط، بل بعثوا في نفوسهم المزيد من القلق والخوف من الآتي، وقرّبوهم أكثر فأكثر من حافة اليأس.

 

ومع ذلك، ظلّ الكلام قاصراً عن التسمية الصريحة، والفاسد والمفسد بقيا مجهولَين.

 

لقد عكست مداخلات النواب حقيقة شديدة المرارة، أظهرت ان لا شيء سليماً في الدولة وكل شيء فيها منخور بالفوضى والفساد والرشى وبَلع أموال الخزينة ولا مَن يسأل ويحاسب، بحيث لا توجد زاوية في هذه الدولة بريئة من الاتهام.

 

وأمّا الملاحظة التي يمكن وصفها بـ«المنفِّرة» انّ هذا العرض لم يأتِ به نواب المعارضة، وعددهم كما هو واضح لا يزيد عن 6 قرروا حجب الثقة عن الحكومة، بل انه ورد على لسان من يُسمّون «نواب الحكومة» الممثلة كتلهم فيها، بحيث جاءت الصورة مصابة بشيء من الانفصام السياسي، فبَدت المعارضة أحنّ على الحكومة من موالاتها التي جَلدتها بقسوة لافتة للانتباه بوصفها استمراراً لسابقاتها وارتكاباتها التي لا حصر لها.

 

جلدوها… ومنحوها الثقة

 

بمعزل عن المعارضين الستة وحَجبهم الثقة عن الحكومة، وهو أمر كان متوقعاً سلفاً منذ ما قبل انعقاد الجلسة العامة لمناقشة البيان الوزاري، فإنّ خلاصة جلسة الثقة هي انّ هذه الحكومة تُجلَدُ من بيت أبيها.

 

والمفارقة الكبرى انّ «الجلاد» نفسه عاد ومنحَها الثقة، كأنه بذلك يحكم عليها بالبراءة من كل ما نسبه اليها والى سابقاتها، الامر الذي يحمل على إثارة أكثر من علامة استفهام حول هذا الانفصام بين الإمعان في الضرب القاسي على الحكومة، ونعتها بشتى النعوت والاوصاف، وتخفيض سقف التوقعات منها والرهانات الملقاة عليها، ومن ثم مراضاتها بمنحها الثقة! وهو أمر بالتأكيد يدفع الناس الى ان يصوغوا سؤالاً صريحاً ويضعوه في أيدي هؤلاء: طالما انّ كل هذه العلل موجودة في الحكومة، وفي ما قبلها، فلماذا شاركتم فيها وفي ما قبلها؟

 

إستراحة

 

اليوم، يستريح النواب في العطلة الرسمية في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على ان تستأنف جلسة الثقة اعتباراً من بعد ظهر غد، مع احتمال أن تستمر المداخلات ليوم بعد غد، الّا اذا نجحت المساعي الجارية لإقناع بعض النواب الى سحب أسمائهم من لائحة طالبي الكلام، وهذا معناه انّ التصويت على الثقة سيتم غداً، بعد ردّ من قبل رئيس الحكومة سعد الحريري على المداخلات النيابية.

 

وارسو

 

دولياً، يأتي مؤتمر وارسو وسط ما يعتبره أحد الخبراء في الشؤون الدولية اختلافاً حول سقف التوقعات، وقال لـ«الجمهورية»: حلفاء واشنطن يعتبرونه محطة لكبح الخطر الايراني عبر تشكيل جبهة دولية – إقليمية لمواجهة إيران ومحاصرتها. فيما قوى دولية أخرى تقلل من شأنه وتتوقع خروجه بنتائج هزيلة قاصرة ربطاً بعدم الحماسة الاوروبية لهذا المؤتمر، والتي ترجمت بتخفيض مستوى مشاركة فرنسا والمانيا والاتحاد الاوروبي الى الحد الأدنى. وذلك بالتوازي مع تعالي أصوات من داخل الاتحاد الاوروبي تؤكد على تفضيل الاوروبيين لحوار سياسي مع إيران توصّلاً الى بلورة تفاهمات حول الدور الايراني في المنطقة.

 

لبنان يراقب

 

لبنانياً، إنّ الرصد الداخلي للمؤتمر، يترقّب ما سينتهي اليه، فيما نقل زوّار الرئيس بري عنه قوله انّ «جلّ المطلوب من هذا المؤتمر هو جمع العرب بالإسرائيليين فقط لا غير».

 

عقيص لـ«الجمهورية»

 

وحول هذا الموضوع، قال عضو كتلة «القوات اللبنانية» جورج عقيص لـ«الجمهورية»: إنّ جميع القوى الإقليمية والدولية تحاول حشد الهمم قبل مؤتمر وارسو. ورأى أنّ الأساس هو ما سينتج عن وارسو، لأنّ لبنان يتأثر بالسياسات الإقليمية والدولية.

 

وعن العرض الإيراني، في ما خَص التسليح، قال عقيص: «إنّ لبنان يعاني اقتصادياً، فلا ينقصه أي خطوة قد تضعه في مرمى العقوبات الأميركية». وسأل: لو كانت منظومة الدفاع الجوي الإيراني جديرة بالثقة لماذا لا تستعمل في سوريا لصَد الهجمات الإسرائيلية؟

 

زعيتر لـ«الجمهورية»

 

بدوره، إعتبر عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب غازي زعيتر، لـ«الجمهورية»، أنّ عرض وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف في شأن تسليح الجيش اللبناني مهم لأننا في حاجة الى سلاح لمواجهة العدو الإسرائيلي.

 

ورأى «انّ هذا الأمر قد يُحرج واشنطن ويدفعها الى زيادة تسليح الجيش، لا أن تعطينا فتات السلاح وتقول إنها تسلّح الجيش»، مشيراً الى أنه يمكننا أن نفتّش عن مخرج للإلتفاف على العقوبات.