IMLebanon

عن اللَّاعبين على حافَّتَي الفراغ..والضياع

يلقي مسؤول كبير نظرةً حذرة على المشهد الإقليمي والدولي، ربطاً بالتصعيد الأميركي الإيراني المتبادل. إرتفاع نبرة التهديدات والعقوبات الأميركية تجاه طهران والردّ عليها بإجراءات ومناورات عسكرية من قبَل الجمهورية الإسلامية، يبعث على القلق من انتقال هذا التصعيد إلى ما هو أكبر، ومن تأثيراته التي ستشمل حتماً كلَّ الساحات التي تعني الطرفين.

ما يُقلق أكثر، كما يقول المسؤول نفسه، هو أنّ العالم كلّه دخل في ظلّ إدارة أميركية مضبوطة على عقلية دونالد ترامب المتسرّعة، فإذا كانت أولى خطواته وقراراته في موضوع الهجرة، قد أحدثت شرخاً في المجتمع الاميركي واستفزَّته قبل كلّ الشعوب الأخرى.

فلن يكون مفاجئاً إن لجَأ في أيّ لحظة الى خطوات خارجية خطيرة. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التصعيد الأميركي تُطرِبُ نبرة تهديداته إسرائيل وبعضَ الدول الإقليمية الراغبة بانقلاب جذري في وقائع وميزان المنطقة، والتي تقف على جهوزية تامة لملاقاة أيّ مفاجآت والتفاعل معها».

يعني ذلك، والكلام للمسؤول نفسه، أنّ المناخات المحيطة بلبنان غيرمطَمئنة، وبالتالي كلّ الاحتمالات ممكنة، وارتداداتها، إن اشتعلت النارُ في مكانٍ ما في هذا المحيط، لن يكون لبنان بمنأى عنها. قلتُ وأكرّر الآن إنْ وصَلت النار إلينا، فإنّ ذلك يمنح الإرهاب تأشيرةَ دخول إلى لبنان والعبث بأمنه واستقراره ووضع المجتمع اللبناني تحت رحمة سكاكينه.

والذاكرة اللبنانية مازالت حافظةً لكلّ التجارب السابقة في السنوات الاخيرة ونتائجها الكارثية. علماً أنّ هذا الإرهاب ما انفكّ يتحيّن الفرَص لضرب لبنان، ومحاولاتُه لم تتوقف، وآخرُها قبل أيام حيث أحبَط الأمن اللبناني عمليةً إرهابية ضخمة كانت قيد التحضير من قبَل الإرهابيين لتنفيذها في منطقة مكتظّة سَكنياً، وتمّ إلقاء القبض على اثنين من أفراد الشبكة الإرهابية.

يكشف المسؤول الكبير أنّه التقى في الفترة الأخيرة بدبلوماسيين غربيين «لقد صارحتُهم بقلقي، وسألتُهم عن مبرّرات التصعيد الاميركي وإلى أين يمكن أن يصل ترامب.

لكن ما زاد قلقي أنّ هؤلاء الدبلوماسيين شاركوني القلق. وأكثر من ذلك أضحَكني أحدُ هؤلاء الديبلوماسيين، عندما قال لي: «نحاول أن نفهم ما يجري لكنّنا فشلنا… ربّما يكون ترامب يحاول الهروب إلى الامام بافتعال أزمة خارجية مع إيران واتّهامها برعاية الإرهاب، ويفرض عليها عقوبات ويتّخذ في حقّها إجراءات تصرف نظرَ الأميركيين والعالم عن الأزمة الداخلية التي تَسبَّب بها بقراراته المتسرّعة.

وربّما هو يمهّد لسياسة أميركية جديدة أكثر تشدّداً حيال بعض الملفات، سواء الملف الإيراني أو الملف السوري، الفرضيتان خطيرتان، لكن لا نستطيع أن نقدّر الخطوات التالية من الآن».

يقول المسؤول المذكور: «بدا لي بعضُ هؤلاء الديبلوماسيين أكثرَ قلقاً منّي، صارَحني أحدهم همساً وقال، المستقبل مجهول، وقراءة مسار إدارة ترامب شديدة الصعوبة، سألنا الأميركيين فلم يُطمئنونا. لذلك نعتقد أنّ من الواجب الانتباه في هذه الفترة، نحن مرتاحون لأنّ لبنان ينعم بهدوء واستقرار، لكن أمام هذا المستقبل المجهول، هناك حاجة وضرورة لكم لحفظِ أمنِ بلدكم واستقراره وتحصينه في الداخل.

ولا نخفي أنّنا مثلكم، نحن نراقب، نتابع تطوّرات المنطقة، لا نستطيع أن ننفي أو نؤكّد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على تطوّرات دراماتيكية أم لا، وبعض الدول الاوروبية بصَدد رفعِ مستوى إجراءاتها الوقائية إلى الحدّ الأعلى، وثمّة دولٌ بدأت بذلك فعلاً، تحسُّباً لأية تطوّرات وما قد تحمله من مفاجآت تزيد من خطر الإرهاب».

البديهي أمام هذا المشهد، أن يكون التحصين الداخلي في لبنان هو المطلوب قبل أيّ أمر آخر، يقول المسؤول الكبير، صحيح أنّ الجيش والأجهزة الأمنية تقوم بما عليها، لكنّ عناصر التحصين الأساسية غير متوافرة، مع الأسف، ذلك أنّ الطبقة السياسية تثبتُ يومياً أنّها خارج الزمن، وبعضُها فاقد الوعي السياسي، ولذلك ترى أنّ همَّه الأوّل والأخير هو تقاسُم الجبنة الانتخابية وإخضاع البلد لصيَغٍ انتخابية وتقسيمات تزيد من الخَلل وتُبقي الأزمة مفتوحةً على أزمة أكبر.

وما عدا ذلك تراه يَدخل عمداً في نقاش انتخابي عبثيّ، يدور ويلفّ فيه بأفكار بلا أيّ معنى ثمّ يأتيك في النهاية ويقول، صحيح أن لا تقدُّم في النقاشات الجارية في الموضوع الانتخابي، إلّا أنّ قرارَنا هو الاستمرار في النقاش وفي الحَفر في الصخر حتى نتمكّن من استخراج المياه… طالما إنّهم وصلوا إلى الحديث عن المياه فأخشى أن يُغرقوا البلد.

على أيّ حال، يؤكّد المسؤول الكبير، أنّ تمدُّد النار الخارجية إلى لبنان جرّاء تطوّرات إقليمية معيّنة قد تستجدّ، هو خطرٌ واضح وجليّ، لكن عدم توافُر عناصر التحصين الداخلي يضَعه أمام خطرٍ إضافي لا يقلّ جسامةً وضرراً عن الآخر، يتبدّى في وضع لبنان أمام خيارين؛ الأول الفراغ النيابي والاصطدام بالحائط دون إمكانية الولوج إلى حلول، والثاني الضياع والسقوط في هاوية لا قيامة منها، وكلاهما يهدّدان البنيانَ والكيان.

وثمّة سبيل وحيد إلى ردّ الخطرَين، بدفعِ القوى السياسية جميعِها وسريعاً إلى حوار جدّي، وتحت عنوان «تريدون وطناً أم لا»، يخلص إلى قانون انتخابي متوافَق عليه ويوزّع الخسائرَ على الجميع بشكل نسبيّ ويحافظ على الشراكة. هنا يَكمن عنصر التحصين الأول من أيّ رياح أو عواصف محتملة من حول لبنان».