IMLebanon

«الماتروشكا الروسية»… أيّ مفاجآت؟

كان واضحاً منذ البداية أنّ القيادة الروسية في الكرملين تريد أن تبدأ حوارها مع الإدارة الاميركية الجديدة من منطلق قوة ونفوذ في التعامل مع الملف السوري. جلوس السفير الأميركي في كازاخستان كضيف شرف يراقب ولا يتكلم في اجتماعات الاستانة أفرَح موسكو، ومنحها شعور التفرّد والتفوق والامساك بجميع خيوط اللعبة هناك. هكذا أخذ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يطلّ علينا كل صباح بأمره اليومي وكأنّه ناظر المدرسة او الضابط المشرف على ثكنة يحرّك جنودها كما يشاء.

الخارجية الروسية جمعت أنقرة وطهران في لقاء موسكو الثلاثي امام طاولة محادثات تمهّد لما بعد حلب واتفاقيات وقف النار الشامل والمفاوضات السياسية المباشرة بين فرقاء النزاع في سوريا.

ثم أعدّت ترتيبة جديدة ثنائية مع تركيا هذه المرة بهدف وضع ترجمة عملية لخطط الهدنة الدائمة بين النظام والمعارضة في سوريا، وتفتح الطريق أمام محادثات استانة التي جمعت فريقي النزاع بهدف إنجاز مادة واحدة هي استكمال ترتيبات وقف النار الشامل، وإيصال المساعدات الى المحتاجين وتسريع خطط الحوار السوري – السوري بإشرافها وما تراه هي مناسباً.

حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر. إيران تمرّدت على شريكها الروسي الذي بالَغَ في فرض الشروط وتضييق الخناق على سياستها السورية. القيادات الأقوى في المعارضة السورية التي ذهبت الى استانة إرضاءً لتركيا لم تستجب للرغبة الروسية في التواجد امام طاولة موسكو التي تجمع معارضة الداخل والخارج ليُملي الكرملين على الحضور تعليماته وتوجيهاته.

تركيا نفسها عادت لترحّب بقرار الرئيس ترامب في موضوع المناطق الآمنة داخل سوريا وخارجها، وهو ما طالبت به هي منذ 3 سنوات. أنقرة تذكرت فجأة أنّ لها حليفاً اميركياً لا يمكن الابتعاد او التخلّي عنه كثيراً إستجابة لرغبة روسية او انتقاماً من ادارة اوباما التي أفسدت مسار العلاقات التركية الاميركية تماماً في سوريا.

ما الذي يعنيه قول موسكو انّ واشنطن لم تتشاور معها في خطوة الاعلان عن دعم المناطق الآمنة في سوريا وهو ما عارضَته روسيا باستمرار، تحت ذريعة منع مشاريع التفتيت والتقسيم هناك؟

إمّا انّ التنسيق الروسي الأميركي كان موجوداً منذ البداية في التعامل مع الأزمة السورية وأنّ التشاور كان يتمّ في كل خطوة يريد ان يقدم عليها أحدهما والآن ترامب يخذل الروس بهذا الموقف وهذا ما لم يحدث برأينا، وإمّا انّ الكرملين الذي جمع أوراق اللعبة في سوريا بيده يذكّر البيت الابيض أن لا فرَص له في سوريا من دون التنسيق المباشر معه، وإمّا أنّ موسكو وصلت الى طريق مسدود في كل ما فعلته في الاسابيع الاخيرة وهي غاضبة ناقمة تريد الانتقام من الجميع، وهذا هو الاحتمال الأقرب.

موسكو غاضبة وبدأت تتصرف بعكس ما فعلته في تعاملها الحذر مع اللاعبين المحليين والاقليميين والايحاء أنّها تنتقل من طرف داعم للنظام وايران في سوريا الى طرف حيادي على مسافة واحدة من الجميع يهمّه إنهاء الصراع هناك.

هي كانت تتطلّع الى قرار أممي يصدر عن مجلس الأمن، ويشيد بجهودها الاخيرة في استانة، ويطلق يدها، لكنّها لم تصل الى ما تريد. هي سارعت متفرّدة للاعلان أنّ قرار مجلس الامن الدولي رقم 2254 هو الاساس في الحل، وأنّ بقية القرارات باتت ثانوية.

فلم يأخذ أحد من اللاعبين الاقليميين والدوليين بما تقول. هي أعلنت من جانب واحد ومن دون العودة الى ممّثل الامم المتحدة في سوريا دي ميستورا، الذي لم يؤكد ذلك، تأجيل اجتماعات جنيف المرتقبة.

فمَن فَوّضها لتفعل ذلك؟ هي فشلت في تجييش المعارضة السورية العسكرية والسياسية في مجرى روسي واحد يجمع كل الفصائل والتوجهات والتيارات بعدما كانت تشعر أنّ ما حققته على خط أنقرة – موسكو – استانة سيعطيها هذه الفرصة، فارتَدّ الاجتماع سلباً على جهودها وأحلامها وخططها.

تركيا كما قال الرئيس التركي اردوغان لم تعد راغبة في التقدم اكثر في العمق السوري بعد إنجاز عملية تحرير الباب من تنظيم داعش. لماذا بدّلت تركيا من رأيها فجأة؟ الموقف التركي الجديد رسالة تعني روسيا قبل غيرها وهي التي كانت تراهن على تنسيق تركي – روسي في الرقة.

هل تذكرت أنقرة فجأة انّ النفوذ الروسي لا بد ان يكون له حدود في سوريا مهما تصاعد، ام انّ العودة الاميركية بهذا الزخم والسرعة هي التي دفعتها للتريّث ومراجعة مواقفها؟

آخر واهم وأخطر الاخطاء التي ارتكبتها روسيا، وهي التي ستهدم الكثير ممّا بَنَته في سوريا، هو تقليدها لواشنطن وما فعلته عام 2003 عندما سلّمت العراقيين مشروع دستور للعراق الجديد، أوصَل البلاد الى ما هي عليه اليوم، فوضعت هي ايضاً بين يدي النظام والمعارضة في سوريا مشروعها السياسي والدستوري لسوريا المستقبل توصيهم بالتعامل بجدية معه.

النظام السوري بعث بملاحظاته وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي جاهز للانفتاح والتعاون لأنّ الكثير من مواد الدستور ترضيه في إطارها الفدرالي وتُغَيّب هوية سوريا العربية. موسكو قادرة على فعل الكثير إذا ما أرادت تجاهل دروس محاولات مشابهة فشلت، لكنّها كلّفت دول المنطقة وشعوبها الثمن الباهظ.