IMLebanon

بعد إيران… هل تركيا التالية؟

 

 

في 13 نيسان 2026، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إنّ على حلف الناتو أن يستخدم قمة أنقرة المقبلة لإعادة ضبط العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن يستعد لاحتمال تراجع الدور الأميركي في بعض ترتيبات الأمن الأوروبي. لم يكن التصريح قراءة عابرة في مزاج واشنطن. بدا كأنّه ملاحظة تركية داخل نقاش أطلسي مألوف عن ترامب والإنفاق الدفاعي ومستقبل الحلف. غير أنّ ما حدث بعد ذلك جعل تلك الجملة تبدو أقل براءة. فبعد حرب إيران، وقبل قمة أنقرة في 7 و8 تموز، لم يعُد السؤال هو كيف يتعامل الناتو مع ترامب فقط، بل كيف يتعامل الغرب كله مع دولة اسمها تركيا، عندما تصبح الحاجة إليها أكبر من القدرة على تأديبها.

هيئاتتنفيذية

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ما تقدَّم هو نتيجة الفراغ الذي تركه إضعاف إيران؟ فحين تُضرب القوّة الإسلامية غير العربية التي شغلت إسرائيل والغرب والخليج لعقود، يتغيّر موضع منطق المنافسة الإقليمية. وإذا كانت إيران قد مثلت الخطر العسكري المباشر عبر الصواريخ والوكلاء والنووي، فما الدولة التي تستطيع بعد إضعافها أن تزعج الحساب الإسرائيلي بطريقة مختلفة؟ لا تبدو مصر في هذا الموقع، ولا السعودية أو الإمارات أو الأردن أو قطر، لأنّ لكل من هذه الدول قيوده أو تسوياته أو حساباته مع واشنطن وتل أبيب. عند هذه النقطة يظهر الاسم التركي، لأنّه لا يشبه أحداً من هذه الدول بما فيها إيران.

لذلك، فإنّ إسرائيل لا تستطيع أن تتعامل مع أنقرة كما تعاملت مع طهران. فهذه دولة عضو في الناتو، تملك ثاني أكبر جيش في الحلف، وتجلس على البحر الأسود وشرق المتوسط وسوريا والعراق والقوقاز، وتملك صناعة دفاعية صاعدة، وتخاطب الشارع الإسلامي بلغة  سياسية لا تستخدمها معظم الدول العربية. ثم إنّها لا تقف خارج النظام الغربي حتى يسهل عزلها، ولا تذوب داخله حتى يسهل ضبطها. من هذه المفارقة يبدأ السؤال: بعد إيران، هل تصبح تركيا التالية، كهدف حرب مباشرة؟

كان يمكن لهذا السؤال أن يبقى نظرياً لولا أنّ الوقائع بدأت تقترب منه. ففي اسطنبول في 28 و29 حزيران، قبل قمة أنقرة بأيام، لم يكتفِ أردوغان بالدعوة إلى وحدة الحلف. لقد طالب برفع القيود الدفاعية المفروضة على تركيا، وبإدخالها في مبادرات الدفاع الأوروبية. وقال ذلك من موقع الحليف الذي يرى أنّ الغرب يحتاج إليه ثم يعامله كدولة موضع اشتباه. وهنا تصبح المطالبة التركية قاسية في معناها: إذا كان الناتو يريد جيش تركيا وموقع تركيا ومصانع تركيا ودورها في سوريا والبحر الأسود، فلماذا يريدها حليفاً ناقص الحقوق؟

وقد زاد وزير الدفاع التركي يشار غولر من وضوح المعادلة، عندما قال إنّ الولايات المتحدة لا تنسحب من الناتو، بل تريد من أوروبا وكندا تحمّل مسؤولية أكبر. هذا التوضيح يبدو هادئاً، لكنّه يحمل نتيجة عملية. فإذا صار العبء ينتقل من واشنطن إلى الحلفاء، فليس من المنطقي أن تُستبعد تركيا من الحسابات الأوروبية الدفاعية وهي تملك جيشاً كبيراً وتجربة عملياتية وصناعة عسكرية تتوسع. بذلك لا يصبح الخلاف بين أنقرة وبروكسل خلاف قِيَم فقط، فأوروبا تريد قدرة تركية، لكنّها لا تريد دفع الثمن السياسي الكامل لها.

من هنا يمكن فهم صفقة محرّكات المقاتلة التركية KAAN التي دفعت بها إدارة ترامب نحو الكونغرس بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار، على رغم من اعتراضات مرتبطة بمنظومة S-400 الروسية وملف F-35. هذا لا يعني أنّ الثقة عادت بين واشنطن وأنقرة. إنما المعنى الأدق هو أنّ واشنطن، قبل قمة الناتو في أنقرة، وجدت أنّ العلاقة مع أردوغان تستحق تحريك ملف دفاعي حساس. وحين تتحرَّك صفقة كهذه في هذا التوقيت، فإنها لا تعود مجرّد صفقة محرّكات. تصبح حكماً دليلاً على أنّ الاعتراضات القديمة لا تختفي، لكنّها تُدار ببراغماتية عندما ترتفع قيمة الطرف الآخر.

وبالتالي، يقود هذا إلى الدليل الأشدّ إحراجاً، ألا وهو صمت الحلفاء. فقبل سنوات، كان يمكن لملف حقوق الإنسان في تركيا، واعتقال المعارضين، وقضية أكرم إمام أوغلو أو عثمان كافالا، أن يثير بيانات أوروبية وأميركية عالية النبرة. أمّا اليوم، فتتراجع الاعتراضات، لأنّ الأمن صار أعلى سعراً من الاعتراض، وليس لأنّ العواصم الغربية اقتنعت بنموذج أردوغان. وعليه، كلّما صمت الغرب عن تركيا، فهو بهذا يعترف ضمناً بأنّه يحتاجها أكثر ممّا يريد أن يعاقبها أو يبرّئها سياسياً. وبهذا تظهر الازدواجية عندما تختفي المواعظ الأخلاقية أمام حسابات القوة الصرفة.
في المقابل، إنّ ارتفاع القيمة التركية لم يحدث في الناتو وحده. فبعد حرب إيران، بدأت إسرائيل تنظر إلى أنقرة باعتبارها تحدّياً آخر لا يمكن اختزاله في خطابات أردوغان عن غزة. ففي النقاش الأمني الإسرائيلي، يظهر كلام عن تركيا بوصفها خطراً بعيد المدى، وعن سوريا موالية لأنقرة قد تصبح أخطر من التهديد الإيراني. كما دخلت عبارة «تركيا هي إيران الجديدة» إلى التداول السياسي والإعلامي الإسرائيلي. حتى إنّ رفض هذه العبارة لا يلغي أهمّيتها. مجرّد ظهورها يكشف أنّ إسرائيل تبحث بعد إيران عن الخصم الذي قد يقيّد حرّيتها الإقليمية بطريقة لا تستطيع معها استخدام الأدوات نفسها.

غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ تركيا وإسرائيل ذاهبتان إلى حرب مباشرة. فهذا استنتاج سهل ومضلّل. فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك، لأنّ إسرائيل لا تحتاج إلى قصف تركيا لتضغط عليها. إنّها تستطيع أن تفعل ذلك في واشنطن، أو سوريا، أو ملف الأكراد، أو شرق المتوسط، أو الممرات التجارية، أو في الذاكرة الأرمنية. وهذا ما يجعل سؤال «هل تركيا التالية؟» سؤال احتواء لا سؤال حرب. فالدولة التي يصعب ضربها عسكرياً يمكن إضعافها سياسياً، أو تصويرها كخطر، أو تعطيل مشروعاتها، أو استدعاء نقاطها التاريخية الحساسة في لحظة استراتيجية مناسبة.

عند هذه النقطة تحديداً، ينتقل السؤال من احتمال الحرب المباشرة إلى شكل آخر من الضغط: كيف يمكن تطويق تركيا من دون قصفها؟ وهنا تبدأ الحلقة الأخطر: الذاكرة الأرمنية، والممرات الاقتصادية، وسوريا، والأكراد، والخليج.

لذلك لم يكن تحرُّك إسرائيل نحو الاعتراف بالإبادة الأرمنية تفصيلاً منفصلاً. فلسنوات طويلة تجنّبت إسرائيل الاعتراف الرسمي بهذا الملف حتى لا تُغضب تركيا. ثم فجأة، ومع انهيار العلاقة السياسية بين الطرفَين، صار الملف صالحاً للاستخدام. فقد يُقال إنّ الاعتراف واجب أخلاقي متأخّر، وهذا صحيح من زاوية التاريخ. غير أنّ توقيته السياسي لا يمكن فصله عن الصراع مع أنقرة. فحين تهاجم تركيا إسرائيل بتهمة الإبادة في غزة، تفتح إسرائيل في المقابل أحد أكثر الملفات حساسية في الذاكرة السياسية التركية. هنا يكون ردّ إسرائيل بنقل المعركة إلى صورة تركيا في واشنطن والغرب، من دون الحاجة إلى ردّ عسكري، على الأقل في المدى المنظور.

وهنا لا يقف الأمر عند الذاكرة. فقد ظهرت تقارير عن قلق إسرائيلي من ممر بري يربط الخليج بأوروبا عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا. فهذه ليست مسألة شاحنات وموانئ فقط، إنما سؤال نفوذ وترجيح اقتصادي. فإذا مرّ الطريق من الخليج إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا، تضعف قيمة المسارات التي تريد إسرائيل أن تكون جزءاً مركزياً منها، وعلى رأسها الممر الهندي الخليجي الأوروبي. بهذا المعنى، فإنّ صراع الطرفَين يتجاوز الحرب الكلامية المعلنة ليطال الخريطة الاقتصادية التي ستربط آسيا بالخليج وأوروبا.

أمّا الصورة، فتتضح أكثر في سوريا، حيث تريد أنقرة دولة سورية مركزية بما يكفي لضبط الحدود ومنع قيام كيان كردي مسلّح، وقريبة بما يكفي من المصالح التركية لتضمن نفوذها الأمني والاقتصادي. أمّا إسرائيل، فترى في سوريا قوية وقريبة من تركيا خطراً على حرّيتها العسكرية وعلى هامشها الأمني. لذلك، عندما تضعف إيران في سوريا، فهذا لا ينهي التنافس، بل ينقل سؤال النفوذ من طهران إلى أنقرة. ومن الطبيعي عندها أن تصبح القواعد الجوية، والانتشار العسكري، والترتيبات الكردية، وعلاقة دمشق بأنقرة، عناصر في صراع واحد.

وليس هذا فحسب، فالمسألة الكردية تصبح داخل هذا الصراع أكثر من ملف تركي داخلي. فأي ترتيب يمنح القوى الكردية المسلحة وضعاً دائماً قرب الحدود التركية سيُقرأ في أنقرة كتهديد مباشر. وإذا كان بعض التفكير الإسرائيلي أو الأميركي، يرى في الأكراد عامل توازن ضدّ تركيا أو ضدّ دمشق، فإنّ هذا يضع الملف الكردي في قلب المواجهة غير المباشرة. لذلك، فإنّ تركيا تنظر إلى سوريا كاختبار لمدى قدرة الآخرين على رسم حدود أمنها من دونها، خصوصاً أنّها الجار الأوسع حدوداً والأقرب إلى الحكم الجديد.

ثم يأتي الخليج العربي، الذي لم يخرج من حرب إيران مطمئناً كما قد يتخيّل البعض. فإيران لم تختفِ، وإسرائيل بدت أكثر جرأة، والضمانة الأميركية ظلّت موضع سؤال، ومضيق هرمز بقي قابلاً للاشتعال. في هذا المناخ، تبحث العواصم الخليجية عن طبقات أمن إضافية. فتركيا هنا لا تحل محل واشنطن، ولا تستطيع ذلك، لكنّها تقدّم شيئاً مختلفاً. إنّها قوّة مسلمة، أطلسية، غير عربية، ولديها صناعة دفاعية، وعلاقات مع باكستان، ومساحة للتفاهم مع السعودية ومصر. كل ذلك لا يصنع حلفاً معلناً، لكنّه يصنع احتمالاً يكفي لإقلاق إسرائيل.

عند هذه النقطة، يصبح ما تقوله بعض المراكز الإسرائيلية عن «محور سنّي» بقيادة تركية أكثر من دعاية. قد يكون مبالغاً فيه، وقد يحمل نوايا تحريضية واضحة، لكنّه يكشف خوفاً حقيقياً. فإسرائيل التي اعتادت قراءة الخطر الإسلامي عبر إيران الشيعية، تجد نفسها أمام احتمال مختلف. فتركيا هي دولة سنّية كبيرة داخل الناتو، قادرة على مخاطبة الإسلام السياسي، وقادرة في الوقت نفسه على التفاوض مع واشنطن وبيع السلاح لأوروبا والتمدُّد في سوريا. وهذا النوع من الخطر لا يُعالج بالطريقة التي عولج بها الخطر الإيراني.

من هنا يمكن إعادة تركيب المشهد. فإضعاف إيران زاد حرّية الحركة الإسرائيلية، لكنّه كشف في الوقت نفسه حدود تلك الحرّية. فكلّما تمدّدت إسرائيل في سوريا ولبنان وغزة والبحر الأحمر وملفات الممرات، زادت حاجة المنطقة إلى قوّة قادرة على الاعتراض السياسي والعملي، من دون أن تكون معزولة دولياً. ولذلك لا يكون المكسب التركي من حرب إيران مكسباً بسيطاً. فأنقرة لم تربح لأنّ طهران خسرت فقط؛ ربحت لأنّ خسارة طهران جعلت السؤال عن البديل أكثر إلحاحاً. ومن الجهة المقابلة، بدأت خسارة إيران تجعل تركيا أكثر تعرُّضاً للضغط لأنّها صارت مرئية أكثر. هذه هي المفارقة: ارتفعت قيمة تركيا وارتفع معها احتمال استهدافها سياسياً. كل أصل من أصولها تحوّل إلى ورقة قوّة وإلى نقطة ضغط في الوقت نفسه. من الناتو إلى سوريا فالأكراد، فالممرات، فالذاكرة الأرمنية، فغزة وصولاً إلى واشنطن حيث ساحة تفاوض لا تمنح مجاناً.

لهذا، لا ينبغي أن يُقرأ عنوان «بعد إيران… هل تركيا التالية؟» كسؤال عن حرب مباشرة. الأرجح أنّ تركيا التالية بمعنى آخر، أي التالية في محاولة الاحتواء، التالية في الحملات داخل واشنطن، التالية في تصويرها كخطر على الغرب، التالية في تعطيل مساراتها الإقليمية، والتالية في اختبار قدرتها على تحويل ارتفاع قيمتها إلى مكاسب قبل أن يتحوَّل هذا الارتفاع نفسه إلى عبء عليها.

ما يزعج إسرائيل في تركيا ليس أنّها إيران جديدة. ما يزعجها أنّ تركيا ليست إيران. فمع إيران كان يمكن الحديث عن عقوبات، ضربات، عزلة، وبرنامج نووي. أمّا مع تركيا، فالمعادلة-السؤال أصعب: كيف تضغط على دولة تحتاجها واشنطن في الناتو، وتحتاجها أوروبا في الدفاع، ويحتاجها الخليج في التوازن، وتحتاجها سوريا في الاستقرار، ويحسب لها الشارع الإسلامي حساباً؟ هذا هو السؤال الحقيقي. وربما لهذا السبب تحديداً، لا تبدو تركيا بعد إيران الهدف التالي، بقدر ما تبدو المشكلة الأصعب.