IMLebanon

عهد عون في مرحلة إنعدام التوازن السياسي والطائفي بعد خروج الحريري من السلطة

 

فقدان الركيزة التي استند عليها العهد طوال السنوات الثلاث الماضية

 

 

تعقيدات مشهد تأليف الحكومة  تزداد صعوبة بعد انقلاب فريق العهد على رئيس الحكومة المكلف وانسداد آفاق التشكيل

 

 

الخلاف الذي نشب بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس سعد الحريري على خلفية قيام الأخير بتقديم استقالة الحكومة تحت ضغط الحراك الشعبي الذي اندلع في السابع عشر من شهر تشرين الأوّل الماضي وتحسساً مع مطالب المتظاهرين، خلافاً لرغبة الرئاسة الأولى ومن دون التنسيق المسبق معها كما ادعى الفريق الرئاسي زوراً بعد ذلك، استفحل هذا الخلاف لاحقاً بعدما رفض الحريري إعادة تشكيل حكومة جديدة على نسق الحكومة المستقيلة واستجابة للشروط العونية الاستباقية، واصرَّ على تشكيل حكومة اخصائيين «تكنوقراط» صرفة مهمتها إنقاذ لبنان من الأزمة المالية والاقتصادية المتدحرجة ولمدة زمنية مقدرة بستة أشهر، تتجاوب مع مطالب الحراك الشعبي وتحوز على ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة للبنان.

 

وهذا الموقف الثابت للرئيس الحريري قوبل برفض عوني، ما أدى إلى عزوف الحريري وخروجه من السلطة بالتزامن مع قيام الفريق العوني بشّنِ حملة سياسية شعواء ضده وضد «الحريرية السياسية» لرفضه الانصياع لمطالب ورغبة هذا الفريق، ما أدى إلى قطيعة كاملة وانهيار التسوية السياسية التي اوصلت عون إلى سدة الرئاسة الأولى والحريري لرئاسة الحكومة.

 

ومع انهيار التسوية الرئاسية ولتلافي الظهور بمظهر الرئيس العاجز، تحرك العهد على خطين متوازيين لاظهار قدرته على المبادرة لملء الفراغ السياسي الذي تركه خروج الحريري من السلطة وتكليف شخصية سياسية بديلة لترؤس الحكومة الجديدة، تؤمن مقومات التوازن السياسي والطائفي المطلوبة لاستكمال مسيرة العهد وإدارة الدولة وإعطاء انطباع وهمي للرأي العام بالتقليل من أهمية بقاء الحريري خارج السلطة، والخط الثاني، إطلاق سلسلة من المواقف تباعاً لطمأنة الرأي العام واقناعه بقدرته على استكمال مسيرة العهد بالتزامن مع الترويج لرزمة من الوعود الوهمية بقرب حل المشاكل والأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية والترويج لشعارات فضفاضة بوقف المسار الانحداري المتسارع للدولة.

 

مع كل صباح يفاجأ اللبنانيون بموقف لرئيس الجمهورية، يبشّر بقرب تشكيل الحكومة الجديدة، والمباشرة بانطلاق مسيرة الدولة المتوقفة، وكل يوم يسمع النّاس موقفاً متفائلاً بحلحلة الأزمة المالية والاقتصادية وكل يوم وعد جديد بأن قابل الأيام سيحمل تباشير إيجابية ومستقبلا واعدا وبالطبع مع كل موقف ووعد تشديد على ضرورة استكمال ورشة مكافحة الفساد ومطالبة المواطنين بمساعدة الدولة في كشف المتلاعبين بلقمة العيش والفاسدين.

 

وبالمقابل يستفيق اللبنانيون على واقع قاتم ومغاير كلياً لوعود ومواقف رئيس الجمهورية، فلا الحكومة التي تولى هندسة تكليف رئيسها «غبّ طلب» رئيس «التيار العوني» الوزير جبران باسيل ومصالحه السياسية قد تألفت وما تزال غارقة في لجّة تناتش الحصص والمكاسب والحقائب العونية ولا تباشير الانفراجات الموعودة «الرنانة» قد لاحت بالافق حتى الآن، ولا مؤشرات الانفراج الاقتصادي والمالي والمعيشي ظهرت للعيان.

 

بل على عكس ذلك تماماً، تزداد تعقيدات مشهد تأليف الحكومة صعوبة بعد انقلاب فريق العهد على رئيس الحكومة المكلف وانسداد آفاق التشكيل مؤقتاً حتى الآن، اما الأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية فقد بلغت ضغوطاتها على النّاس حداً لم يسبق له مثيل من قبل وهي تنذر بالاسوأ في قابل الأيام.

 

اما اللافت فهو ان رئيس الجمهورية يستثني في انتقاداته وزارة الطاقة والمياه ولا يطالب بمساءلة المسؤولين عنها أو القيام بالتحقيقات اللازمة لكشف أسباب الاخفاقات المتواصلة وسوء إدارة هذه الوزارة التي يتولاها «التيار العوني» بتوجيهات الوزير باسيل واشرافه مباشرة منذ أكثر من عشر سنوات متواصلة وملاحقة المسؤولين عن هدر مليارات الدولارات على جيوب المستفيدين والمتنفذين وكل ذلك من جيوب اللبنانيين عامة والأسباب الناجمة عن عدم النهوض بهذا القطاع الحيوي حتى الآن، بالتزامن مع الانقطاع شبه الكامل للتيار الكهربائي عن كامل الأراضي اللبنانية مؤخراً وانحسار التغذية بالمياه لمناطق لبنانية متعددة، في عز موسم الشتاء، يضاف إلى ذلك التلكؤ المكشوف في قيام وزارة الاقتصاد التي يتولى مسؤوليتها أيضاً وزير عوني بمكافحة ظاهرة الزيادة العشوائية والجنونية لأسعار السلع والمواد الاستهلاكية وكأنه ممنوع مساءلة وملاحقة الوزراء والمسؤولين من «التيار العوني» في حين يظهر جلياً ان كل الانتقادات والسهام المسمومة والمطالبة بالمحاسبة توجه للوزراء والمسؤولين من الجهات الأخرى.

 

وهكذا بعد مرور أسابيع على خروج الرئيس الحريري من السلطة، لم يستطع عهد الرئيس عون التقدّم ولو خطوة واحدة باتجاه تركيب «سيبة» سياسية بديلة لهذا الخروج كما اوهم الرأي العام بقدرته على ذلك، بل يلاحظ انه يستمر بالدوران في حلقة مفرغة من التخبط والعجز عن القيام بأي مبادرة حقيقية للمباشرة في وضع أسس حل الأزمة المتدحرجة، في حين يتلهى فريقه السياسي بكيفية الإمساك بمفاصل السلطة والاستثمار بما تبقى من مقدراتها.

 

فالكل يعلم، ان وجود الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة إلى جانب عهد الرئيس عون منذ البداية، شكل الرافعة الأساس لانطلاقة العهد والركيزة القوية لإعادة تفعيل المؤسسات والإدارات العامة واستعادة الثقة المفقودة من قبل بممارسات «التيار الوطني» على مدى السنوات الماضية محلياً وخارجياً، وقد تحمل الرئيس الحريري بصدره ما لم يتحمله بشري من ممارسات الفريق الرئاسي الكيدية والطائفية والاستفزازية واللادستورية في بعض الأحيان، وكل هذا التحمّل كان بهدف الحفاظ على وحدة الدولة وانتظام العمل في مؤسساتها وتوفير مقومات النهوض بالوطن نحو الأفضل ومنع كل محاولات الزج بلبنان في سياسة الاحلاف والمحاور المشتعلة بالمنطقة، وهو ما حاول أكثر من طرف القيام به في السنوات الثلاث الماضية خلافاً لسياسة النأي بالنفس التي اجمع عليها كل الأطراف في البيان الوزاري للحكومتين السابقتين.

 

الآن، انكشف العهد على حقيقته ودخل في مرحلة انعدام التوازن السياسي والطائفي بعد خروج الرئيس الحريري من السلطة، واستمراريته دستورياً لا تحقق له الانطلاقة المطلوبة للقيام بالمهمات المنوطة به في المرحلة المقبلة.