IMLebanon

200 مبنى تراثي وآلاف الأبنية القديمة دقّت ساعة حقيقتها

 

الهروب إلى البيع حلّ بكلفة باهظة

 

إنقشاع الغبار المتعالي من هول الانفجار، تكشّف على عشرات من الاسئلة القديمة الجديدة عن مصير الأبنية العتيقة والأثرية في بيروت. المخاوف تتركز على توافق المصالح بين بعض السماسرة العقاريين مع أصحاب الابنية التراثية المحتاجة إلى ترميم، ومالكي العقارات المؤجرة بحسب قانون الايجارات القديم.

 

منذ سنوات طويلة تدور معركة صامتة بين المؤجرين والمستأجرين من جهة، وبين أغلبية وارثي الابنية التراثية ووزارة الثقافة وجمعيات المجتمع المحلي والدولي من جهة أخرى. فمصلحة أصحاب الملك تقتضي إخراج قدامى المستأجرين وهدم المبنى القديم الذي عادة ما يكون مؤلفاً من بعض الطبقات وانشاء برج سكني وتجاري مكانه. “هذه الآلية جرت في السابق”، بحسب أحد المطورين العقاريين. “وهي تقوم على الشراكة بين مالك العقار والمطور. بحيث يقدّم المالك الارض ويشيّد المطور المبنى مقابل اعطاء الفريق الاول نسبة محددة ومتفقاً عليها من الشقق. وبهذه العملية يجني مالك العقار من بدل إيجار شقة واحدة ما كان يجنيه من إيجار كل المبنى القديم. ويحصل المطور على ارباح باهظة”. أما في ما خص الابنية التراثية ذات الخصائص العمرانية المميزة، فلها بسوية الابنية القديمة لجهة مصلحة أصحابها بهدمها، وذلك نظراً لارتفاع كلفة ترميمها وتعدد ورثتها واختلافهم في ما بينهم، وامكانية تحقيق ارباح كبيرة من الابنية الجديدة. وهذا ما يجعل اغلبيتها متروكاً ليتصرف بها الزمن مع بعض “الحرتقات” لزعزعتها، لان وزارة الثقافة تمنع هدمها.

 

200 بناء تراثي

 

عدد هذه الأبنية التراثية يصل بحسب تقديرات احد مؤسسي جمعية “أنقذوا تراث بيروت” Save Beirut Heritage جوانا حمور حوالى 200 مبنى، “ذلك لأن آخر احصاء رسمي قد تم في تسعينات القرن الماضي”. باستثناء منطقة زقاق البلاط وبعض الاحياء في الحمرا ووسط بيروت المعاد اعمارها، فان اغلبية هذه المباني تتركز في المناطق التي طالها الانفجار بقوة، أي الجميزة مارمخايل الصيفي المدور والاشرفية. وبرأي حمور فان “ما يجري اليوم من عملية احصاء تقوم بها جهات مختصة يشكل مدخلاً لمعرفة عدد الابنية التراثية بشكل دقيق وحالتها العمرانية وحاجات ترميمها وكلفته، خصوصاً في ظل ما يشهده هذا القطاع من غياب جدي لاحصاء هذه الابنية”. حمور تخشى من ان “يشكل الانفجار فرصة لتجار العقارات لممارسة الضغط على اصحاب الابنية لكي يتنازلوا عنها”. ومن وجهة نظرها فانه “من المهم ان يعي اصحاب العقارات ان هناك الكثير من الجمعيات التراثية والحقوقية والمدنية متطوعة لخدمتهم وتقديم الاستشارات ومحاولة تأمين تمويل للمساعدة في عمليات اعادة الاعمار والترميم”.

 

المحافظة على الطابع أولولية

 

نائبة رئيس جمعية مطوري العقار “ريدال”، ميراي القراب تشير إلى انه “لا يمكن هدم أي مبنى من دون ان يكون هناك تقرير رسمي من خبراء ونقابة المهندسين والمحافظ والبلدية يشير إلى أن المبنى آيل للسقوط. وعلى القاطنين الا يوقعوا على الخروج من منازلهم إلا بعد التأكد ان المبنى معرض للخطر فعلياً، وان المسح رسمي وموقع عليه من قبل نقابة المهندسين والمحافظ. المسوحات أظهرت لغاية اللحظة وجود 40 مبنى متزعزعاً وآيلاً للسقوط وهي في معظمها أبنية قديمة”. وبحسب القراب فان “عملية اعادة الترميم يجب ان تترافق مع تنظيم مدني يساهم في الحفاظ على طابع المنطقة التراثي والاجتماعي لا أن يخفي المعالم الحياتية وراء ابنية اسمنتية”.

 

فرضية الشراء مستبعدة

 

الخبير العقاري رجا مكارم الذي لا ينفي احتمال استغلال الظرف وتقدم سمسار ما لشراء عقار متضرر من الانفجار، يؤكد ان “المبالغة في هذا الموضوع عارية عن الصحة”. مكارم يستطرد ويقول بان “هناك ابنية تراثية وغير تراثية في هذه المناطق معروضة للبيع، ومن جملتها نحو 4 عقارات نحاول تسويقها منذ اشهر طويلة من دون ان نتوفق بشارٍ جدي”.

 

وفي جميع الاحوال يرى مكارم ان “الامور ما زالت محصورة في التخمينات والتقديرات. وبأن مالك الشقة أو المنزل لن تكون لديه الرغبة في البيع في هذا الظرف، والمؤجر لن يستطيع طرد المستأجرين بهذه السهولة من أجل بيع عقاره”. ومن وجهة نظر مكارم فان “الاولوية اليوم هي لرفع الانقاض، والمحافظة على الابنية المتصدعة والعمل على تدعيمها والحؤول دون وقوعها، ومنع المستغلين من أصحاب الابنية التراثية من الانقضاض عليها وهدمها، لان البعض منهم لطالما انتظر مثل هذه الفرصة”.

 

المرحلة المقبلة مفتوحة بحسب خبراء العقار على الترقب والانتظار لعدة اسباب اهمها: تحديد مصير القطاع العقاري، ومعرفة اتجاه السوق ان كان صعوداً أم نزولاً وتراجع مصلحة الكثير من الباعة وتحديداً من المالكين وليس التجار بقبول الشيكات المصرفية. خصوصاً ان حاجتهم للاموال النقدية كبيرة سواء كانت لشراء شقة اخرى او الهجرة من لبنان. هذا بالاضافة إلى الغموض الكبير الذي يسيطر على المشهد السياسي والذي يتأثر به العقار بشكل كبير.

 

الملاحظ في هذه الفترة ارتفاع الطلب بشكل كبير على ايجار المساكن. إلا ان حتى هذه الفورة التي قد تُشغل الكثير من الشقق الفارغة في العاصمة تعتبر ظرفية لبينما تتم عملية اعادة البناء والاعمار وعودة السكان إلى منازلهم.

 

المطاعم منكوبة

 

تحت هذه الابنية الكثيرة المتضررة مؤسسات سياحية عريقة تقدّر خسائرها المباشرة بحسب عضو مجلس نقابة اصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسيري وامين الصندوق عارف سعادة بحدود مليار دولار. أما كلفة اقفالها الشهرية فتبلغ مليون دولار أميركي. الاضرار كبيرة جداً في القطاع وقد شملت البنى والمعدات والتجهيزات ورأس المال التشغيلي وقد شملت كل المطاعم الممتدة من الحمرا، وفردان ووسط بيروت وصولاً إلى الزيتونة باي والجميزة ومارمخايل وكل أحياء الاشرفية. سعادة الذي يشك ان تعود نسبة كبيرة من المؤسسات السياحية إلى العمل مجدداً، رأى ان الحل في السياسة، وعلى أهل السياسة النظر إلى معاناة المواطنين والاقتصاد بعين المسؤولية حفاظاً على ما تبقى من البلد.