IMLebanon

هل نقترب من النموذج المصري؟

 

هل تحولت السوق الرديفة التي يمثّلها الصيارفة لجهة تأمين السيولة بالدولار الى سوق دائمة ستكون بمثابة بارومتر يحدّد الوضعين المالي والاقتصادي في البلد؟ عندما تتحسن الظروف يتراجع سعر الدولار ويقترب من السعر الرسمي، وعندما تسوء الاحوال يرتفع ويبتعد عن السعر الرسمي بأشواط.

 

لم يَدُم الهدوء الذي شهدته سوق الصيرفة مع صدور تعميم مصرف لبنان الذي أمّن الدولارات لاستيراد 3 مواد أساسية هي: المحروقات والادوية والقمح، سوى 24 ساعة. فبعد أن تراجع في اليوم نفسه سعر صرف الليرة من 1600 الى 1540 مقابل الدولار لأسباب نفسية أكثر ممّا هي واقعية، إستعاد سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق الثانوية مساره الى 1600 ليرة وأكثر، رغم انّ مستوردي المحروقات والقمح والادوية غائبون حالياً عن سوق الصيرفة، بانتظار توضيح تعميم مصرف لبنان او تعديله، والذي أجازَ لهم فتح اعتمادات مصرفية بالدولار مقابل تأمين كافة قيمة الاعتماد بالليرة اللبنانية و15 في المئة منه بالدولار.

 

وعلى رغم ملاحظات المستوردين على تعميم مصرف لبنان، إلّا انّ مجرد صدور هذا التعميم أدّى الى انسحابهم من السوق الثانوية، وكشفَ واقعاً مستجدّاً يُظهر انّ الطلب على الدولار في السوق سيبقى أكبر من العرض، وانّ حصّة تجار السلع الاخرى، الذين هم بحاجة أيضاً للعملة الصعبة، لا يُستهان بها.

 

وبالتالي، قد يبقى سعر صرف الليرة في هبوط متواصل، حتى بعد تأمين دولارت المحروقات والأدوية والقمح، ليستقرّ على رقم بعد أن تَتّضِح النسَب الحقيقية للعرض والطلب.

 

وبما انّ تعميم مصرف لبنان لم يأتِ تَماشياً مع السياسة النقدية المُتّبَعة من قبل البنك المركزي للحفاظ على احتياطه من العملات الأجنبية، بل جاء بناء على ضغوط سياسية، فإنّ الوقائع تشير الى انّ مصرف لبنان لن يتدخل مجدداً لرفع سعر صرف الليرة في السوق الثانوية عبر استنزاف المزيد من احتياطه، أي أموال المودعين، وسيترك لآليّة العرض والطلب مهمّة تحديد سعر الصرف الجديد لليرة.

 

وهنا يطرح السؤال: هل انّ اعتماد سعر جديد لليرة اللبنانية في سوق الصيرفة قد يؤدي، بعد انقضاء فترة زمنية معيّنة، الى تقبّل السوق والمواطنين الواقع الجديد، بما سيُسهِّل لاحقاً عملية تعديل سعر الصرف الرسمي؟

 

في هذا الاطار، أوضح الخبير الاقتصادي د. بيار الخوري انه بمجرّد إعلان حاكم مصرف لبنان عن آلية لتغطية تمويل الدواء والمحروقات والقمح، «فهذا يعني أنّ السعر الرسمي لسعر صرف الليرة لم يَعُد يغطّي كلّ شيء».

 

وقال لـ«الجمهورية» انّ «الاعلان عن آلية خاصة يؤكد وجود سوقَين، واحدة للقطاعات التي تتعامل بالسعر الرسمي، وأخرى للقطاعات التي تتعامل بسعر سوق الصيرفة».

 

وأشار الى انّ «سعر صرف الليرة شَهد تراجعاً في سوق الصيرفة أمس، وأحجَمَ معظم الصيارفة عن بيع الدولار رغم بلوغه 1600 ليرة، وذلك بسبب ندرة العملة الصعبة وارتفاع حجم عرض الليرة مع بداية الشهر، وقَبض معظم الموظفين أجورهم بالليرة اللبنانية».

 

ولفتَ الخوري الى انه بعد أن ثَبُت وجود سوقَين لسعر الصرف، «أصبحت سوق الصيرفة تؤشّر الى صحّة الاقتصاد وتعافيه، لأنّ سعر صرف الليرة سيقترب أكثر نحو السعر الرسمي عندما ترتفع عناصر الثقة بالاقتصاد وتبرز أجواء متفائلة، وسيحلّق بعيداً من السعر الرسمي عندما تتراجع الثقة باقتصاد لبنان، ويخيّم جَوّ التشاؤم حول المستقبل».

 

وبالنسبة لإمكانية ان يقود سعر الصرف المعتمَد في السوق الثانوية، الى تعديل في السعر الرسمي في حال استقراره لفترة زمنية معيّنة عند مستويات مرتفعة جديدة، أعطى الخوري مثالاً على ذلك النموذج المصري، رغم تشديده على أنه «لن يُطبّق في لبنان».

 

وشرح انه في مصر «تَمّ خَلق ما عُرف بالسوق السوداء التي يختلف فيها سعر الصرف عن السعر المُعتمَد في البنك المركزي. واستمرّ الفارق بين سعرَي الصرف في الاتّساع، الى أن بات هناك سوقان مُعتمدتان، ما دفعَ البنك المركزي المصري، في المرحلة الثانية، الى تحرير سعر الصرف مع الحفاظ على «دعم» السلع الاستراتيجية. أمّا في المرحلة الثالثة، فقد تمّ تحرير هذا «الدعم» لتخضع كافة السِلع الى سعر الصرف الذي تحدّده السوق».

 

وأوضح الخوري انّ «لبنان اليوم في المرحلة الاولى من التجربة المصرية، حيث كان هناك سعر رسمي للصرف وسعر آخر تحدده سوق الصيرفة».

 

أضاف: «إذا ضغطت الظروف الاقتصادية أكثر، وفي حال احتَكَمنا الى المؤسسات الدولية أكثر، قد يضطرّ لبنان، لا إراديّاً، الى اعتماد إجراءات شبيهة نوعاً ما بمصر».