IMLebanon

تفجير عرسال: اغتيال الاعتدال.. والعين والخوف على الحدود الشرقية

استهدف انفجار غامض مكتب هيئة العلماء السوريين في بلدة عرسال، موقعا عددا من الشهداء والجرحى، في خطوة تطرح علامات استفهام كبيرة، حول الجهة التي تقف وراء هذه الجريمة وتداعياتها وأبعادها، وما ينتظر منطقة الحدود الشرقية عموما من بعدها.

فقد استشهد نائب رئيس هيئة العلماء السوريين الشيخ أبو شامل، وعضو المجلس الإداري للهيئة الشيخ فواز محمد، وأُصيب رئيسها الشيخ عثمان منصور إصابة بالغة، إضافة إلى عدد آخر من الضحايا.

وأثار التفجير تساؤلات حول خلفياته، خاصة أنه استهدف جهة استطاعت أن تقوم بدور إيجابي في حفظ الأمن والاستقرار في عرسال وجرودها وجوارها، ونظمت علاقة متوازنة مع الدولة اللبنانية، وبشكل محدّد مع الجيش اللبناني، منذ معارك عرسال الأخيرة وحتى لحظة وقوع التفجير.

فالشيخ عثمان منصور دأب منذ تشكيل هيئة العلماء السوريين العمل على خطوط التهدئة وتوفير العوامل المساعِدة للاستقرار، وتواصل لهذه الغاية مع القيادات الأمنية في عرسال، والتقى وزراء معنيين بملفات ذات صلة بجهود إطلاق العسكريين المحتجزين لدى «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الإسلامية».

في معركة عرسال الأخيرة، أصدرت هيئة العلماء السوريين فتوى تحرّم البقاء في عرسال وتدعو إلى مغادرتها، وتعتبر أن الإصرار على القتال والتمترس في البلدة في مواجهة الجيش اللبناني خلال تلك المواجهة، ليس عملا جهاديا، وأن الموت في هاتيك المعركة  ليس شهادة في سبيل الله، ما دفع بالمقاتلين إلى الانسحاب من عرسال، والتوصل بعد ذلك إلى صيغة حفظت ماء الوجه للمؤسسة العسكرية وأراحت الأهالي، وخفّفت الاحتقان مع اللاجئين السوريين في المحيط، واستطاعت الاستمرار في الحفاظ على الهدوء، بالتعاون مع فاعليات عرسال وبتواصلها المتزن مع قيادات «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الإسلامية».

كانت الشخصية الأبرز التي خاضت هذا المعترك هو الشيخ القاضي أبو شامل، الذي استشهد في تفجير الأمس، وهو كان صاحب الفتوى في الأساس، وهو الذي تولّى إقناع القيادات والمجموعات في جرود عرسال بأهمية الحفاظ على عرسال كمحضن آمن للاجئين السوريين، وتحييدها عن أي مواجهة عسكرية، والعمل على تأمين مستلزمات استعادة الحياة الطبيعية لأهالي البلدة، الذين دفعوا أثمانا باهظة في نصرة الثورة السورية وفي إغاثة اللاجئين، ما ساهم إلى حـدٍ بعيد في وضع معادلة الهدوء السائد في المنطقة.

أما الملف الآخر الذي بذلت فيه هيئة العلماء السوريين جهودا مشهودة، فهو ملف العسكريين المخطوفين لدى تنظيمي «النصرة» و«الدولة الإسلامية»، وهو جهد يعرفه المعنيون في الدولة اللبنانية، وزراء وأمنيين، ولهذا حظي أعضاء الهيئة بالاحترام، وحظيت جهودهم بالتقدير، وكان الشيهد أبو شامل على رأس العاملين لحل هذه القضية.

خوف على الحدود الشرقية

رأى البعض في القراءة الأولية للتفجير، أنه استهداف للجهود المبذولة لإطلاق سراح العسكريين المخطوفين، ولا شك في أن هذه القضية ستتضرر نتيجة هذه الجريمة، لكن المتضرر الأكبر هو الاعتدال والاستقرار، حيث يخشى المطلعون على الوضع في عرسال أن يكون المستهدف الحقيقي هو الاستقرار في منطقة الحدود الشرقية عموما، وأن يكون هذا الاغتيال تمهيدا لمرحلة من الاضطراب والاهتزاز وربما الفوضى الأمنية، لأن التفجير استهدف أحد أهم صمامات الأمان في المنطقة، وسيلزم هيئة العلماء السوريين المزيد من الوقت للملمة صفّها وتضميد جراحها، وتكوين الرؤية حول إدارة المرحلة المقبلة.

مَنْ يقف وراء التفجير؟

يذكر الكثيرون أن هيئة علماء المسلمين في لبنان تعرضت خلال سعيها لإطلاق سراح العسكريين المخطوفين لكمين كاد يقتل الشيخ سالم الرافعي (أُصيب إصابة بالغة، وشفاه الله منها والحمد لله)، والشيخ حسام الغالي وعدد آخر من أعضاء الوفد، ولم تستطع أكثر الروايات بوليسية أن تـُبعـد الاتهام عن «حزب الله»، الذي دأب على اغتيال هيئة العلماء سياسيا ومعنويا، على مدار الأشهر والأيام التي تلت تأسيسها.

ولا يمكن إبعاد الخط الإيراني الأسدي عن هذه الجريمة الجديدة لأنه صاحب المصلحة الحقيقية في تفريغ الساحة السنية (اللبنانية والسورية) من القيادات الفاعلة والمنضبطة والقادرة على قيادة الجمهور.

اتهم البعض تنظيم «الدولة الإسلامية» بتفجير الأمس، وقد يستقيم هذا الاتهام إذا نظرنا إلى خلفية ما جرى في عرسال، وما تلاه من أحداث، لكن ثمة عاملا قد يبطل هذه النظرية، وهي أن «تنظيم الدولة» و«جبهة النصرة» قد وحّدا عمليا الجبهات في سوريا بعد الغزو الروسي، وباتا على وشك دخول مرحلة متقدمة من التقارب بينهما، ومن غير المنطقي أن يقوم التنظيم بهكذا عمل في مثل هذه الظروف.

اغتيال الاعتدال

الشيخ عثمان والشيخ أبو شامل من العلماء الثقات، ولهما وزنهما العلمي والشرعي، ولهما حضورهما الذي أراد المفجرون أن يغيّبوه، ويراهن القتلة على أن يحل الفراغ محلهما، وأن يتقدّم خيار العنف والمواجهة، الذي ابتعد عن عرسال وجوارها، فما الذي يُراد للحدود الشرقية أن تشهده، وما الذي يمكن أن يحصل فيما لو تواصل الاستهداف للهيئة ولمن تمثّل ومن يريد هزّ الاستقرار وفي هذا التوقيت بالذات؟

الجواب واضح، وضوح الجهة التي قصفت طريق الموفد القطري، واستهدفت موقعا كان يفترض أنه يؤوي العسكريين المخطوفين، وحاصرت عرسال وعملت كل ما بوسعها لضربها بالجيش اللبناني، فكادت أن تنجح لولا لطف الله وحكمة محبي عرسال..  ش