إنها حرب عالمية مصغرة، والأوسع منذ الحرب العالمية الثانية. فبعد تلك الحرب وُلد نظام دولي جديد، وانقسمت منطقتنا بين القطبين الأميركي والسوفياتي. ورغم العداء بينهما، التقت النازية والشيوعية في الجوهر: قمع الحريات، وتأليه الحزب الحاكم، وترسيخ الاستبداد. ومن تحت المظلّة السوفياتية نمت أنظمة عربية قمعية سجنت شعوبها في الفقر والتخلّف وأغلقت أمامها أبواب التنمية.
سقط الاتحاد السوفياتي، وتهاوت بعده معظم الأنظمة التي احتمت بظلّه. وحده النظام الإيراني خرج من الركام كنسخة متحوّرة من تلك الأيديولوجيات الشمولية: مزيج من النازية والشيوعية مغطّى بعباءة “الولي الفقيه”. ومنذ ذلك الحين، جعل من زعزعة الاستقرار مشروعًا دائمًا عبر ما سمّاه “محور الممانعة” و “تصدير الثورة الإسلامية” عبر أذرعه الإرهابية.
الحرب الدائرة اليوم ليست تفصيلًا عابرًا. إنها لحظة تحوّل كبرى. نظام عالمي جديد يتشكّل، ومعه فرصة تاريخية لإعادة منطقتنا إلى مسارها الطبيعي: الاستقرار، والتنمية، وبناء مؤسسات الدولة.
الحد الأدنى لنتائج هذه الحرب أن تنكفئ إيران إلى داخلها مثقلة بأزماتها. والحد الأقصى أن يسقط النظام. في الحالتين، زمن المشروع الإيراني يقترب من نهايته.
لبنانيًا، تعيش عصابة “حزب الله” في إنكار كامل. تبني أوهامها على سوابق تاريخية انتهى زمنها. تستحضر مرحلة ما بعد اجتياح 1982 وكأنها قابلة للتكرار. لكنها تتجاهل أن ذلك الاجتياح انتهى بترحيل منظمة التحرير الفلسطينية، وأن نظام حافظ الأسد تولّى لاحقًا تصفية ما تبقى منها.
كما تتجاهل أن الاتحاد السوفياتي كان يومها قطبًا عالميًا يحمي نظام الأسد، وأن واشنطن عززت نفوذه في لبنان مقابل مشاركته الرمزية في حرب تحرير الكويت.
اليوم تغيّر العالم. انتهت الحرب الباردة. وإيران، راعية الإرهاب، تقف على حافة أفولها.
لكن العصابة في لبنان تصرّ على العمى السياسي. وبدلًا من العودة إلى الدولة اللبنانية، أعادت توريط لبنان في حرب إسناد لإيران. ثم أسقطت آخر أوراق التوت عندما بدأت تذيّل بياناتها بتوقيع “المقاومة الإسلامية” – أي التوقيع الإيراني الصريح.
هذا التمادي يفرض تحركًا حاسمًا من الدولة اللبنانية. الحكومة اتخذت قرارًا تاريخيًا بحظر نشاط العصابة العسكري. من هنا تصبح ملاحقة نعيم قاسم قضائيًا مشروعة ولا تحتمل التأجيل. فهو “الآمر الناهي” في العصابة، والمسؤول المباشر عن أفعالها، والمتورط في التعامل مع دولة أجنبية ضد الدولة اللبنانية.
ويبقى السؤال البديهي: إذا استمرت العصابة في التمرّد ورفضت تفكيك بنيتها العسكرية التزامًا بقرارات الدولة، فبأي حق تشارك في الانتخابات النيابية المقبلة؟
الجواب واضح. السلاح بالنسبة إليها أداة ابتزاز سياسي. به عطّلت الدولة، وبه طوّعت نظام الطائف لمصلحتها، وبه قد تحاول اليوم زعزعة الاستقرار الداخلي وطرح مشاريع تمسّ طبيعة النظام نفسه.
ومن المستغرب، أن بعض الأصوات تروّج لتأجيل الانتخابات بما يُعادل تمديد نصف ولاية للمجلس النيابي، وترمي أفكارًا عن تغيير القانون الانتخابي وإلغاء الطائفية السياسية، غير حاسبة أن توصَف ربما في مرحلة لاحقة بـ”الفلول”.