IMLebanon

هل يُنتج اتفاق بكين تسوية سلطوية؟

 

مع استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، دخل لبنان والمنطقة في مرحلة سياسية جديدة ستكون محكومة بحدّين: حدّ التهدئة السياسية في الدول التي لطهران أذرعها العسكرية فيها، وحدّ استمرار النزاعات من دون الوصول إلى تسويات نهائية تحسم ازدواجية السلاح، لأنّ مشروع الثورة الإيرانية توسّعي بطبيعته وتكوينه وعلة وجوده، ومن الصعوبة بمكان أن يتخلى عن دوره العسكري مقابل مجرّد نفوذ سياسي.

يصحّ مع اتفاق بكين القول المعروف انّ ما قبله غير ما بعده، أقلّه مرحلياً، كونه سيحكم الوضع في المنطقة لمرحلة معينة، حيث ستتأثّر الدول الخاضعة للنفوذ الإيراني وتشهد تبدلات تتراوح بين التبريد والتسويات الجزئية، ما سينعكس حكماً على الوضع السياسي في لبنان الذي سيخرج من نفق الشغور باتجاه انتخاب رئيس للجمهورية لا غالب فيه ولا مغلوب لأيّ فريق سياسي، وتستعيد معه الدولة عجلتها على غرار ما حصل بعد اتفاق الدوحة ومع انتخاب الرئيس ميشال عون، ولكن لن تذهب الأمور أبعد من عودة الاستقرار السياسي والمالي التدريجي، بمعنى ان لا حلّ للمشكلة الأساس المتعلقة بسلاح «حزب الله» الذي يُعيق قيام دولة فعلية.

 

وقوة الاتفاق السعودي-الإيراني المفاجئ انه حصل برعاية صينية، حيث ستحرص الصين مع دخولها المباشر الأول على خط حلّ النزاعات على إنجاح دورها المرتبط بصدقيتها وصورتها، ما يعني أنها ستضع كل جهودها وإمكاناتها لصيانته وتدعيمه وحُسن تنفيذه، لأنّ نجاحها على هذا المستوى يحوّلها إلى لاعب أساسي في الشرق الأوسط بالتوازي مع واشنطن وموسكو دولياً، كما يعزِّز دورها على المسرح الدولي ويؤهلها لأدوار مستقبلية.

والأسئلة الأساسية التي تطرح في هذه المرحلة تكمن بالتالي: هل ستتساهل الولايات المتحدة مع الدخول الصيني على المسرح الشرق الأوسطي، أم ستضع العراقيل أمام بكين من أجل فرملة اندفاعتها؟ وهل شكّلت الحرب الروسية على أوكرانيا النهاية للحلم الروسي بإعادة العالم إلى صراع القطبين وما الدخول الصيني في هذا التوقيت بالذات سوى إعلان انّ القطب الموازي للولايات المتحدة هو الصين؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع هذا التطور؟ وهل من مصلحة العالم والمنطقة العودة إلى سياسات المحاور التي كانت سائدة في الحرب الباردة، ام ان العالم تبدّل وسياسات النفوذ السابقة لم تعد تصحّ اليوم؟ وهل الدخول الصيني على خط الأزمات في الشرق الأوسط سيشكل دافعاً للولايات المتحدة وتَحدياً من أجل تنشيط سياساتها في ظل وجود قوة مالية دولية صاعدة بدأت تبحث عن أدوار سياسية؟ وهل ستتقبّل واشنطن انّ صراع العقود الأربعة بين إيران ودول المنطقة، والتي عجزت عن حله، بأنّ الصين ستنجح في إنهائه؟ وما هو موقف إسرائيل من هذا التطور الذي يؤدي إلى ترييح إيران بعدما تفاقمت أزماتها في السنوات الأخيرة وخصوصاً مع دخولها في الحرب الأوكرانية واندلاع الانتفاضة الشعبية داخلها، ومعلوم انّ ما يهمّ تل أبيب هو السلاح النووي الإيراني. فهل ستقارب الصين هذا الملف الذي يشكل محور خلاف دولي مزمِن مع طهران؟ وهل ستستفيد طهران من اتفاق بكين الذي يمدها بالأوكسيجين بعدما وصلت إلى حدّ الاختناق داخلياً وعلى مستوى المنطقة من أجل تسريع اندفاعتها النووية؟ وهل ستُطلق واشنطن يدّ تل أبيب من أجل ضرب عصفورين بحجر واحد: التخلُّص من النووي الإيراني عسكرياً، والتخلُّص من الدور الصيني سياسياً وفي مَهده؟ وهل سيقتصر دور بكين على مقاربة الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة انطلاقاً من البيان المشترك الذي نَص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وتجنُّبها الدخول على خط الملف النووي الذي تتولى واشنطن إدارته؟ وهل ستنجح فعلاً حيث فشلت واشنطن في وضع حدّ للدور الإيراني في دول المنطقة، أم انّ ما حصل هو مؤقت وحاجة إيرانية لالتقاط الأنفاس ولن تتخلى عن دورها العسكري المرتبط بعقيدتها الدينية؟ وهل ما أعلن في البيان المشترك هو إعلان نيات فقط لا غير، أم ثمة خريطة طريق مكتوبة ومتّفق على تنفيذها وستبدأ بالظهور تباعاً؟ وهل سيقتصر دور بكين من الآن فصاعداً على دور الشرطي في الشرق الأوسط بين إيران وبين الدول الرافضة لأدوارها المزعزعة للاستقرار، أم ستنكبّ على معالجة الأزمة من جذورها، وكيف، وعلى حساب مَن، أي من خلال المقايضات مثلاً، أم تشريع الأذرع العسكرية، أم الإصرار على أدوار سياسية تعيد للدول دورها المصادر؟

 

لا شك في انّ الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة ستقدِّم بعض الإجابات عن هذه التساؤلات، إلا ان الأكيد هو انّ قطار التسوية الذي انطلق من بكين سيصل إلى بيروت قريباً في تسوية جزئية تُطيح بترشيحَي النائب ميشال معوض والنائب السابق سليمان فرنجية لمصلحة مرشح توافقي ثالث. وعلى رغم انّ هذه التسوية ستعيد الاستقرار المالي التدريجي الذي تُنشده الناس بعدما وصلت إلى حد الموت جوعاً او الانتحار، إلا انها تفوِّت على اللبنانيين فرصة ثمينة كانت قد بدأت بالاقتراب لجهة الوصول إلى معالجة جذرية للأزمة اللبنانية التي لا تعالج بالمسكنات والتسويات التي تقارب شكل الأزمة لا جوهرها.

ومع كل انهيار على رغم مساوئه وانعكاساته وسلبياته، إلّا ان المقاربة تتبدّل معه باتجاه السعي لمعالجة الأزمة من جذورها وإلّا ستنفجر من جديد وبأوجه مختلفة، لأنه ما لم تُحسم ازدواجية السلاح لا أمل بدولة فعلية واستقرار ثابت ودائم، ولكن لا حلّ للأزمة اللبنانية من دون حلّ أزمة المنطقة وهذه المرة بسبب الدور الإيراني. فهل ستنجح بكين حيث فشلت واشنطن؟ وهل التسوية الجزئية في لبنان ستمدّ فريق الممانعة بالأوكسيجين بعدما كان قد وصل إلى حد الاختناق وبدأت تتصاعد الدعوات لحلولٍ نهائية بعيداً عن التسويات الفلكلورية؟

وعلى رغم ان الناس تريد ان تتنفّس بعد اختناق طويل وغير مسبوق، إلّا أنّ تنفسها سيكون اصطناعياً ما لم تُحلّ الأزمة اللبنانية في عمقها وجوهرها، ويجب الإقرار بأنّ اي تسوية لا تُقارِب سلاح «حزب الله» ودوره تُفيد الحزب الذي يبحث عن تسويات ما دون سلاحه وتُبقي سيطرته على مفاصل الدولة الاستراتيجية. ويجب الإقرار أيضاً بأن لا حلّ للأزمة اللبنانية في ظل رباعية سلاح الحزب أولاً وعدم القدرة على نَزعه ثانياً والتركيبة المتحكمة بالسلطة ثالثاً وعدم القدرة على كفّ يدها رابعاً. وبالتالي، كل من يحلم بالإصلاح وبناء الدولة في ظل هذه الرباعية من مصلحته ان يبقى في نومه العميق تجنّباً لأن يستيقظ على واقع أليم وميؤوس منه.

 

وفي مطلق الحالات لا حلّ للأزمة اللبنانية بحوار لبناني-لبناني، إنما الحلّ هو خارجي وما على الداخل سوى الصمود بانتظار التقاطع مع التحولات الخارجية. فهل هذا التحول شبيه بلقاء الرئيسين جورج بوش وجاك شيراك في النورماندي والذي فتح الطريق أمام ولادة القرار 1559 وصولاً إلى انتفاضة الاستقلال وإخراج الجيش السوري من لبنان؟ مع كل تحوّل هناك فرصة، وكل الأمل ألا تؤدي الفرصة الجديدة إلى ترييح محور الممانعة في المنطقة، وان تكون بداية طريق لحلول نهائية لأزمات المنطقة.

وكان الأمل طبعاً بتطور خارجي يكسر الستاتيكو في المنطقة ولبنان ويكون شبيهاً بحقبة صدور القرار 1559 التي بدأت مع أحداث أيلول 2001، وان تتمّ ملاقاته لبنانياً من خلال تظاهرات مليونية لا ترفع سوى شعار واحد وهو سلاح واحد، لأنه مع قيام الدولة يبدأ الإصلاح، ومن دون هذه القيامة لا إصلاح ولا من يحزنون، وإذا كان الأكيد تِبعاً للبيان المشترك انّ المتضرِّر اليوم هو محور الممانعة الذي يتدخّل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، فإنّ الأساس يبقى في ما سيؤول إليه هذا المسار، أي نهائياته لا بداياته. فهل الأمور ستراوح؟ وهل ما حصل مجرّد استراحة محارب أم انه بداية لمعالجة الدور الإيراني المزعزع للاستقرار في هذه المنطقة؟

لا آمال معقودة على معالجة الدور الإيراني كونه يرتبط بكينونة الثورة الإيرانية. وانتفاء الدور العسكري الإيراني يعني بكل بساطة انتهاء الثورة، ولكن لا خيار اليوم سوى مواكبة التحول الجديد والتأثير على مساراته في دول النزاع تحسيناً لشروط اي تسوية جزئية سلطوية من منطلق اختلاف تسوية عن تسوية، ولكن يبدو انّ المومنتم المتعلِّق بفرصة التأزُّم الإيراني الشديد داخلياً وخارجياً، والمعطوف على التأزُّم اللبناني الشديد، والذي كان يُؤمَل أن يولِّد فرصة جديدة على غرار الفرص الثلاث التي تم تبديدها: انتخاب الرئيس بشير الجميل، ولادة اتفاق الطائف، خروج الجيش السوري من لبنان. وبالتالي، يبدو انّ الفرصة الرابعة التي كانت قد اقتربت إقليمياً ومحلياً، والمتصلة بحسم ازدواجية السلاح، قد أجهضت.