IMLebanon

صمود اللوائح السيادية و«بيروت تواجه» يُسقط التطبيع مع السلاح غير الشرعي

 

ملامح قيادة سنيّة تتكامل مع دار الفتوى وتحظى بالاهتمام العربي

 

 

تتسارع التطورات منذ إعلان الرئيس سعد الحريري تعليق مشاركته في الحياة السياسية وفرض تحدّي الفراغ القسري على الساحة السنية وانطلاق عملية المقاومة لمنع إخراج أهل السنة من المعادلة الوطنية، وهي العملية التي بدأت بخطوات متزامنة بين مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان والرئيس فؤاد السنيورة لوقف تسلّل حالة الإحباط وكسر دعوات المقاطعة التي لن يفيد منها سوى «حزب الله».

 

هذا المسار عبر في مراحل متدرّجة بإطلاق الرئيس السنيورة مبادرته لاحتواء الموقف، ودعا إلى المشاركة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً، قارعاً جرس الإيقاظ للنُّخب وللجمهور السني، وصدر الموقف الجامع عن سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي أكد على المشاركة ورفض الإنكفاء، وصولاً إلى إعطاء التوجيهات للأئمة وخطباء المساجد بدعوة المؤمنين للقيام بواجبهم بانتخاب الأصلح.

بخطوات هادئة وثابتة، واصل المفتي دريان تدعيم الثوابت وتعزيز الموقف الإسلامي الداعي إلى الانخراط في المواجهة السياسية من منطلق الحفاظ على التوازن الوطني، وهذا أنتج التفافاً واسعاً حول دار الفتوى، على المستوى المحلي والعربي، فأرست دار الفتوى عناوين المرحلة، ودفعت عبر الأوقاف الإسلامية بخطباء المساجد نحو حثّ الجمهور السني على التحرّك بكثافة نحو الاقتراع الفاعل ضد الفساد ومن أجل الدولة.

لاقت خطوات المفتي دريان اهتماماً عربياً مباشراً تجلّى في زيارة سفراء دول مجلس التعاون الخليجي لدار الفتوى ودعمهم الصريح والمباشر لخطوات سماحة المفتي، وتأكيدهم على أهمية المشاركة في الاستحقاق الانتخابي في إطار العملية الديمقراطية والحفاظ على الكيان اللبناني.

تعني زيارة عميد السلك الدبلوماسي العربي سفير دولة الكويت عبد العال القناعي وسفير المملكة العربية السعودية وليد بخاري وسفير دولة قطر إبراهيم السهلاوي إلى دار الفتوى رسالة واضحة لا تحتاج تأويلاً ولا تفسيراً، وخلاصتها أنّ دول الخليج العربي تقف إلى جانب المرجعية الدينية في خطواتها لاحتواء الفراغ الحاصل وتمهيداً لولادة حالة سياسية جديدة بعد الانتخابات النيابية تؤسّس لمرحلة انتقالية ينبغي رعايتها لتنضج وتتمكن من القيام بواجباتها.

في هذا الإطار، تتكشّف ملامح المرحلة الانتقالية والقيادة الانتقالية التي ستنبثق بعد الانتخابات، وهي تظهر على شكل فريق سياسي سيادي قرّر خوض هذا الاستحقاق بعناوين واضحة، هي عناوين المواجهة مع الدويلة والسلاح غير الشرعي، ومرجعية دينية حاضنة لمشروع التغيير والتطوير ورفض الفراغ أو الانهزام الذاتي، ورعاية عربية تتعامل مع الثابتين الراسخين في خياراتهم الإسلامية والوطنية، مع الإفادة من التجارب السابقة في مرحلة صعود قوى 14 آذار وبعد هبوطها وتفكّكها.

في هذا الإطار، يصبّ الموقف الذي عبّر عنه النائب نهاد المشنوق الذي اعتبر أنّ أوّل الخاسرين من المقاطعة هم أهل السُنّة، وأنّه «مع دعوة ‎مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف ‎دريان إلى أن يصوّت أهل السُنّة  وأن يشاركوا في ‎ الانتخابات بكثافة»، لأنّ «المقاطعة اليوم ستسبّب المزيد من الإرتباك لأهل ‎السُنّة في كل المناطق».

واعتبر المشنوق أنّ «القوى السيادية متقدمة ووضعها جدّي وأفضل من ‎الانتخابات النيابية في 2018»، وأنّ «هذا القانون الانتخابي غير العادل أُقرّ في حكومة يرأسها ‎سعد الحريري وهو يتحمّل مسؤوليته… وكان إقراره خطيئة كّبرى، لأنّه سلم البلد إلى ‎حزب الله وحلفائه، كما أعلن الجنرال ‎قاسم سليماني بعد انتخابات 2018».

وكان لافتاً ما قاله عندما اعتبر أنّ «ما نشهده من ارتباك سنّي هو نتيجة غياب ‎رئاسة الحكومة من عام 2017 حتى الأمس. وهذه السياسة جعلت لبنان رهينة بسبب تعطيل رئاسة الحكومة 5 سنوات، برئاسة ‎سعد الحريري، وبلا أي صلابة في وجه هجوم ‎التيار الوطني الحر و «‎حزب الله».

موقف المشنوق الداعم لدار الفتوى تلاقى مع موقف الرئيس السنيورة ومع سائر القيادات السيادية وهذا مؤشِّر إيجابي للمرحلة المقبلة.

تجاوز تحدّي تشكيل اللوائح وصمودها

راهن «حزب الله» على عدم قدرة الرئيس السنيورة على تشكيل اللوائح وحمايتها من الانفراط أو التحطيم تحت وطأة الضغوط من الرئيس الحريري المصرّ على القاطعة، ومن الحزب وأدواته في المناطق، وخاصة في بعلبك الهرمل، حيث يبلغ الضغط أقصاه.

لكنّ الحقيقة هي أنّ الرئيس السنيورة نجح في تشكيل اللوائح وصمد أعضاؤها في أغلب المناطق، وخاصة في بيروت، حيث أثبتت لائحة «بيروت تواجه» أنّها تتمتّع بكفاءات متكاملة سواء من حيث الاختصاص أو من حيث الخبرات، وكذلك لجهة تمثيل العائلات وتغطية مناطق بيروت وأحيائها بشكل ترك ارتياحاً لدى الجمهور البيروتي، مما ساعد في تخطّي دعاوى المقاطعة الزرقاء.

وفي لمحة موجزة، يمكن تقديم جملة مؤشرات إيجابية للائحة بيروت تواجه، أهمها:

إسقاط مفاعيل التطبيع مع السلاح

قيمة ما تفعله لائحة «بيروت تواجه» أنّها أسقطت وتسقط مفاعيل التطبيع السياسي والإعلامي مع الدويلة وسلاحها غير الشرعي في العاصمة خاصة ولبنان عموماً، بعد أن بذل الحزب جهوداً مضنية لإخراج سلاحه من التداول السياسي والإعلامي، بل إنّ إشكالية السلاح امتدّت بدخول الرئيس السنيورة على خطّ المواجهة لتصل إلى طرح قضية السلاح على امتداد الوطن.

هذا الإنجاز الوطني له أهمية كبرى لأنّه ليس مرهوناً بظروف الانتخابات، بل إنّ مواجهة الاحتلال الإيراني مستمرة، لأنّ كلّ عضو في لائحة «بيروت تواجه» يحمل هذا النفس المقاوم، طيلة تاريخه المهني والشخصي، وبالتالي فإنّه لن يتخلى عنه في المرحلة المقبلة.

فرصة إنتاج قيادة انتقالية

ربما منذ سنوات طويلة، تلوح في الأفق إمكانية تشكيل قيادة انتقالية لأهل السنة، ينبغي تلقّفها والعمل على إنجاحها، وهذا يقتضي من الجميع الاستعداد للتنازل عن أنانيتهم وحساباتهم الشخصية والحزبية، ويقتضي أيضاً الإفادة من التجارب في العلاقة بين دار الفتوى والقوى والشخصيات السياسية، وبين الجمعيات الإسلامية ودار الفتوى، وبين الإسلاميين والسياسيين، وهذا يوجب فتح حوار شفّاف ومنهجي ومسؤول، مبني على الإفادة من جميع الطاقات وعدم وضع حواجز أمام هذا الحوار، الذي ينبغي أن يؤدّي إلى ملتقى يستظلّ بدار الفتوى، يجمع القوى والشخصيات التي ترتضي العمل تحت السقف الوطني والعربي، لإطلاق المقاومة السياسية الوطنية الفاعلة في وجه الدويلة وسرحها غير الشرعي.