IMLebanon

هل اقترب بري من تأمين الغالبيّة المطلقة لإطلاق الحوار؟

 

المعارضة تتهرّب من تقديم التزام تأمين نصاب الجلسات: قلق من ثلاث مُفاجآت تؤمّن وصول فرنجية الى بعبدا!

 

لماذا احرجت المعارضة نفسها ورفضت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري الحوارية؟ وماذا لو تخلى عن فكرة الحوار ودعا الى جلسات متتالية لانتخاب رئيس للجمهورية؟ فهل ستوافق عندها على الحضور، وتلتزم عدم الانسحاب من الجلسة الثانية؟ هذه الاسئلة المحورية فرضت نفسها على ما عداها من نقاشات بين اكثر من جهة سياسية باتت على قناعة بأن مخاوف القوى المعارضة للدعوة تتعلق بجلسة الانتخاب لا الحوار، لان التنازل الشكلي امام تمسك بري بدعوته سيؤدي حتما الى “طريق” واحد لا غير، وهو انعقاد جلسات متتالية لانتخاب رئيس، عبر “فضح” ما تعتقد المعارضة انه مناورة جديدة من رئيس المجلس. ولو كانت المعارضة صادقة في تبريراتها، فان الامر البديهي ان تبادر الى احراج بري بدل منحه “صك براءة”؟!

 

هذه الخلاصة لمصادر سياسية بارزة، تشير الى ان مشكلة تلك القوى انها تضع “العصي في الدواليب” دون ان تقدم بدائل مفيدة، وهو امر دفع البطريرك الماروني بشارة الراعي الى اتخاذ موقف واضح حيال ضرورة القبول بهذه الدعوة دون شروط مسبقة، وهو ما اثار موجة غضب غير مكتومة في “معراب” و”الصيفي”، لم يخفف من وقعها الاتصال الهاتفي بين رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع مع البطريرك الراعي، الذي لم يخف شكوكه او ريبته من فكرة الحوار، لكنه ردد اكثر من مرة السؤال عن البديل؟ كما تساءل عن الضرر في “لحاق الكذاب على باب داره” اذا كان الحوار اصلا محددا بسبعة ايام، فلماذا لا تتم المشاركة وعندها تفضح كل النوايا؟! لكن جعجع، وفق المصادر، لم يملك اجابات شافية الا تكرار مقولة عدم تكريس اعراف لا يمكن القبول بها. وتساءل بدوره عن اسباب رفض الذهاب الى الانتخابات الرئاسية وبعدها يدير الرئيس الجديد الحوار؟! وكذلك جدد التشكيك بنوايا بري حول جلسة الانتخاب، معتبرا انه لم يجزم بعقد جلسات متتالية، وليس جلسة واحدة مفتوحة، وقال انه “فخ” نرفض الوقوع به.

 

هذه الدوامة التي تشبه معضلة “الدجاجة والبيضة”، حسمتها مصادر مقربة من “عين التينة”، حيث لفتت الى ان بري سبق واوضح ماهية الفكرة للبطريركية المارونية قبل خطابه في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، ولهذا جاء موقف الراعي ايجابيا في عظة الاحد الاخيرة، وكانت الرسالة واضحة ومفادها ان الحوار سيكون في شهر أيلول لمدة أقصاها سبعة أيام، ومهما كانت النتائج سيدعو بري لعقد جلسات مفتوحة ومتتالية تنتهي بانتخاب رئيس للجمهورية، ويكون “صناعة” لبنانية، بدل انتظار التسويات في الخارج.

 

اما عن اسباب التمسك باجراء حوار “غير دستوري” يسبق جلسة الانتخاب، فكان بري صريحا مع بكركي بابلاغها انه يحاول ان يمسك “العصا من وسطه”، فهو من خلال هذه الدعوة يرضي الفريق المصر على الحوار كممر اجباري لانتخاب رئيس، وعندما يحصل هذا الحوار ويصل الى “حائط مسدود”، لن يكون هناك من مفر الا لارضاء الفريق الآخر بالذهاب الى انتخابات بجلسات مفتوحة. ومن هنا يأتي استغراب بري لهذا الرفض من قبل قوى لا تريد حوارا برعاية فرنسية، ولا حوارا داخليا، وكأن المطلوب “لي ذراع” فريق سياسي من خلال التعامل معه بعدائية مفرطة وغير عقلانية، وهو امر لن يؤدي الا الى رفع سقف التحدي ويزيد التشنجات، في وقت يعرف الجميع ان التعنت لن ينتج رئيسا في ظل التوازنات الصعبة في مجلس النواب. وهذا ما يطرح علامات استفهام كبيرة حيال ما يريده الفريق المعارض، ويفتح باب التأويلات واسعا حول طبيعة رهاناته” انهم لا يريدون رئيسا”.

 

ولهذا لاقت توضيحات بري “آذانا صاغية” لدى الراعي، الذي لم ينقلب في مواقفه المعروفة، لكنه لا يؤيد الانغلاق واقفال الابواب امام اي نقاش يمكن ان يؤدي الى فتح “ثغرة” في الازمة الراهنة، وهو امر انسحب ايضا على بعض النواب في المعارضة وكذلك نواب “التغيير”، وهذا يشير بالشكل الى نجاح بري في احداث اختراق، لم يحدد حجمه بعد في الكتلة المناوئة “للثنائي”، وهو حتى الآن نجح في “خلط الاورق”، ووضع على “طاولة” النقاش مادة جديدة احرجت خصومه عشية زيارة المبعوث الفرنسي جان ايف لودريان، وعقب مغادرة الديبلوماسي الاميركي عاموس هوكشتاين، الذي تم اطلاعه على المبادرة، وقد طالبه بري بحضور السفيرة دورثي شيا بضرورة العمل على اقناع اصدقاء الولايات المتحدة الاميركية في بيروت بملاقاته في “منتصف الطريق”، بدل التمسك بلازمة اتهامه بتعطيل مجلس النواب، وخاطبه قائلاً: “جاء دوركم الآن لاثبات حسن نواياكم رئاسيا، عبر ابلاغ من يحرضون عليّ في واشنطن وعوكر بان ابواب المجلس ستكون مفتوحة امامهم، وعليهم هذه المرة ان لا يتهربوا من مسؤولياتهم ورميها مجددا على غيرهم”.

 

وفي هذا السياق، توضح تلك الاوساط بان المشكلة لدى المعارضة واضحة ولا تقبل اي التباس، وهي لا تتعلق بالحوار الذي يمكن تقطيعه “بالتي هي احسن”، بل من نتائج الجلسات المتتالية، بعدما اخفقت على نحو “فاضح” في احصاء الاصوات في الجلسة الاخيرة، وكانت المفاجأة في حصول جهاد ازعور على 59 صوتا بدل الـ66 المتوقعة من قبلهم قبل الجلسة. هذا الاخفاق اثار الكثير من الهواجس والشكوك المتبادلة بين القوى الداعمة لمرشح “التقاطع”. واليوم يعرف هؤلاء ان الاتصالات جارية على “قدم وساق” بين بري ومروحة واسعة من الكتل النيابية المترددة، وهو يقترب من تأمين 86 نائبا يؤيدون الحوار، فيما يبقى القلق الاكبر من الجلسات المتتالية التي قد تحمل ثلاث مفاجآت من العيار الثقيل تؤدي الى انتخاب سليمان فرنجية رئيسا:

 

1- عدم اليقين من بقاء كتلة “اللقاء الديموقراطي” على موقفها بكامل اعضائها، وفكرة حصول تواطؤ بين بري والنائب السابق وليد جنبلاط على توزيع الاصوات امر محتمل للغاية، خصوصا ان الوزير السباق غازي العريضي كثف زيارته الى عين التينة مؤخرا.

 

2- المفاجأة الثانية، قد يشكلها النواب السنة المتحررون من الضغوط السعودية، بعدما غابت “المملكة” عن السمع في مسألة اعطاء رأيها في دعوة بري، واكتفى السفير السعودي الوليد البخاري بطرح تساؤلات على البطريرك الراعي حيال موقفه المستجد، دون ان يصدر عنه مواقف حاسمة بالرفض، وهذا يفتح الباب امام مقايضات محتملة بين هؤلاء والعهد الجديد.

 

3- اما القلق الاكبر، فيبقى من مفاجأة غير مستبعدة من قبل رئيس تكتل “لبنان القوي” جبران باسيل الذي يخوض غمار حوار يسوده التكتم الايجابي. وتخشى قوى المعارضة غير القادرة على اختراق حاجز الغموض الذي يحيط بمدى التقدم الحاصل على هذا الصعيد، بان يحصل “الانقلاب” في الجلسات المتتالية، ويحصل مرشح فريق “الثنائي” على الاصوات التي توصله الى بعبدا عبر تسوية مع “التيار”.

 

ومن هنا، تراهن المعارضة على رفض الفريق الآخر التخلي عن الحوار كي لا تذهب الى جلسة انتخاب الرئيس، وهي في هذا السياق، ترفض منح الفريق الآخر التزاما بحضور الجلسات المتتالية لانها تعاني متلازمة “الشك”، وانعدام اليقين، والقلق من “المجهول”، ولهذا فان سقف ما ترضى به هو القبول بالدعوة الى جلسات انتخاب دون تقديم اي ضمانة بتأمين النصاب.