IMLebanon

بين استعادة الثقة وتدمير الثقة

تعقد في ٢٦ و٢٧ أيار القادم قمة الدول الصناعية السبع الكبرى في مدينة سيسيليا في ايطاليا التي ترأس الدورة الحالية، بحضور رؤساء اميركا وألمانيا واليابان وبريطانيا وكندا والمفوضية الأوروبية. وقد حدّدت هذه القمة هدفاً رئيسياًّ لها، وهو «بناء دعائم تجديد الثقة»، وذلك لمعالجة ضعف الثقة لدى المواطنين بقدرة المؤسسات الحكومية على حلّ المشكلات والاستجابة لحاجات المجتمعات، لأنّ الثقة هي حجر الأساس لضمان الفعاليّة الحكومية وبناء الاستقرار والازدهار الاجتماعي. وهذا ما حاولت القمة العربية في عمان تحقيقه عندما أعادت ترتيب الأولويات من أجل استعادة الثقة بالقمّة وبالعمل العربي المشترك.

الحكومة اللبنانية الحالية اختصرت كل أزمات لبنان السياسية والاجتماعية والاقتصادية عندما اعترفت في بيانها الوزاري بضرورة استعادة الثقة أيّ إعادة بناء الذات الوطنية الفردية والاجتماعية، لأنّ الدولة هي انعكاس للنجاح والفشل الاجتماعي، إذ أن تقدّم الدول وتخلّفها يقاس بمستوى الثقة بين أفرادها ومؤسّساتها. وكلّما ازداد منسوب الثقة كان التقدم والازدهار، وكلّما تراجع كان التخلّف والفشل.

ان سنوات الشغور الرئاسي خير دليل على تراجع منسوب الثقة لدى اللبنانيّين وعدم اعتبار انتظام عمل المؤسسات الدستورية أمراً ضرورياًّ بسبب عدم الثقة بتلك المؤسسات، ممّا جعل العقل اللبناني الحكومي والبرلماني والاعلامي والحزبي والفردي يتأقلم مع مفهوم تصريف الأعمال، أي مع الدولة المؤقّتة و السياسة المؤقّتة. وأصبح الجميع بمثابة موظّفين مياومين يعملون بالقطعة، لعدم ثقتهم بالمؤسسات السياسيّة.

أصبح انعدام الثقة السياسية ثقافة وطنية لدى الجميع، لذلك نجد أنّ معظم اللبنانيّين يجهدون في إقامة العلاقات مع السفارات المستقرّة، ويعملون معها بكلّ ثقة وانتظام، والمنظمات الدولية التي أصبحت أكبر من كلّ أحزاب لبنان، ترسم السياسات وتصنع القيادات الجديدة للبلاد. وقد أصبح لدينا نخبة عالمية وليس لدينا نخبة وطنية.

ان انعدام الثقة السياسية بين اللبنانيّين لا يجب ان يكون محلّ استهجان او استغراب لأنّنا في ١٣ نيسان ١٩٧٥ أطلقنا النار على الحياة السياسية الوطنية وتحوّلنا نحو العنف بكلّ أنواعه وأشكاله ودمّرنا الحياة الوطنية السياسية وقضينا على النخبة المدنية ودمّرنا بيروت عاصمة الثقة الوطنية، لأنّنا ندخلها بأمان ونسكنها بأمان. وقد بات من الضروري الاعتراف بانعدام الحياة السياسية في لبنان منذ ١٣ نيسان 75 حتى الآن، وخير دليل على ذلك هو مستوى ومضمون الحوار حول قانون الانتخابات الذي يؤكّد الانقسام وانعدام الثقة بين اللبنانيّين، أفراداً وجماعات ومؤسّسات.

إنّ سنوات ما بعد النزاع شهدت الكثير من الثقة بالشخصية السياسية الإعمارية الانمائية. ومعظم اللبنانيّين شعروا بتلك الثقة، لأن التجربة الإعمارية الانمائية قامت على تراكم الإنجازات على مستوى الافراد بالاهتمام المباشر والالتزام بالوعود والتقديمات و على المستوى العام باعادة اعمار ما تهدّم في بيروت و كل لبنان. تلك الإنجازات شكّلت نجاحات للشخصية الوطنية في الإنماء والإعمار وانعكست على السلطة في لبنان وليس على السياسة، فالسياسة كان يصنعها ويديرها السوري بالمباشر لسنوات طوال، وغير السوري في السنوات القليلة الماضية. لذلك لا بدّ من التمييز بين أهل السلطة من رؤساء ووزراء ونوّاب ونخب وموظّفين وأهل السياسة وهم قلّة في لبنان بسبب الاغتيال، لأن السلطة هي حالة انكماش ذاتي اما السياسة فهي عملية انسياب عام

يختصر المشهد اللبناني بعد القمة العربية بالذات، بأنّ هناك من يحاول تحقيق الإنجازات من اجل استعادة الثقة بين اللبنانيّين وبلبنان الى حدّ التضحية بالذات، وهناك من يعمل على تحقيق الانتصارات على قاعدة تدمير الثقة بين اللبنانيّين وبلبنان مع التضخّم بالذات.