IMLebanon

بين العرب وبلاد فارس

 

كتبت صحيفة “ديلي نيوز” الأميركية عام 1921، وكانت في مطلع صِباها، تصف الوضع في العراق آنذاك: “في العراق الآن ملكان. السيد السنوسي في الشمال عيَّنه الكماليون (مصطفى كمال اتاتورك الزعيم التركي الصاعد) والأمير فيصل في الجنوب عيَّنه الإنكليز. وقد يكون مستقبل العراق مُعلّقاً على نتيجة النزاع الذي سينشأ فعلاً بين الملكين العربيين من جهة، وبين درجة ارتباطهما الحبّي أو العدائي بعرب الجزيرة وبلاد فارس من جهة أُخرى”.

 

حُسِمَ الأمر لمصلحة فيصل وهزم السنوسي (التركي)، وفي المحصلة كان البُعد الحاسم في تحديد صورة العراق هو البعد العربي مُمَثلاً بـ”عرب الجزيرة”، من دون إغفال الدور القيادي للمحتل البريطاني الذي كان يمسك بالجزيرة قدر إمساكه ببلاد فارس.

 

لكن العبرة ليست في تبيان النفوذ الإنكليزي أو الإستعماري الغربي فقط. فحتى هذا النفوذ المُحدِد لم يُغْفِلْ معنى العمق الاستراتيجي التاريخي لبلدٍ مثل العراق. وما يصحّ على العراق يصحّ على غيره من بلدان المشرق العربي.

 

العراق نفسه يعيش اليوم واقعاً مشابهاً لظروف 1921 (منذ مئة سنة بالضبط) ومصيره يتحدد بنتيجة تصادم عرب الجزيرة مع بلاد فارس أو نتيجة اتفاقهما. حصل ذلك سابقاً برعاية الانكليز واليوم مُقدّر له أن يحصل برعاية أصحاب “ديلي نيوز” الأميركيين أو تحت أنظارهم.

 

وفي سوريا تجري أمورٌ مماثلة: لا يزال الكماليون العثمانيون الجدد في شمالها والفرس في وسطها بانتظار نتائج عودة “عرب الجزيرة” الى ممارسة دورهم، والنتيجة سترعاها روسيا تحت انظار أميركا الحنونة.

 

وما يُقال عن سوريا يُقال عن لبنان مع فارق اساسي ان “بلاد فارس” سجلت نقاطاً مهمة قبل أن تبدأ المباراة لكن الجمهور المنقسمة عواطفه مع الفريق الآخر.

 

وفي البيان السعودي الفرنسي الأخير أُعيد تحديد شروط اللعب. لم يتوقف الجانبان، ولنقل لم يتوقف الجانب السعودي كثيراً عند شكليات استقالة وزير اراد بيع خُضاره مساءً بسعر الفجر، بل أعاد رسم شروط التعامل الإقليمي وضمنها ضرورة قيام دولة المؤسسات في لبنان وهذا بالتحديد هو نقيض دولة بلاد فارس اللبنانية.

 

المسألة في النهاية هي في يد اللبنانيين أولاً وقبل كل شيء، فقيامة بلدهم في يد غالبيتهم التي لن تتردد عندما يحين أوان الإختيار بين العرب وبلاد فارس.