IMLebanon

بين خطابي رجل دويلة ورجل دولة

 

خطابان حملا من النبرة والمضمون ما تراكم على تاريخ لبنان منذ 1975 (وربما قبل ذلك)، ومدى تطور الوقائع «والحقائق» والتحولات التي أصابت الشعب اللبناني، وما أنتجته من محاولة إعادة التاريخ، إلى «جمهوريات» الميليشيات، وأشكال التقسيمات الجغرافية والمذهبية، والانتفاضات المحدودة التي برزت هنا وهناك، وصولاً إلى انتفاضة الاستقلال الكبرى التي أخرجت جيش الوصاية السورية من البلاد. أي من زمن حروب الآخرين علينا (عبر الانتماءات الميليشيوية)، إلى زمن السلم الأهلي المنشود، بكل ما يهدّده..

 

ويمكن الانطلاق من خطاب السيّد حسن نصرالله، الذي كان تعبيراً عنيفاً عن رفضه كل الظواهر التي نقلت لبنان من زمن الميليشيات إلى زمن الدولة الواحدة، والحكم الواحد، والسيادة. إنه خطاب ينفي الاتفاق الجماعي الذي أنجب دستور الطائف أولاً (وهذا ما أكّده النائب السابق وليد جنبلاط «موت اتفاق الطائف» في تضاعيف كلمة نصرالله المتلفزة)؛ وإذا كانت الحروب السابقة مرتبطة ارتباطاً عضوياً، بوصايات الآخرين (المقاومة الفلسطينية، والاحتلال الإسرائيلي، والوصاية البعثية) وصولاً إلى ترسخ حزب إيران باسمها وبولائها وباستراتيجيتها الامبراطورية.. أي استعادة صورة الميليشيات بنسخة جديدة، ممارسةً ومذهبية أوسع وأخطر مما أفرزته الميليشيات المذهبية السابقة التي دمّرت لبنان وهجّرت مئات الألوف داخلياً وخارجياً، يتبنّاها الحزب، بعد عودة الجميع إلى حضن الدولة.

 

فخطاب نصرالله، جاء أولاً وآخراً، إعلان تقسيم.. تقسيم لبنان إلى كانتونات، أو خطاب الخروج مجلجلاً من الدولة.

 

خطاب التقسيم المذهبي المؤسّس على جبخانة من الأسلحة، يفرض انفصاله عن الدولة، أملاً في تعميمها بالسيطرة على لبنان، ليصبح مجزءاً تحت إرادة أحادية أصلاً.

 

بمعنى آخر يدلّنا خطاب نصرالله (كما ممارساته منذ ثلاثة عقود)، أن اعتبار لبنان «وطناً نهائياً» أكذوبة، ولا يكتسب معناه إلاّ بصنوف الضمَّ والاستئثار من دولة اسمها إيران: فإيران هي «لبنان الكبير»، وليس الذي تحقّق عام 1926، وإيران هي استقلال لبنان وليس استقلال عام 1943.. إذاً، لبنان غير موجود بحدوده وشعبه الذي أراده كشعب غير قابل لحكم نفسه (نظرية النظام الأسدي).

 

وهذا لا يعني أن السيّد حسن الذي تنكّب نظرية الملالي في جعل لبنان مجرّد ولايات فارسية، أنه يريد مع إيران ترسيخ «دولة» قوية، بإدارة «رجل دولة»، بل على العكس تماماً، أن يبقى مرشدها في لبنان «رجل ميليشيا»، «رجل سلطة»، «رجلاً خارجاً عن الأعراف، وإرادة الشعب».

 

التوتّر

 

لكن ما معنى عودة نصرالله إلى التوتر، والعدائية، ليهاجم، أو يستهزئ، أو يحتقر كل الزعامات الدينية والمدنية والسياسية، ويهدّدها، بلفظيّة فظّة، وبأصابع الوعيد، حتى كاد يذكّرنا بعصبية هتلر أو القذافي الخطابية: رَفَعَ السقوف إلى أقصاها حتى أسقطَ كل السقوف..

 

العُزلة

 

نظن أنّ هذه النبرة غير المعهودة من الزعماء ورجال الدولة (سوى الشعبويين الجدد والقدامى)، من أسبابها شعور السيد حسن بالعزلة الكبيرة في لبنان والعالم العربي، والعالم.. فرفع صوته وكأنما للتطهير!

 

إنها العزلة: نعم! كل شيء ينهدم حول السيّد حسن: هلالُه المذهبي انكسر عليه وعلى إيران، حروبه على العرب والسُّنّة، في سوريا، والعراق واليمن، خرج منها مع إيرانه «بأخفاف» حُنين. ولم يبقَ له سوى لبنان، لتستخدمه ولاية الفقيه ورقة تضغط بها على الغرب (أميركا)، وأوروبا.. خصوصاً بعدما تعاظمت أشكال العقوبات، والحصار، وكأنما بات نظام الملالي في مواجهة أخيرة مع شعبه.

 

بلا توقع

 

فجأة، أطلّ السيّد حسن، بلا توقّع (حتى من حلفائه) بأرنب من أكمامه: جمع شتات نواب خاضوا اللوائح على لائحته، أو انضمّوا إلى مجموعات نيابية وسمّاهم «النواب السُّنة» ثم أضاف إليهم «السّنة المستقلّين»، ثم «سُنّة الحزب» ثمّ «سنّة النظام السورية» وأراد العرقلة بعد ركون رئيسَي الجمهورية والحكومة، على وزارة جاهزة.. فكيف تكون جاهزة، وقد جاءته أوامر إيران بضرورة تعطيلها، وتعطيل الحياة السياسية وضرب الاقتصاد اللبناني.. والبرلمان ورئاسة الدولة بالذات. فإيران المعزولة تلجأ إلى آخر قلاعها «المعزولة» في معركة خاسرة.. بعد خسارتها الحرب. وإذا أردنا تحديد ملامح خطاب نصرالله ومسرحته بالصوت والأصابع، والتهديد فيمكن القول، إن هذا الزعيم:

 

1 – لا يحترم كلامه، وهو قادر على نكرانه في أيّ لحظة. وتاريخه يدلّ على ذلك.

 

2 – لا يحترم لا الدولة ولا الدستور، ما يعني أنّه يصّر على التعامل مع اللبنانيين كـ«رجل ميليشيا»، فوضوي، وشعبوي، وبفوقية مزعجة.

 

3 – لا يحترم شعبه لأنّه يسخر حتى من «إجماعه» إن أجمع على المطالبة بترك سلاحه.. أو على عدم انخراطه في الحرب السورية… إلخ.

 

4 – ما زال «عقله» تقسيمياً، وبأسوأ الأحوال «وحدويّاً» مع إيران!.. ليكمل استراتيجياتها.

 

5 – انفصاله عن المجتمع المدني، والديموقراطية، والسيادة، ولا الحرية ولا الدولة الواحدة. (دُويلة تختزل الدولة، وميليشيا تختزل الجيش، وحزب يختزل كل الشعب!).

 

6 – إنه خطاب «اللاإنتماء»، وكأنّ هذا الحزب قد فقَدَ هويّته اللبنانية والعربية، والقيم الحضارية، والتاريخ المشترك: بلا هويّة سوى هويّة مصطنعة، ولا تاريخ سوى تاريخ انتقامي مذهبي..

 

7 – إنه رجل الماضي الانعزالي لا الماضي المفتوح، رجل المنقلبات التاريخية الدموية والثأرية لا رجل المصالحة مع الآفاق المفتوحة والمستقبل.. وهذا ما جعله ينضم بكل أريحيّة، إلى حرب إيران ضد السُّنة استعادة لحروب الماضي، ومقاتلها ودمائها..

 

فخطاب نصرالله هذه المرّة، إعاده إلى مربّعاته الأولى، ومنطلقاته المرتهنة، وعزلته المتنامية..

 

الحريري

 

أمّا خطاب الرئيس المكلّف سعد الحريري، فقد جاء نقيضاً، في الشكل: النبرة الهادئة، البشاشة، ليوضح بعض الوقائع الأساسية التي مرّت في مراحل التأليف، بصدق ومنطق.

 

فها هو هادئ لكن في هدوئه من القوّة ما يجعله أساساً للحوار، ولتجذير العلاقات الديموقراطية والأعراف، وتأصيل ما بُني من الدولة (بعد خرابها)، واستعادة صور كبار رجال الدولة في لبنان، الذين صنعوا من هذا البلد الصغير واحة نموذجية للحرّية، والانفتاح والازدهار والتقدير حتى قيل ذات يوم «لبنان سويسرا الشرق»، أمثال رياض الصلح وبشارة الخوري وريمون ادّه، ألبير مخيبر، رشيد كرامي، كمال جنبلاط (اغتاله حافظ الأسد في وضح النهار)، وصائب سلام (هجّره أيضاً الأسد الأب)، تقي الدين الصلح، الياس سركيس ولا ننسى فؤاد شهاب وكميل شمعون.. فهؤلاء من صنّع لبنان الاستقلال، والدولة، والحياة السياسية، والبرلمانية، والدستورية.. وصولاً إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي يُعتبر من الذين حاولوا أن يستعيدوا لبنان الحضاري، التوحيدي العمراني، العربي.

 

بدا سعد الحريري وارثاً شرعيّاً لهؤلاء الكبار ليس فقط بكلمته الأخيرة، بل بتاريخه المستمدّ من مسار والده «عابر الطوائف»، و«الاستقلالي والسيادي»، والسياسي في مستوياته المطلوبة والضرورية. وهذا ما كان فحوى مؤتمره الصحافي، الذي لم يكن فقط رداً على عنجهية السيد نصرالله، وانفصاله عن واقعه، وتحريف الحقائق.. بل أيضاً، تأكيد على مسار جَسَّد فيه إرثه «من دون نظريات» أو أيديولوجيات لا مذهبية ولا علمانية، ولا سياسية، بل أفكار مغروفة من التاريخ والواقع الحي.

 

لبنان أولاً

 

وهنا بالذات يمكن تبيّن جوهر هذه العلامات، في شعار «لبنان أولاً»، بعدما بات لبنان في أسفل المراتب المذهبية: الوطن للطائفة وليس الطائفة للوطن. الدولة في خدمة المذهبيين وليس هؤلاء في خدمة الدولة. إنه الانقلاب «الأبيض» الشعبي، الذي أراد سعد الحريري التعبير عنه. انقلاب السلم الأهلي على الحروب الكانتونية، انقلاب الانفتاح العام على الانقلابات الخصوصية، انقلاب «الدولة» على «الدويلات»، والسيادة على سياسات الوصايات والاحتلالات المقنعة أو السافرة، انقلاب احترام الآخر وقبوله (ضمن الوطن وأبعد منه)، على نفي الآخر، وشيطنته، وتخوينه، أو قتله أو تنظيم تحركات عنفية ضدّه، لترويعه، وانقلاب على الخضوع «للخارج»، في ممارسات «سيادية» وإعلاء مصالح الناس، على مصالح القوى الطامعة بالهيمنة عليهم.. الانقلاب على المناحي الغريزيّة التي تدغدغ بعض الناس، إلى إرساء لغة العقل والمنطق.. والصمود في وجه طغيان السلاح والاستقواء به إلى مواجهة سلمية، شعبيّة، مدنيّة.. هي جزء من حوار اللبنانيين وتفاعلهم.

 

هذه هي منصّات «رجل الدولة» الحقيقي، لا الميليشيوي، ومشوّه الوقائع والحقائق..

 

هكذا بدا سعد الحريري في مراحل تأليف الحكومة، وهكذا تبلور بعد افتعال الحزب أزمة تعطيل جديدة.. مرتبطة أساساً بالخارج، وبإرادة إيرانية عبّرت عنها وكالة «فارس»: «موقف نصرالله ليس مرتبطاً بالسُّنة الستّة، بل بالمؤامرات التي تُحاك ضدّ إيران والعقوبات عليها، ليردّ من لبنان على أعداء إيران».

 

صحيح، أن بعض مؤيّدي الحريري انتظروا ردّاً «قاسياً»، لفظيّاً، وعنيفاً وإنشائيّاً وغضوباً مأخوذاً من أبجديات الأمين العام للحزب، لكن الحريري، وبعيداً عن التصنيف والتبويب، ردّ، كما يجب أن يردّ، على مَن كان ينتظر منه تصعيداً، ليُضاعف تصعيده..

 

قال الرئيس الحريري ما هو ضروري في منطقه ومصلحة الدولة، وصلاحياته الدستورية ورئيس الجمهورية، وقذف الطابة عالياً.. إلى ملعب الذين لا يجيدون سوى اللعب بالفتنة والنار.. والخراب.

 

أبرز الحريري بهدوئه وعقلانيّته وانفتاحه، سواد خطاب نصرالله، وعشوائيّته وميليشيويّته: هنا رجل دولة وهناك رجل ميليشيوي!

 

النبرة والحل

 

لكن المهم في خطاب الحريري، ليس فقط النبرة الموزونة واحترام الآخر والخصوم، وكشف ملابسات التأليف، بل أيضاً، تركه الباب ولو «نصف مفتوح» أي الباب الذي أغلقه نصرالله في وجه الجميع، وفي وجه معظم اللبنانيين.

 

السؤال: هل يمكن الاعتقاد بأنّ نصرالله بنبرته العاصفة، المُهدّدة، وبعد موقف الحريري المفتوح يمكن أن يُعدّل، فيضع حدّاً لهذه الفوضى، وما يُحكى عن اعتبارات خارجية ستطيل الأزمة عاماً وعامَين وعشراً.. حتى قيام الساعة أو بعد ألف عام؟

 

السؤال الآخر: هل رميه الطابة إلى ساحة النواب الستّة (من سنّة الحزب، وسوريا، وإيران) يمكن أن يكون «احتمالاً» لحل ما، بعد تحرّك الوزير جبران باسيل في اتجاهات عدّة لتقريب وجهات النظر، أم أنه مجرّد إغلاق الحوار.. والحل إلى ألف عام.. ولمَ لا، ألفَي عام؟

 

عندها، يكون كثيرون قد رأوا أن موقف نصرالله المتشدد.. سيمتد طويلاً.. حتى، ربّما، إلى حين انتهاء الأزمة بين إيران والولايات المتحدة… هذا إذا انتهت.