IMLebanon

بكركي تسقط مناورة “التغيير”

 

“لا حاجة لدعوة الى تغيير النظام، بل للتقيد به”. قالها البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي في عظة الأمس.

 

إذا لم يتنبه البعض إلى أن هذه العبارة هي رد مباشر على “وعظة” الأحد الماضي المشتتة الأفكار، التي استرسل بها رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، فإن تجاهل ذلك هو دفن للرأس في الرمال.

 

وعلى افتراض أنها ليست رداً على أي كان، وأن بكركي ليست في معرض سجال مع أحد، بل هي موقف مبدئي للكنيسة المارونية، فإن وقعها يكون أكثر مغزى. فالبطريركية المارونية تنادي منذ سنوات بتطبيق اتفاق الطائف الذي أُهمِلت بنود مهمة منه، سواء إبان الوصاية السورية أو في حقبة هيمنة “حزب الله” على القرار السياسي عن طريق حليفه “التيار الحر”، وعبر سلاحه الذي ترى بكركي وجوب التزام الطائف بتسليم الميليشيات سلاحها للدولة اللبنانية، لا سيما بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب العام 2000.

 

الداعون لتغيير النظام يقرون مع بكركي وسائر الفرقاء بأولوية تأليف الحكومة، بمن فيهم “التيار الحر”، لكن حاجة الأخير إلى اختيار “من يَتمتع فقط بالولاءِ للحزبِ”، المرفوض من الراعي، دفعت باسيل إلى ركوب وهم استنهاض المشاعر المسيحية إلى جانبه، تحت شعار الدفاع عن حق الموقع المسيحي الأول في التركيبة الحاكمة بتسمية الوزراء المسيحيين من دون شراكة رئيس الحكومة السني. وللتحايل على معيار اختيار الوزراء وفق صفة “المستقلين غير الحزبيين” لترجيح من يضمن ولاءهم، يجري اختراع مبدأ “وحدة المعايير” من الفريق الرئاسي. لكنه يعود فيخرقه عبر تصور عون الذي سلمه للحريري مستثنياً وزارة المال من المداورة لمصلحة إبقائها لوزير شيعي.

 

الالتفاف على مبدأ “الاختصاصيين” وممارسة لعبة التعبئة الطائفية يشملان ملهاة تعديل الدستور وتغيير النظام عبر مؤتمر حوار وطني، مرادف فكرة المؤتمر التأسيسي، لإسباغ المحاصصة الصغيرة بمطلب أكبر شأناً.

 

تمرين بسيط أجراه بعض الديبلوماسيين المهتمين باستكشاف سبل حلحلة الأزمة أفضى إلى قناعة بأن كل هذه الاقتراحات ليست إلا وسيلة لإغراق عملية تعطيل الحكومة بالتصريحات والمواقف التي تتخطى الحكومة إلى ما يفوقها أهمية. عملية حسابية بسيطة حول تعديل الدستور لفرض مهلة للرئيس المكلف كي يؤلف، يعتذر بعدها إذا لم ينجز تشكيلته، مقابل مهلة لرئيس الجمهورية كي يدعو إلى استشارات التأليف، تفضي إلى أن لا أكثرية الثلثين في البرلمان، يوجبها الدستور. فلا كتلة “المستقبل” (18 نائباً) وكتلة “التنمية والتحرير” برئاسة الرئيس نبيه بري (17) وكتلة “القوات اللبنانية” (15) و”اللقاء الديموقراطي” (7 ) وكتلة “الوسط المستقل” برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي (4) ولا “التكتل الوطني” (5) مع المستقلين، الذين يمثلون أكثر من نصف البرلمان، يؤيدون اقتراح باسيل. أما فكرة المؤتمر التأسيسي لتغيير النظام واتفاق الطائف سواء لاستعادة بعض صلاحيات الرئاسة، أو لأجل مكتسبات تتردد بين الفينة والأخرى للطائفة الشيعية، مقابل إلحاق سلاح الحزب بالشرعية وفق الاستراتيجية الدفاعية، فإنها لا بد أن تتم في جزء منها على حساب المسيحيين، إذا صح أنها مطلوبة. وهو ما لا طاقة لـ”التيار الحر” على قبوله أو تغطيته مهما جنح نحو “تحالف الأقليات”، بينما يدعو الفاتيكان إلى صون المسيحيين علاقتهم بالمسلمين في المنطقة وبالتالي السنة، حفظاً لوجودهم…

 

النتيجة: تغطية السماوات بالقبوات لا تخدم من يعتمدها، سواء على صعيد التعبئة الطائفية، أو في فرض وزراء على أساس الولاء.