IMLebanon

بين بكركي والمُمانعين.. أي نظام للبنان؟

 

وسط سيل من المواقف والتأييد والمعارضة لما جاء في حدث بكركي السبت الماضي الذي خرج معه البطريرك الماروني بشارة الراعي ليفتتح مرحلة جديدة من النضال ضد قوى الأمر الواقع وعلى رأسها «حزب الله»، حسب مؤيديه، وليعمق الأزمة متعددة الأوجه كما يقول خصومه الذين يذهب بعضهم الى حد تخوين الخطاب، تبدو البلاد في ورطة عميقة ناتجة عن أزمة حكم مستفحلة.

 

سيكون من السهل على كل من الرأيين الدفاع عن وجهة نظره، بينما يبدو من المؤسف ان يغيب تأثير وجهة النظر الوسطية والتي لا تميل في اتجاه المنحى الطائفي الذي تذهب إليه المواقف المتطرفة بين مؤيدي الراعي ومخاصميه، مهما قيل عكس ذلك.

 

من ناحية حلفاء بكركي، ثمة إنجاز كبير تحقق بمجرد قيام الحدث برغم أنه لم يأت بالحشد الشعبي الكبير، لكنه يمثل نقطة تحول يشبّهها البعض يدعوة سلف الراعي، البطريرك نصر الله صفير في العام 2000، والذي يقول هؤلاء إنه أسس لمعارضة تنامت وتآزر معها الدعم الدولي لإخراج الجيش السوري من لبنان.

 

هو إذاً النضال نفسه مع الإقرار بأن الأمور ستتخذ زمنا طويلا للتجلي المأمول باعتراف أكثر وجهات النظر تطرفاً ضد «حزب الله». وحلفاء بكركي هنا يعولون على الخارج والارادة الدولية، ولما لا التدخل متعدد الأوجه، «لإنقاذ لبنان مما هو فيه». هم يرون في ظاهرة «حزب الله» المشكلة الاولى امام لبنان وهم بذلك يربطون قضيتي السيادة بتقدم الكيان والدولة.

 

الربط في دعوة الراعي يحضر هنا وهو يكامل بين وثيقة الوفاق الوطني والدستور وقرارات الشرعية الدولية، أي الدفاع عن الدستور وحماية الجمهورية معاً عبر «نصوص مرجعية تطلق منصة وطنية لخلاص لبنان».

 

يستدعي ذلك أسئلة كثيرة وهامة برسم الراعي وحلفائه وتتعلق بترقبهم لموقف «حزب الله» وما اذا كانت تلك الدعوة الى المؤتمر الدولي ستحصل في ظل فيتو يضعه الحزب ومن وراءه، اضافة الى سؤال هل سيستجيب الخارج في الاصل لتلك الدعوة؟

 

ورغم ما يقال عن تقارب ما يُعمل عليه بين بكركي والحزب أقله لكسر الجفاء، تشير وجهة النظر المقابلة للكنيسة ولبيئة القريبة منها وخاصة حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، الى ان خطاب الراعي الذي أدان «الانقلاب» في البلد، هو مشروع انقلابي بالمعنى المعاكس. وذلك لكونه الخطاب المتازم الجلّاب للمشاكل الداخلية وحتى الأزمات التي قد تستحضر توترات وحروبا كما في بعض مراحل التاريخ اللبناني.

 

إنه في واقع الحال الإنقلاب على الدستور ووثيقة الوفاق الوطني ودعوة مجانية الى الخارج للوصاية من جديد على لبنان ولو تمت تحت عنوان «المؤتمر الدولي» غير الواضح والمثير لعلامات الاستفهام.

 

لدى الممانعين لدعوة بكركي، وإن لم يصرحوا علناً بوجهة نظرهم، تحذيرات من محاولة اعادة الغرب الذي خرج من باب المواجهة العسكرية في الثمانينيات من القرن الماضي، من نافذة المظلومية. حتى ان الممانعين يرون ان التوازنات التي استقر عليها لبنان وهو في صلب نظام اقليمي متغير وعالم دولي على رأسه ادارة اميركية جديدة، من شأن المساس بها ان يؤدي الى نزاع داخلي قد يتخذ أوجهاً مدمرة.

 

وتحضر هنا مخاوف من ان يأتي أي حل على حساب المطالبين بالتغيير، خاصة في البيئة المسيحية، وهم يذكرون بما حدث منذ قيام الحرب الاهلية وصولا الى خاتمتها في العام 1990، في ظل موازين قوى ليست لصالحهم ديموغرافيا وسياسيا وعسكريا.

 

الطائف و17 تشرين

 

وفي المشهد الجامع بين مُصلحين سياسيين ومُنتفضين في الساحات، يتساءل البعض حول جديّة تغيير النظام الذي اوقع لبنان في مآسيه الكبرى. ذلك ان الدعوة جاءت لإصلاح من الداخل من دون الثورة عليه الذي تطالب به شرائح واسعة من اللبنانيين كفرت بالحكم واحزابه. هو اذا تكريس لتركيبة الحكم ولو جاء في اطار الدعوة الى التمسك بإتفاق الطائف.

 

والواقع أن شرائح شعبية كبيرة لا تزال تطالب منذ 17 تشرين الاول من العام 2019، بتبديل جذري في النظام وأهله، وهي ثارت على جميع أركان الحكم من سياسيين ورجال دين. وعلى الرغم من سوء بنية النظام وثغرات اتفاق الطائف الذي اوقع لبنان في مراوحة مؤذية ليس عقم التشكيل الحكومي سوى المثال البسيط عليها، تكمن في الطائف نفسه التسوية المطلوبة. ذلك ان تغيير النظام في بلد منقسم الى هذا الحد يخوض حروبا اهلية بالنار حينا وبالمخفي احيانا اخرى، قد لا يتم بالكلمة والحوار، بل بالصراع المشتعل الذي يستحضر التاريخ المأساوي غير البعيد.

 

والحال ان هذا يكمن في الطائف نفسه ما يمكن ان يؤجل أقله صراعات الدم الماضية بين اللبنانيين في أسوأ الاحوال، او ان يقدم بادرة حل في أحسنها، عبر لفظ الطائفية السياسية خارجا والسير بعدها نحو دولة مدنية لن تأتي حكما عبر رجال الدين.

 

من دون ذلك، ستبقى نار الصراعات الطائفية والمذهبية وستستمر المنظومة السياسية والاقتصادية والمالية في التحكم برقاب اللبنانيين.. وقد تقودهم ربما الى صراعات دموية جديدة.