IMLebanon

قانون لتجهيل الفاعل

 

 

لا تعدّ ولا تحصى مشاريع ومسودات قانون «الكابيتال كونترول» المطروحة من قبل السلطة. غالبيتها تكون طارئة ومستعجلة ولا تحتمل التأخير، وتقدّم على أنها التشريع الوحيد الذي لا بد منه لحماية حقوق المودعين. رغم ذلك لم يمرّ أيّ منها في السابق، وربما لن يكون آخرها ذاك المشروع الذي ناقشته البارحة (30 آب 2022) اللجان النيابية المشتركة تحت قبة البرلمان. المضحك المبكي هنا هو أن يعاد مشروع القانون إلى الواجهة من جديد، بعد عامين من الإنهيار، وبعدما «ضرب من ضرب وهرب من هرب»، وخروج ما يُعادل الـ 9,5 مليارات دولار من لبنان في الفترة الممتدة ما بين تشرين الثاني 2019 وتشرين الثاني 2021 (موديز كانون الأول 2021)، وبعدما «ذاب» إحتياطي مصرف لبنان نتيجة ما يسمى سياسات الدعم. فهل من يتذكر أن عشية الأزمة كان إحتياطي مصرف لبنان يفوق الـ34 مليار دولار، بينما لا يتعدى اليوم الـ10 مليارات دولار.

 

فلو كانت السلطة- وبكل مكوناتها الأساسية التي لم تتغير وما زالت حتى الساعة ممسكة بمفاصل القرار- حريصة على أموال المودعين كما تدعي، لكانت أوقفت النزيف منذ بدايته، وذلك قبل أن يتمكن أصحاب النفوذ من إخراج مبالغ طائلة وبشكل إستنسابي من المصارف اللبنانية، بينما أموال صغار المودعين محتجزة؛ وقبل أن تنتقل الثروات من إحتياطي مصرف لبنان، أي عملياً من أموال المودعين، إلى جيوب المهربين والكارتيلات المستفيدين الأولين من سياسات الدعم.

 

ولكن لماذا الإصرار على تمرير القانون اليوم؟ هل المطلوب اليوم تشريع كل ما سبق من تحويلات إستنسابية إلى الخارج، وقيود فرضت على الودائع في الداخل، وبالتالي تشريع ليلرة هذه الأخيرة على قاعدة تعاميم فرضت أسعار صرف على القطعة؟ هل المطلوب إذن تشريع الإستنساب وتكريس قاعدة عفّا الله عما مضى، خاصة أن الملاحقات القضائية للمصارف تتوالى في الداخل والخارج، والأحكام التي تصدر تأتي معظمها لصالح المودعين؟

 

هناك من يقول قانون «الكابيتال كونترول» هو من الشروط المطلوبة من قبل صندوق النقد. أما الحقيقة هي أنه لم تتم الإشارة إليه في الإتفاق الإطار الموقع بينه وبين الحكومة اللبنانية (نيسان 2022) سوى بشكل ثانوي تحت عنوان ضرورة توحيد سعر الصرف، وهو الإصلاح الأساس الذي يطالب به صندوق النقد كخطوة ضرورية وشرط أساسي لإصلاح السياسة النقدية ووضع حد للهدر والمضاربات.

 

ويبقى السؤال الأهم، والذي لا بد من طرحه قبل أي تشريع، ألا وهو من يطرحه ومن يقره ولأي غاية؟ وهل تؤتمن الطبقة السياسية نفسها المسؤولة عن إنهيار البلد وإغراقه في الفساد على إقرار الإصلاحات؟

 

بالإضافة إلى القطب المخفية تلك، إنّ تقنين حركة الرساميل في الوقت الراهن ومن قبل سلطة أقل ما يقال فيها انها فاقدة للمشروعية، سوف تؤدي حتماً إلى ضرب ما تبقى من إنتاج في لحظة بالغة الدقة يحتاج فيها لبنان إلى اي دولار فريش يأتيه من الخارج. فأولى تداعيات قانون من هذا النوع هو تقلص الصادرات نتيجة القيود المفروضة، وتقلص العائدات بالإضافة إلى إمكانية نفخ فواتير الإستيراد كمحاولة للإلتفاف على القيود المفروضة، وتنامي الإقتصاد الأسود، طبعاً لمصلحة المهربين ومن يحميهم.