في الذكرى المئوية الأولى لولادة الدستور اللبناني، يقف اللبنانيّون أمام مفارقة قاسية: دولةٌ دخلت قرنها الدستوري الثاني فيما لا تزال مهدَّدة في وجودها ووحدتها واستقرارها، من خلال دولة رديفة، نتيجة توريطها مجدّداً في حروب يرفضها معظم أبنائها، ويخشون أن تتحوَّل إلى قدر دائم يبتلع الدولة والمجتمع.
لكنّ الأخطر من الأزمة نفسها، هو ما يرافقها من فوضى في طروحات مثقفين. مَن يسمع النقاش اللبناني هذه الأيام، يخال نفسه أمام «سوق عكاظ» سياسي ودستوري مفتوح على كل الاحتمالات: هذا يتحدّث عن أزمة نظام، وذاك يطالب بتعديل الدستور، وثالث يطرح الفيدرالية وكأنّها العصا السحرية، ورابع يرفع شعار اللامركزية باعتبارها العلاج النهائي والشافي، فيما يذهب آخرون إلى تحميل «الطائفية» وحدها مسؤولية جميع الكوارث، وكأنّها «سلّة مهملات» تُرمى فيها كل الأوساخ والنفايات والعجز السياسي والتاريخي.
1. نهاية «العصفورية الدستورية»؟
منذ عقود، عَمَد غسان تويني إلى توصيف لبنان بأنّه يعيش في «عصفورية دستورية». المفارقة أنّ هذا التوصيف يبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى، في ظل تعدُّد القراءات والتفسيرات والمشاريع المتناقضة التي تتعامل مع الدستور لا كنص ناظم للحياة الوطنية وثوابت يتحتّم احترامها، بل كحقل تجارب مفتوح على المصالح والهواجس والرهانات الخارجية ومساعي الاستقواء والتسلط.
إنّ أخطر ما في هذه الفوضى أنّها تتحوَّل تدريجياً إلى منصة للإجهاز على لبنان، تحت عناوين إصلاحية برّاقة. عدد من المشاريع المطروحة لا يهدف فعلياً إلى استعادة الدولة، بل إلى الهيمنة السياسية، أو الحصول على «جوائز ترضية» تحت ضغط السلاح وفائض القوّة والتحوُّلات الإقليمية.
يوفّر التاريخ اللبناني درساً واضحاً لِمَن يريد أن يتّعظ: كل محاولة لإلغاء الآخرين أو كسر التوازنات بالقوّة لم تنتج نظاماً جديداً، بل قادت إلى حروب داخلية، انتهى بعدها اللبنانيّون دائماً إلى العودة إلى الدستور، مع تعديلات طفيفة على التنظيمات القائمة، لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الدماء والخسائر والمعاناة التي دفعتها البلاد. وكأنّ البعض يصرّ على إعادة إنتاج آلية التكرار نفسها، من دون أن يتعلّم شيئاً من تجارب الماضي وعبره. صحيح أنّ الدستور اللبناني تعرَّض منذ نشأته لانتقادات، كما الكيان اللبناني نفسه، وكان يُؤخذ عليه قديماً أنّ مَن وضعوه كانوا من المسيحيِّين، لكنّ النظرة الموضوعية إلى تطوُّر التجربة اللبنانية تكشف أنّ جميع الطوائف ساهمت في لبننة الكيان.
مَن يطالع محاضر الاجتماعات في المرحلة التأسيسية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في زمن الإمام موسى الصدر والرئيس حسين الحسيني، يخال أنّ ديباجة الدستور التي أُدخلت بفعل ميثاق الطائف هي إنتاج شيعي أصيل بكل ما تحمله من مفاهيم العيش معاً والشرعية والانتماء العربي للبنان، واعتباره وطناً نهائياً لجميع أبنائه ورفض التقسيم والتوطين… وقد ترد في المحاضر المذكورة إمّا بالتعابير نفسها أو بما هو كثير الشبه بها.
ولا يمكن تجاهل أنّ الطائفة السنّية مرَّت بدورها في «المطهر اللبناني»، وأسهمت مساهمات حاسمة في ترسيخ لبننة الخيارات التأسيسية، خصوصاً مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما بعد استشهاده، إذ دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن الدولة، من دون أن ننسى تضحيات الزعماء الآخرين للطائفة. أمّا الدروز، فلا مشكلة لهم مع الدستور والنظام، لاسيما بفضل حكمة زعمائهم وخبرتهم العريقة منذ ما قبل أيام حكم الإمارة.
من المؤسف أن يخرج البعض على هذه الثوابت الدستورية، عبر أيديولوجيات ذات امتدادات إقليمية وخارجية، تقوم على مقايضة السلاح بزيادة الحصص والنفوذ، بهدف الهيمنة. كل ذلك تحت شعار «التضحيات الوطنية»، مع أنّ الحقيقة أنّ جميع اللبنانيّين، ومن مختلف الطوائف، قدّموا التضحيات دفاعاً عن الوطن، وليس فريقاً من دون آخر. والأطراف الخارجية التي تورَّطت في المستنقع اللبناني انتهى دورها بالغرق في الرمال الداخلية المتحرِّكة. وبشيء من فعل ندامة، كتب الإسرائيليّون ترسانة كتب عن كلفة إجتياحاتهم المتكرّرة للبنان، والفلسطينيّون نشروا مؤلّفات عن تدخّلهم في شؤون لبنان الداخلية، ونظام الأسد يمنِّن بتضحياته في لبنان. فهل يوفّر اللبنانيّون للغير بعد اليوم، ولأنفسهم أيضاً، الكلفة والتضحية؟
2. «الأبواب الموصدة»
تبدو كلمات الرئيس حسين الحسيني في افتتاح مؤتمر الطائف وكأنّها كُتبت للبنان اليوم (30/9/1989). كرَّر سبع مرّات عبارة «الطريق المسدود»، محذّراً اللبنانيين من الانزلاق نحو الخيارات الانتحارية وإعادة فتح الأبواب المغلقة. قال للنواب المجتمعين: «إنّ خبرتكم ستُجنِّبكم سلوك الطرق المسدودة… فمن الطرق المسدودة أن نتصوَّر أنّ فئة، مهما يكبر عددها أو يشتد ساعدها، قد تنجح في فرض رأيها وتطلّباتها على الفئات الأخرى… ومن الطرق المسدودة أن نتوهّم أنّ الحل قد يكون حلاً إذا انطوى على إبعاد أي فئة…» (النص الكامل في كتاب الدكتور أنطوان مسرّة: جذور وثيقة الوفاق الوطني-الطائف، 22/10/1989 و5/11/1989 والتعديل الدستوري 21/9/1990: الوثائق الأساسية المتعلقة بالتعديل الدستوري في لبنان، منشورات المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة «وثائق»، المكتبة الشرقية، طبعة رابعة مضافة، 2015) تختصر هذه الكلمات جوهر التجربة اللبنانية: لا إمكانية لبناء وطن عبر الإلغاء أو الاستقواء أو الفرض.
من المفيد هنا استحضار مثال بسيط من الحياة الجامعية. ففي قاعات التدريس، يفرض النظام إقفال الأبواب بعد بدء المحاضرة، منعاً لتحوُّل الصف إلى ساحة فوضى. وإذا تحوَّلت القاعة إلى فوضى خلافاً للقواعد، فالمشكلة ليست في النظام نفسه، بل في التراخي في تطبيقه واحترامه. كذلك هو حال لبنان. الممارسة هي التي تخرّب النظام أو ترسّخه. المشكلة في مدى الالتزام. وما الجدوى من تعديل دستوري إذا استمرّت الممارسة إياها؟ ومَن يضمن التغيير؟
بعد مئة عام على الدستور، لا يحتاج لبنان إلى مغامرات تأسيسية جديدة تحت عناوين برّاقة، بل إلى استعادة الدولة، وإلى الخروج من الرهانات الخارجية والهيمنة. الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالتوازن، ولا تستمر بالقوّة، بل بالشراكة وإحترام المواثيق Pacta sunt servanda حسب المبدأ الروماني.