IMLebanon

أطفال أمُّهم الحاجة وأبوهم الطيش… ما عاد للعِلم مطرح؟

يقف على رؤوس أصابع قدميه أمام المغسلة، محاولاً فركَ يديه بقطعة قماش مُبلّلة بالبنزين، علّه يُخفّف عنهما رواسبَ شحوم دواليب السيارات بعد يوم شاقّ طويل. ولم يَكد يغلِق سامي الحنفية وهو يَحلم باقتراب موعد «الفوتبول»، حتى باغَته والد أحد أبناء الحيّ، قائلاً: «ليك يا صبي، انفَخت معي الدولاب ومستعجل بدّي وصِّل إبني ع الكونسرفتوار، شوف شو بتعمل». بلمح البَرق اسوَدّت الدنيا في عينَي سامي، وكأحجار الدومينو تهاوَت أحلامه، مُتمتماً: «ماذا ينقصني لأكونَ أنا تلميذاً أيضاً؟».

سامي، واحد من الأولاد الذين ابتلعَ أحلامهم سوقُ العمل لظروف مادّية، أمّا سعيد فيعترف بأنّ «الطيشنة» دفعَته لترك المدرسة مقابل 20 دولاراً إيجار حفّ سيارات في الأسبوع.

فرغم أنّ إلزامية التعليم ومجانيته تعود إلى المرسوم الاشتراعي 134 عام 1959، والمعدّل بمرسوم قانون 150، عام 2011، حيث بات يَشمل المراحلَ التعليمية كافّة حتى الشهادة المتوسطة. إلّا أنّ شبحَ التسرّب المدرسي لا يزال يترصّد تلاميذ لبنان في المناطق الشعبية، أوّلاً حيث تفيض المغريات ويَسهل الانحراف.

وفي المناطق النائية ثانياً حيث تضعف الحلول حيال أيّ مطبّ تعليميّ فيكون الخيار الأقرب: «مِش طالِع مِن أمرو عِلم، حَمّلو مصلحة»، مثلما حصَل مع جنين، التي بدأت قدرتُها الإستيعابية تتراجَع بعمر تسع سنوات، بعدما تَقصَّد إبن جيرانها التحرّشَ بها جنسياً ومداعبة أماكن حساسة في جسدها بدأت ترتسم… فالتحقَت بفرن والدتها تلفّ لها المناقيش.

في جولةٍ لـ«الجمهورية» على عيّنة من الأحياء التي تضمّ تجمّعات محلّات صناعية وأخرى تجارية مخصّصة لبيع الألبسة، المفروشات… يتبيّن أنّ تبديلاً استجدّ في ظاهرة التحاق الأولاد بسوق العمل، وللتسرّبِ المدرسي حكاياتٌ من نوع آخر على ألسِنة تلامذة سوريين.

50 دولاراً

لطالما كان وجدي من بلدة عفرين السورية، تلميذاً مشاغباً، يفتعل ضروب الاحتيال ليتهرّب من حصّة الرياضيات، غيرَ آبهٍ لِما قد تحمله له من جديد. إلّا أنّ الضرب الوحيد الذي لم يحسب له حساباً، إندلاعُ الحرب في سوريا واضطرارُه للعمل في لبنان.

فيروي لـ«الجمهورية»: «أتينا منذ 3 سنوات إلى لبنان، وسط ظروف قاهرة أعجزُ عن استيعابها حتى الآن، ونظراً لوضعنا المعيشي المتردّي، كانت أولويتنا البحث عن خيمة تأوينا ورغيف خبز نسدّ به جوعَنا، فتنقّلنا إلى أنْ استقرّت بنا الحال في محيط منطقة الدورة».

ويضيف: «كان من البديهي مساعدة أبي الذي توافرَت له عربة يبيع عليها الموز، فكنتُ أتنقل معه بين الأحياء». وفجأة يلوذ وجدي بالصمت محاولاً التغلّبَ على روح الخيبة التي تعتصر كيانه، ويتابع بصعوبة: «راقت لي الفكرة بدايةً، ولكن لا يمكنني تجاهل لحظات الخجل الأولى التي اعترَتني وأنا خلف العربة، إلى أن جاءَ الخلاص». كيف؟ فيُجيب: «تحنّنَ عليّ معلّم سيمون صاحب محلّ لتلحيم «الاشكمانات»، فطرح على أبي، ونحن نقف نسنِد عامود الكهرباء، لو أساعده في المحلّ.

راقت لأبي الفكرة، خصوصاً أنّ «البَسطة المتنقلة»، محدودة الأرباح». رأى وجدي بـ»المعلم سيمون» خلاصاً لمشكلة الخجل، لا سيّماً وأنّ فكرة الـ 50 دولار كراتبٍ أسبوعي أغرَته. كان ابن الـ 13 عاماً يبدأ عمله عند الثامنة صباحاً حتى 6 مساء، مع استراحة غذاء نصف ساعة. أمّا عن راتبه، فهو كان يحتفظ بثلاثين ألف ليرة بين مأكل وملبس وحاجات خاصة، ويعطي البقيّة لوالدته. أمّا أمنيته الوحيدة، فيقول: «أكيد العِلم أحلى».

حجم التسرّب

عدد الأولاد الذين يبلغون سنّ الالتحاق بالمدارس سنوياً، وفقَ قانون إلزاميّة التعلّم، 5 آلاف طفل تقريباً، موزّعين على جميع الأراضي اللبنانية، وذلك بحسب دراسة صادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء عام 2014، و 2 إلى 3% فقط يبقون خارجَ المدارس.

إلّا أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في الذين تجاوزوا عمر ثماني سنوات. في هذا الإطار يوضح رئيس التعليم الأساسي جورج حداد لـ»الجمهورية»، «أنّ نحو 7 آلاف تلميذ لم يكمِلوا تسعَ سنوات تسرّبوا بعد سنتين من التعلّم، ونحو 10 آلاف تلميذ أعمارُهم بين 9 و12 تابَعوا أربع سنوات من التعليم وانفصَلوا عن الدراسة،

و نحو 9 آلاف أعمارُهم بين 12 و14 سنة تعلّموا خمس سنوات قبل أن يتوجّه معظمُهم إلى سوق العمل».

لذا يَعتبر حداد أنّ التحدّي كبير في تأمين مقعد دراسيّ للتلامذة اللبنانين، فكيف بالحري بالنسبة إلى الأجانب منهم؟ ويتابع حداد: «بقدر حجم التحدّي تسعى الوزارة جاهدةً في مواجهة الصعوبات».

موضحاً: «باكراً تلقّفنا مشكلة التسرّب وما قد ينتج عنها من آفات اجتماعية ومشكلات مستقبلية، لذا حرصَت الوزارة على تطبيق إلزامية التعليم ومجانيته، حتى إنّنا حرصنا بموجب قانون 211/2011 الخاص بمشروع الكتاب المدرسي، على توزيعَ الكتب لمختلف المراحل والحلقات التعليمية ما قبل الثانوية مجاناً، بالتالي لم يعُد من عائق أمام الأهالي لعدمِ إرسال أولادهم إلى المدرسة، ولكنْ يكفي منهم مجهود بسيط أو قناعة بأهمية التعلّم، بصرف النظر عن أيّ كسبٍ مادّي يسعون إليه».

أمّا بالنسبة إلى الطلّاب الأجانب، وتحديداً السوريين منهم، فيلفت حداد إلى المساعي الدؤوبة للوزارة في تأمين ما أمكنَ مِن مقاعد دراسية، فقال: «في لبنان نحو 450 ألف تلميذ نازح، نظراً إلى قدرة مدارسنا الإستعابية المحدودة قبل الظهر، إستحدَثنا دوامَ بعد الظهر خاصاً بالطلّاب الأجانب، فحيث يتوافر نحو 300 تلميذ نَفتح مدرسة ولو بإدارةٍ مستقلّة بعد الظهر، حتى الآن تمكّنا من استيعاب نحو 200 ألف تلميذ يبقى قرابة النصف أو أكثر بقليل خارجَ المدارس، على أمل أن نتمكّن من تحسين أوضاعهم العام المقبل، في حال لم تتسهّل عودتُهم».

في هذا الإطار يَلفت حداد إلى مسؤولية الأهل ملاقاة مساعي وزارة التربية، متوقّفاً عند جملة من المشكلات المتكرّرة، قائلاً، بعض الأهالي يفتقرون إلى الوعي، فيفضّلون مراراً إخراجَ ابنهم من المدرسة الفلانية لأقلّ سوء تفاهم مع الأستاذ، علماً أنّ الوزارة دائماً على استعداد لإجتراح الحلول، وأحيانا نقل تلميذ من مدرسة إلى أخرى منعاً لتسرّبه وإنحرافه»، مؤكّداً «أنّ حملة التحديث التي أطلقها الوزير الياس بوصعب مواكبة للمناهج ستلحَظ تطويراً في آليّة التدريس والتعلّم، على نحو تصبح أكثر تفاعليةً وتشويقاً للتلميذ».

الدعم المدرسي… «ممكن»

وفي موازاة ذلك، حِرصاً على مكافحة التسرّب المدرسي، وتوفير ما يلزم للتلميذ ليبقى ملتحقاً بصفِّه، بصرفِ النظر عن المطبّات التي قد تعتري طريقَه، حرصَت وزارة التربية على التعاون مع عدد من جمعيات المجتمع المدني التي تؤمّن الدعم المدرسي للتلاميذ بعد الدوام الفعلي للمدرسة.

ومِن بين هذه الجمعيات، «ممكن»، التي أبصرَت النور عام 2010. في هذا الإطار، توضح المسؤولة غادة فغالي عن واقع لمسَته نتيجة دراسات قامت بها الجمعية، فتقول: «بعد البحثِ والتقصّي، تبيّنَ لنا أنّ 50 في المئة من تلامذة المدارس الرسمية يتسرّبون في مرحلة الشهادة المتوسطة وينحرفون، إمّا لرسوبهم في الامتحانات الرسمية، أو لعدم رغبتهم في الخضوع لدورة ثانية، يتسرّبون باكراً إلى سوق العمل، وبما أن لا شهادة بين يديهم تخوّلهم المضيَّ قدُماً في التعليم المهني، نراهم يتحوّلون إلى الشارع، حيث المافيات والمخاطر».

وتضيف: «وبَعد الفارق الذي لاحظناه بين نتائج المدارس الخاصة وتدنّي نتائج المدارس الرسمية، وبما أنّ وزارة التربية في تحديثها للبرامج أعطَت مجالاً للدعم المدرسي، إلّا أنّها لم تتمكّن مِن تأمينه، نظراً إلى كلفته، أخَذنا موافقتَها للدخول إلى عدد من المدارس، لنقدّم الدعم الخاص للتلاميذ». وتضيف: «يومياً بعد انتهاء الدوام نلتقي بهم في صفوفهم نحو 90 دقيقة يومياً، ندرس معاً ونمدّهم بالمهارات التي تساعدهم على مواصلة مرحلتِهم التعليمية».

صحيح أنّ تركيز الجمعية بدأ مع تلامذة الشهادة المتوسطة، ولكن حديثاً وسعَت موجة تعاونِها مع تلاميذ الثامن أساسي. وهنا لا بدّ مِن الإشارة إلى أنّ فكرة تقديم الدعم بدأت مع 8 متطوّعين من طلّاب جامعات، والآن تجاوَز عددهم مئة وثلاثين متطوّعاً، ليقدّموا الدعم لنحو 12 مدرسة منتشرة على كامل الأراضي اللبنانية.

168 مليون طفل عامل

تشدّد غادة على أهمّية تحفيز التلميذ، بصرفِ النظر عن جنسيته أو مستواه الثقافي، لذا تجد أنّ «مجالات العمل كبيرة في الحقل التربوي، إنّما المبادرات خجولة أو لا تلحظ الاحتياجات الراهنة، لذا أبدت كامل استعدادها لاستقبال متطوّعين، وفي الوقت عينه تدريب جمعيات للدخول إلى المدارس وتقديم الدعم اللازم للتلامذة، والتنافس لمنع تسرّبهم».

في المحصّلة، لا بدّ من التذكير بأنّ الطفل هو «كلّ من لم يتجاوز الثامنة عشرة»، بحسب المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (عام 1989).

وعشيّة عيد الطفل وعلى مسافة مرمى وردة من عيد الأم، يصعب تجاهل «التقرير العالمي لعمل الأطفال 2015»، فوفقَ تقديرات منظمة العمل الدولية، يبلغ عدد الأطفال العاملين في العالم 168 مليون طفل، و120 مليون منهم تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاماً. حيال هذا الواقع المأسوي أما حانَ الوقت لتتحرّك حكومات العالم رأفةً بأطفال اليوم رجال الغد؟ «بحرب الكبار شو ذنب الطفولة…؟»