IMLebanon

هجَروا الشوف قسراً… فأضحوا أقلّية في ديارهم

قلائلُ منهم عادوا بعد التهجير ليبنوا بيوتاً لم يسكنوها، بيوتاً تبقى رابطاً ولو رمزياً مع هويتهم فقط. مسيحيّو الشوف ترَكوا بلداتهم من دون رجعة، فيما اقتصرت عودة البعض الآخر على عطلة نهاية الأسبوع والأعياد، في وقتٍ يسكن أبناء الطوائف الأخرى من دروز وسُنّة طيلة أيام السَنة في بلداتهم.

يَجزم مسيحيّو الشوف أنّ التهجير أثناء الحرب ساهمَ في إبعادهم عن العودة، فهُم أسّسوا حياتهم في مناطق أخرى، ويومَ عادوا غابت الطمأنينة عن يومياتهم. فلا دوران في العجَلة الاقتصادية، ممّا يُضعف احتمال حصول الشباب على فرَص عمل بعدما ارتادوا الجامعات وتخصّصوا في مجالات تغيب عن الجبل، فضلاً عن أنّ قطاع الزراعة ضعيف جداً، ناهيك عن غياب الدولة الكلّي.

15 عاماً مرّت على مصالحة الجبل التي قادها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط، وعلى رغم حصولها إلّا أنّ الجراح لم تندمل إلّا ظاهرياً، فالجبل ما زال متعطّشاً للنفَس المسيحي الذي تعدّدت أسباب رحيله، ما بين ظروف اقتصادية وأخرى طائفية وأخيراً سياسية.

مأساة الدامور مستمرّة

من البلدات التي عانت الأمرَّين خلال الحرب اللبنانية، بلدة الدامور التي تعرّضَت لمجزرة في 21 كانون الثاني 1976، وتُعتبَر من أكبر البلدات في الشوف، حيث تبلغ مساحتها نحو سبعة ملايين متر مربّع، ويبلغ عـدد سكّانها نحو 25 ألف نسمة معظمُهم من المسيحيين، إلّا أنّ المقيمين فيها لا يتجاوز عددهم الـ 4000 نسمة، بسبب عدم اكتمال ملفّ العودة حتى الآن، والذي في حالِ اكتمل من المتوقع أن يرتفع عدّد السكّان لنحو 10,000 نسمة.

في هذا الإطار أكّد رئيس بلدية الدامور شارل غفري لـ«الجمهورية» أنّ «السبب الرئيس وراء عدم عودة المسيحيين إلى الشوف هو اقتصاديّ قبل أيّ شيء، إذ لا فرَص عمل للجيل الجديد، ففي الدامور مثلاً دامت فترة التهجير أكثر من 20 سنة، ممّا أدّى إلى نشوء جيل جديد لم يعرف الدامور، وثلثُ أهاليهم حاليّاً في أميركا وكندا وأوروبا وأوستراليا، ومَن استقرّوا في البلد توجّهوا نحو المتن وكسروان وجبيل وأسّسوا أشغالهم ودرَسوا»،

مضيفاً: «أمّا الشقّ الثاني فهو عدم ختمِ ملف عودة المهجّرين، فإذا قصَد أحدٌ الدامور وجَد أنّ هناك نحو 1200 وحدة سكنية ما زالت في مرحلة الباطون. وبالتالي الأسباب ماليّة أيضاً، والدولة لم تستطع توفير المبالغ الكافية ليكمل أبناء المنطقة إعمار بيوتهم».

المخيّمات الفلسطينية

شكّلَ تفَلّت السلاح وانتشار المعسكرات الفلسطينية، مِثل معسكر «الجبهة الشعبية» قرب الدامور، عاملاً أبعدَ أهلَ الدامور وساحل الشوف عن بلداتهم، فهو متاخِم لحيّ كبير في الدامور.

وفي هذا السياق، أوضَح غفَري أنّ هذا الأمر يشكّل «عاملاً أساسياً ضمن مجموعة عوامل ساهمت مجتمعةً في عدم عودة الأهالي». وقال: «سياسياً، لا مشاكل معيّنة على هذا الصعيد، فالناس استلموا أراضيَهم وأملاكهم وبيوتهم، غير أنّ نقصَ التعويضات صعّبَ العملية، فلو توافرَت الأموال اللازمة لوُجد ألف بيت جديد».

وعزا غفَري التقصير إلى «الدولة كمؤسسة، وليس إلى نواب المنطقة، فهم ليسوا المسؤولين عن تأمين التعويضات الماليّة للأهالي، بل الدولة هي التي يجب أن تُخصّص ضمن ميزانيتها مبالغ محددة لملفات إعادة الإعمار في الجبل».

بيع الأراضي

ومِن المخاطر الإضافية التي تُهدّد الوجود المسيحي في الشوف، تَبرز قضية بيع هؤلاء لأراضيهم، فقد أظهرَ تقرير للرابطة المارونية نشِر منذ مدّة، أنّ بَيع أراضي المسيحيين تجاوَز الخطّ الأحمر، خصوصاً في الشوف، حيث تتوزّع أراضي المسيحيين المباعة والبالغة مساحتها 4.150.000 متر مربّع بين الشيعة والدروز والسُنّة، فالمسيحيون الذين يئسوا من احتمال العودة إلى قراهم لجأوا إلى الحلّ الأخير على رغم قساوته، وباعوا «هويتهم».

أمّا أسباب عدم العودة فمرتبطة بشكل أساسي بالفارق الزمني بين تاريخ التهجير والتاريخ الذي سُمح فيه للمسيحيين بالعودة، فهؤلاء تهجّروا على دفعتين، الأولى عام 1977 يوم اغتيلَ الزعيم كمال جنبلاط، والثانية عام 1983 يوم اندلعَت «حرب الجبل» بين المسيحيين والدروز، أمّا تاريخ العودة فبدأ عام 1992، أي أنّ عمراً كاملاً كان قد مضى، تأقلمَ خلاله المسيحيون في غير بيئة، أسّسوا خلاله حياةً أخرى مع جيران مختلفين في ظلّ نمط عيشٍ مغاير للذي اعتادوا عليه في الجبل، تعلّموا في أماكن مختلفة وعملوا.

وممّا صعّبَ العودة على أبناء الجبل المسيحيين أيضاً كان انخفاض التعويضات التي دفعَتها وزارة المهجّرين وبطء وتيرة دفعِها، إضافةً إلى غياب التحسينات في البنى التحتية من الدولة أثناء العودة.

للسياسيين المسيحيين في الشوف دورٌ مهمّ في هذا الملف، فهؤلاء الذين يمثّلون هذه الفئة ساهَموا في نَفيهم عن قراهم، لأنّهم لم يسعوا لدى الدولة لزيادة التعويضات ليعود المسيحيون إلى بيوتهم.

إلى ذلك، صعّبَ العامل الطائفي في بعض القرى احتمالَ عودة أبنائها المسيحيين، فـ«حرب الجبل» كانت دموية، قتَل فيها ابنُ القرية جارَه، وولّدت حقداً تَوارثته الأجيال، ولم تتعدَّ المصالحات التي سعى إليها البعض فكرةَ كونها مظاهرَ ليس أكثر، إذ استمرّت منطقة الجبل في عيشِ أحداثٍ مذهبية لها بُعد تاريخي حتى العام 2008، ولكنّ جهات سياسية وحتى أمنية كانت تحرَص على عدم إثارتها وتداولِها في الإعلام لعدمِ تفاعلها.

الديموغرافيا

وللعامل الديموغرافي دورٌ في إبعاد فكرة عودة المسيحيين، إذ فيما غابوا لفترات طويلة عن أراضيهم، سكنَ أبناء الطوائف الأخرى فيها لوقتٍ طويل، ما أدّى إلى شعور المسيحيين وكأنّهم من الأقلّيات، وخفّف من حماستهم للعودة.

وعن هذا الملف، قال نائب رئيس بلدية كفرقطرة جورج المعلوف لـ«الجمهورية» إنّ «الدروز على سبيل المثال يعيشون في الجبل لأنّهم لم يُهجّروا منه من الأساس، فهُم بقوا فيه طيلة فترة الحرب وتقَوقعوا بعضُهم على بعض وأنشأوا اقتصادَهم الذي يخوّلهم العيش فيه»، مضيفاً: «أمّا النقطة الثانية فكانت عدم وجود مدارس ومستشفيات ومصانع ومعامل في أوّل سنوات العودة، ذلك بعدما كان المسيحيون قد اعتادوا نمط حياة معيّناً، ولم يكن هناك وسائل نقل مشترك تنقل المواطنين إلى بيروت، كتلك التي كانت موجودة قبل التهجير، حين كان بعض الناس يَعملون في بيروت ويعودون إلى منازلهم مساءً فيها».

وأكّد أنّ هناك عامل لامبالاة السياسيين المسيحيين عن لعب دورهم لجهة مساعدة المسيحيين على البقاء في قراهم وإيجاد فرَص عمل لهم، ففي أوّل سنوات العودة كان عدد المسيحيين أكثر، لكنّهم استسلموا بعدها عندما لم يجدوا دعماً، وترَكوا القرى ليعودوا إلى بيروت»، مشيراً إلى أنّ «المبالغ التي تقاضاها المهجّرون للعودة إلى الجبل لم تكن كافية لإعادة إعمار منازلهم».

وأوضَح أنّ «بعض البلديات يعمل على إيجاد الحد الأدنى من مستوى العيش، كتأمين بنى تحتية ومياه وكهرباء وصرف صحّي، إضافةً إلى نشاطات ترفيهية، لكن ما يجب أن يُنفّذ هو مشاريع استثمار في المنطقة لتوظيف الناس، وهذا ما يحتاج إلى أكثر من مجرّد بلدية، يحتاج إلى متموّلين، وهُم بغالبيتهم لا يثقون بالوضع السياسي والاقتصادي ليُقدِموا على هكذا خطوة في هذه المنطقة».

تعدّدَت الأسباب لتبقى النتيجة واحدة: الشوف الذي أفرَز قيادات مسيحيّة تاريخيّة وعلى رأسها الرئيس كميل شمعون، يَفتقد إلى مسيحيّيه، فمسيحيّو الشوف بغالبيتهم لم يعودوا، هم أضحوا أقلّيات في عقر دارهم، اليأس من الأوضاع جَعلهم يبيعون أراضيَهم ويستغنون عن هويتهم، الدولة حاولت إسكاتَهم بتعويضات لا تبني بيوتاً، وبالتأكيد لا تردّ كرامات. مسيحيّو الشوف بكلّ بساطة ظُلِموا، والعالم ما زال يتفرّج حتى اليوم.