IMLebanon

«قرقعة في الصحن» الحكومي… فيما الأشوري على طريق «الترانسفير»

العودة الى مجلس الوزراء، لا تعني أكثر من عودة الى حوار حول الكلمات اللبنانية المتقاطعة. أو عودة الى الحراك في الوقت الضائع، حتى لا يستوطن الفراغ في المؤسسات، ويحوّلها الى مؤسسات الفراغ.

وعلى أصوات هذه القرقعة في الصحن الحكومي، يتسلل الأشوري على طريق «الترانسفير»، بحثاً عن وطن، عن مرقد عنزة، عن شبر من الأرض يسند اليه رأسه.

مشهد يغرس القلق حول مصير الأقليات في هذا الشرق، ويحفر في وجدان اللبنانيين خوفاً من أن يكون وطنهم غير مطابق للمواصفات الدوليّة الجديدة. مشهد الأشوري الهائم على وجهه، يحمل في تقاسيمه ملامح وجه الشرق الجديد، يحمل الذاكرة ليزاوجها مع الواقعية الجديدة، إنه الصراع المصيري للأقليات.

في الذاكرة لا يزال مشهد بطاركة الشرق يحيطون بالرئيس باراك أوباما، ماثلاً بوضوحه. إلّا أنّ الواقعيّة تقضي بالتأكيد على أنّ الإدارة الأميركيّة لم تفعل شيئاً، ولم تحرّك ساكناً على الأقل حيال مسيحيي العراق، وسوريا، وإنّ المذبحة بحقّ الأشوريّين وحضارتهم خير دليل.

تقضي الذاكرة الإعتراف بأنّ لبنان من دون رأس منذ ما يزيد عن العشرة شهور، فيما تقضي الواقعيّة الإعتراف بأنّ المجتمع الدولي بدأ يتقبّل فكرة مشاركة لبنان في مؤتمراته ومنتدياته من دون رئيس للجمهوريّة.

وتقضي الذاكرة الإعتراف بأنّ السفير البريطاني لدى لبنان طوم فليتشر أثار مؤخراً جملة من المآخذ حول الأداء السياسي، فيما تقضي الواقعيّة القول إنّ كلامه ذهب مع الريح، ولا حياة لمَن ينادي.

وتقضي الذاكرة الإعتراف بأنّ الملوك والرؤساء والأمراء العرب كانوا ينتظرون الرئيس اللبناني العربي المسيحي كي ينضمّ الى صفوفهم، ويشارك في قممهم، ويسعى جاهداً للتوفيق في ما بينهم. وتقضي الواقعية القول إنّ رئيس الحكومة تمام سلام هو من سيرأس وفد لبنان الى قمة القاهرة في 27 و28 الجاري، وإن العرب بدأوا يتقبلون فكرة لبنان من دون رئيس؟!.

شيء ما بدأ يتغيّر، والوطن «من دون رأس» يحاول أن يفرض وجوده في المؤتمرات العربيّة والدوليّة، وكأنه يطلب من الآخرين القبول بما هو قائم، أو كأنه يمارس سياسة التطبيع لحمل الدول على التأقلم مع واقعه. القصّة أكبر من قرقعة في الصحن الحكومي، إنها قصة مصير وطن، وشعب، والعيوب لا تقتصر على غياب الرأس، بل على غياب الدور، وهنا مكمن الخطر، وطن من دون دور، أو وظيفة لماذا يجب أن يبقى ويستمر؟!.

هناك من يعتقد بأنّ لبنان حاجة دوليّة، صحيح أن أزمته ليست مُدرجة كأولويّة على أيّ من الأجندات المتداولة، لكن الصحيح أيضاً أنّ وجوده في غرفة العناية الفائقة ليس خياره بل خيار مَن يدير المستشفى في الشرق الأوسط.

إنه زمن تغيير الأحجام والأوزان، والدول والجماعات، والاستغناء عن حدود سايكس – بيكو لترسيم حدود النفوذ الإيراني، والإسرائيلي، والتركي على امتداد الدول العربيّة، وتحت الرعاية الأميركيّة النافذة؟!.

إنّ القرقعة في الصحن الحكومي قد تحدث ضجيجاً، وإنّ الضجيج قد يطرد الجنّ والأشباح، لكن لا يساعد الوطن على النهوض من غرفة العناية الفائقة، ولا يَرسُم له دوراً ووظيفة.

وبصراحة متناهية ربما وجد حزب الله وظيفته، ويعمل على إنجازها بجهد ومناقبيّة جارفاً معه طيف شيعيّ عريض. وربما «المستقبل» وجد وظيفته ما بين الرياض والمحكمة الدوليّة، لحماية الطائف المترنّح. وحدهم الموارنة يلطمون وينوحون لاعتقادهم بأنهم أمّ الصبي، وإنّ قوتهم من قوة الكيان فإذا زالوا، زال، وإذا انهار سقفه تفرّقوا سبايا؟!.

بين الذاكرة المارونيّة والواقعيّة، وهم كبير يدفعون اليوم ثمنه غالياً، لقد فقدوا الدور. ما هي الثقافة الإنسانية التي يتفانون في نشرها الآن وفي زمن التوحّش، وقد استباحوا حرمة منازلهم، ودخل البعض منهم على بيوت البعض الآخر بالحديد والنار حتى الفناء؟!. ما هي الرسالة التي يسعون جاهدين الى نشرها، وهم الطليعيون في تغليب المصالح الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العليا.

لقد قدّموا في السابق الشخصيّة الإستثنائية بشارة الخوري مع فجر الإستقلال، ثم الرئيس الألمعي كميل شمعون، والرئيس التحديثي التطويري فؤاد شهاب، والرئيس المثقف شارل حلو، والرئيس الإداري الياس سركيس، والرئيس الفارس سليمان فرنجيّة، فماذا يقدمون اليوم؟!… ومن تحت نافذتهم يمرّ الأشوري على طريق «الترانسفير؟!.