IMLebanon

مفهوم حكومة الوحدة الوطنية

 

 

 

لو عُدنا إلى التعريف البسيط لحكومة الوحدة الوطنية، لوجدنا أنها الحكومة الجامعة لأكبر الأحزاب السياسية الممثّلة في البرلمان، وهي حكومة تختلف عن حكومة الإنقاذ الوطني التي تتكوّن في فترة الأزمات القصوى، لذلك لا تتشكّل حكومة الإنقاذ بالضرورة من الأحزاب الممثّلة في البرلمان فقط.

 

كما تختلف حكومة الوحدة الوطنية عن الحكومة الائتلافية التي تتشكّل أساساً من أكبر حزبين برلمانيين، مع الاستعانة أحياناً ببعض الأحزاب الصغيرة، لضمان الأغلبية المُريحة للحُكم.

 

يتّفق الكافة على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، عندما تستدعي ظروف معيّنة ذلك.

 

وبدأت تجربة حكومات الوحدة الوطنية في «بولندا»، فتشكّلت الحكومة الأولى بموجب مرسوم صدر عن المجلس الوطني للدولة بتاريخ 28 حزيران 1945. وقد تمّ تشكيلها بين الشيوعيين البولنديين والفصيل التابع لـ«ستانيسلاوميكولا جشبك»، وقد كان ذلك بمثابة اتفاق توصّل اليه الحلفاء الغربيون مع الاتحاد السوفياتي في أثناء مؤتمر يالطا.

 

وتَتالَت حكومات الوحدة الوطنية في أوروبا، وكان أبرزها حكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت في «ألمانيا» بين الحزبين «الإشتراكي الديموقراطي الحاكم» و«المسيحي الديموقراطي»، والتي حكمت ألمانيا بين العام 1966 والعام 1969، علماً أنّ هذه الحكومة نجحت في القضاء على البطالة التي كانت مُستشرية في ألمانيا، بتأمين أكثر من /720/ ألف فرصة عمل جديدة للألمان.

 

أمّا في لبنان، فدرجت العادة، منذ ما بعد الطائف، على تشكيل حكومات وحدة وطنية، بشكل دائم ومستمّر، سواء نجحت أم لم تنجح.

 

صحيح أنّ مشاركة غالبية الكتل النيابية في الحكومة تُتيح اتخاذ القرار بوفاق أكبر، ولكن الصحيح أيضاً أنّ هكذا حكومات تقضي على الديموقراطية، حتى داخل التشكيلة الحكومية نفسها.

 

والسؤال الأهمّ: هل مُشاركة الكتل النيابية في حكومة وفاق وطني أو حكومة وحدة وطنية يعني تجريدها من حقوقها في الاعتراض حتى المناقشة؟.

 

فوجئنا منذ أيّام بتصريح رئيس الحكومة أنه حرم كتلة نيابية من حق المشاركة في تعيينات جَرت، قصاصاً لها على عدم التصويت إلى جانبه على قانون الموازنة… كذا…

 

فهل المشاركة في حكومة وحدة وطنية، يعني استقالة هذه الكتلة من دورها السيادي والسياسي والرقابي؟.

 

ولو اعتبرنا جدلاً انّ وزراء هذه الكتلة النيابية قد التزموا مشروع قانون الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، عملاً بقاعدة «التضامن الوزاري» (رغم أنّ مصادر هذه الكتلة تؤكّد أنها تحفّظت عنه). فهل هذا يعني حرمان المجلس النيابي من حق المناقشة والتصويت؟.

 

صحيح أنّ الكتلة النيابية التي قَصدها رئيس الحكومة في تصريحه قد اعترضت على الموازنة، ولكنّ الصحيح أيضاً أنها مارست حقها الدستوري في المناقشة والتصويت، ووجدت انّ مشروع الموازنة لا يُلبّي طموحاتها وتطلّعاتها.

 

والأغرب من ذلك، أنّ رئيس الحكومة يُعاقب هذه الكتلة، ويحرمها حق المشاركة في إدارة شؤون الدولة.

 

يحق لأكثرية الثلثين في الحكومة أن تعيّن مَن يَلزم، ولكن لا يحق دستورياً لرئيس الحكومة أن يُعاقب كتلة وزارية، مارَسَ نوّابها حقّهم في المناقشة والتصويت. بل إضافةً إلى ما تقدّم، يُجاهر بأنّ سبب إقصاء هذه الكتلة وحرمانها حق المشاركة كسواها من الكتل في الحكومة، يعود إلى كونها قد تجرّأت على ممارسة هذا الحق الدستوري.

 

فهل تُدار الدولة بسياسة الثواب والعقاب؟

 

وهل تُدار أيضاً بسياسة المكاسب والقصاص؟

 

وهل تُدار أيضاً بسياسة التأديب المخفي أو التَشفّي؟

 

فحكومة الوحدة الوطنية لا تعني ذوبان الكتل النيابية المنضوية في الحكومة، إنما تعني التعاون لإنقاذ أوضاع صعبة يُعانيها الوطن.

 

فالوحدة الوطنية، وسنداً لرأي «ميكيافيلى»، (هي ارتقاء الحاكم في الدولة إلى درجة القداسة، لأنه محور الوحدة الوطنية في الدولة…). وبالتالي، لا يحقّ للحاكم في الدولة أن يكون ناظراً في مدرسة الحكومة، يمنح مَن أطاعه «Bon point» ومَن جادَله يُعاقبه «Au coin».

 

صحيح أننا في مواجهة أوضاع مأزومة وحرجة، ولكن ليس بهذا الأسلوب تُخاض الحروب.