تكفي مراجعة التقارير السنوية للهيئات الرقابية للتأكد من انّ هناك الكثير من الارتكابات والانتهاكات القانونية في عمل الادارات والمؤسسات العامة تدلّ على فساد وهدر للمال العام . لم نصل الى الانهيار الكبير بالصدفة من دون مقدّمات. وعلى رغم ان الادانات تصدر احياناً عن هيئات رقابية، كالتفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة، فإنّ مصيرَها في غالب الأحيان هو الأدراج. دخل التدقيق الجنائي المشهد اللبناني مؤخراً، وهو اجراء غير مسبوق لبنانياً. نأتي بطرف خارجي من خارج المنظومة السياسية والادارية والرقابية القائمة، ونطلب منه كشف المستور. فهل نحن حقيقة امام منعطف سيسمح لنا بالوصول الى المعلومات التي تكشف فعلياً حجم خسائر مصرف لبنان والمسؤولين عنها، وعمليات انفاق المال العام وكيفيّته في الادارات والمؤسسات العامة والمجالس والصناديق، لكي تترتّب عليها المسؤوليات لاحقاً؟ هل نحن امام عملية تقنية لا دخل للطبقة السياسية فيها، ام اننا امام عمليّة متكاملة تتوزّع فيها الأدوار، وبالتالي هل ستعرقل الطبقة السياسية عملية التدقيق؟ وكيف ؟
1 – تعريف التدقيق الجنائي: يختلف التدقيق الجنائي عن التدقيق المالي لجهة العمليات التي يشتمل عليها، فالأخير هو اجراءات روتينية تشمل بيانات ماليّة تؤكد حصول عمليات مالية معيّنة، كدفع رواتب واجور وتسديد اتعاب متعهدين ومتعاقدين على سبيل المثال.
اما التدقيق الجنائي فيتخطى هذا الدور الى مستوى الكشف عن الجرائم المرتكبة، اي معرفة هل ان الأموال التي تم صرفها هي عبارة عن رشوة او عملية اختلاس او هدر.
يستند التدقيق الجنائي الى التدقيق المالي لتحديد النشاط المالي الاجرامي وكشف المسؤولين عنه عبر ادلّة ماديّة محاسبيّة لا سبيل للتشكيك بها، وهو يهدف الى امرين:
أ – كشف العمليات المشبوهة واعمال الغش والسياسات المالية المعتمدة وفضح الممارسات الخاطئة التي اعتمدت .
ب – تحديد الادارات والمؤسسات والشركات والأشخاص الذين استفادوا من العمليات المالية وحققوا ارباحاً . ومن شأن كشف هذه الحقائق ان تسمح بمعرفة اين طارت ودائع اللبنانيين والأجانب في المصارف وكيف ، وتحديد المسؤوليات بدقّة.
وحتى يمكن الوصول الى الحقائق الكاملة فإن التدقيق الجنائي يجب ان يتوسّع من مصرف لبنان الى الادارات والمؤسسات العامة والمجالس والصناديق لكشف العمليات المالية كاملة. ومن دون ذلك سيكون من المستحيل تكوين صورة شاملة عمّا حصل.
2 – الواقع السائد: هناك قول متداول بـ «أن المال السايب يعلّم الناس الحرام» . وفي لبنان المال العام مال «سايب»، ومجلس النواب صاحب الدور الرقابي الأول على انفاق المال العام مقصّر، والمنظومة السياسية الحاكمة تُسأل عن تعطيل هذا الدور. يظنّ اللبنانيون ان نظامهم ديموقراطي برلماني، والواقع انه اوليغارشي طائفي فاسد. لا يتم التقيّد بأحكام الدستور والقوانين احياناً كثيرة، ودور المؤسسات معطّل بفعل وجود ثغرات تطال الصلاحيات احياناً، ما يجعل رقابه هذه المؤسسات، وعلى رأسها مجلس النواب، شكليّة. وما جرى مع الحسابات المالية للدولة التي انجزتها وزارة المالية، وهي تشمل عمليات ونشاطات على مدى 28 سنة، خير مثال على ذلك. فهذه الحسابات «احتجزتها» الحكومة ولم تحلها على مجلس النواب، بحجة انها يجب ان تخضع لتدقيق ديوان المحاسبة اولاً، على رغم ان آراء الخبراء القانونيين اجمعت على وجوب احالتها الى المجلس بمعزل عن تدقيق الديوان. وفي هذا توجّه واضح للمنظومة السياسية للتهرب من المساءلة والمحاسبة.
على مدى عشرات السنين لم يتلقّ مجلس النواب أية حسابات مالية للادارات والمؤسسات العامة والبلديات. وفي المقابل عجز ديوان المحاسبة عن إجراء التدقيق الواجب بسبب النقص الحاد في جهازه البشري والنقص في الصلاحيات المعطاة له.
وعلى رغم الانجاز الكبير المتمثل بإقرار الموازنة العامة في العام 2017 بعد 12 عاماً من الانقطاع، فإنّ الأمر ترافَق مع مخالفة دستورية فظيعة هي عدم اقرار قطوعات الحسابات خلافاً لأحكام المادة 87 من الدستور. وهذا الأمر يوجِب اجراء التدقيق الجنائي لمعرفة كيفيّة انفاق المال العام وتحديد المسؤوليات.
ويكتمل المشهد بانتشار ثقافة عدم المساءلة والمحاسبة وانعدام وضوح الأرقام. يمكن للآراء ان تتعدّد في مقاربة نص قانوني، ولكن لا يمكن، مهما كانت التبريرات، ان تكون الأرقام وجهة نظر.
ومن اجل رقابة فعّالة على المال العام، وإنفاقه ينبغي تكريس مفهومين:
أ – الشفافية: تفرض الشفافية الوصول الى المعلومات المالية من دون عوائق. وقانون الحق بالوصول الى المعلومات الذي أُقرّ في العام 2017 يوفّر جزءاً من هذه الامكانيّة.
ويمكن ان يتأمن التدقيق بالحسابات من خلال مدقّقي الحسابات العاديين في ديوان المحاسبة. ومن الغريب ما اورده النائب السابق غسان مخيبر في ندوة «التدقيق الجنائي… نحو دولة الشفافية والمحاسبة؟» من ان مسؤولين في ديوان المحاسبة، أبلغوه انّ الديوان نادراً ما كان يقوم بتدقيق الحسابات المالية للدولة منذ خمسينات القرن الماضي ! وطوال الخمسينات والستينات والسبعينات كان مجلس النواب يوافق على قطوعات الحسابات بتحفّظ مقرون بما قد يصدر عن ديوان المحاسبة من رأي.
وواحد من المدقّقين ايضاً هو مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان الذي لا يخضع لرقابة الديوان. ومن المفارقات ان يشكو وزير المالية من عدم القدرة على الوصول الى حسابات مصرف لبنان، وان تضطر الدولة الى الاستعانة بشركة عالميّة للتدقيق، علماً ان النصوص القانونية تعطي مفوض الحكومة الحق بالوصول الى جميع الحسابات المالية لمصرف لبنان وللادارات والمؤسسات العامة والبلديات، والاطلاع على كل ما يتعلّق بالأصول والأموال والذهب… التي يمتلكها المصرف. وكل هذه الاجراءات معطّلة في الواقع بفعل الممانعة السياسية.
ب – المساءلة والمحاسبة: يغلب التقصير على اداء مجلس النواب، وفي دول متوسّطة بمفهوم الممارسة الديموقراطية يعقد البرلمان جلسات مساءلة للحكومة (اسئلة واجوبة) بمعدّل جلسة اسبوعياً، في حين بلغ عدد جلسات مجلس النواب اللبناني، منذ العام 1992، 21 جلسة اي اقل من جلسة اسبوعياً، بحسب النائب السابق غسان مخيبر.
لا يقوم مجلس النواب بدوره في مجالات اخرى، فعلى مدى 12 سنة بين 2005 و2017 لم تقرّ الموازنات العامة، ولم تتم احالة قطوعات الحساب بعد ذلك. وهذا ما عطّل إمكانيّة المساءلة النيابية.
وما انجزته وزارة المالية من حسابات ماليّة للإدارات والمؤسسات العامة في الدولة هو منجم حقيقي من شأنه ان يكشف الكثير من الحقائق لو تمّت احالتها على مجلس النواب، وقامت لجنة المال والموازنة بدراستها على سبيل المثال.
ويمكن لقانون الحق بالوصول الى المعلومات ان يسمح بالوصول الى مثل هذه الحسابات المالية، لكن مصرف لبنان يتذرّع بوجود قانون السريّة المصرفية، ما يفرض تعديل هذا القانون الذي وُضع في ظروف محدّدة ولأهداف واضحة.
والمساءلة غائبة ايضاً في القضاء والهيئات الرقابية. الأول ممسوك من المنظومة السياسية ودوره محدود. والقضاء التأديبي يعاني. ويشير مخيبر الى ان الرئيس السابق للمجلس التأديبي العام للموظفين القاضي مروان عبود أفاد في تقرير رسمي انّ الهيئات الرقابية لا تحيل اليه الّا السمك الصغير للمحاسبة، وان المسؤولين الكبار لا يحالون امام الهيئة، مشيراً الى انّ عدد المحالين في السنة الواحدة اقل من 5 موظفين !
وفي غياب التدابير الرادعة من الهيئات الرقابية المختلفة، ليس غريباً ان يسود الفساد في غالبيّة الإدارات والمؤسسات في القطاع العام.
وتسمح بعض المعطيات المتوافرة بتشخيص اولّي لما حصل. وفي هذا الاطار تشير شركة لازار الاستشارية المكلّفة من حكومة الرئيس حسان دياب، الى انّ خسائر مصرف لبنان تقدّر بما بين 40 و50 مليار دولار اميركي تمّ صرفها في العمليات المالية المختلفة للمصرف.
ومن شأن كشف كيفيّة انفاق هذه المبالغ والعمليات المالية التي جرت، تحديد اين هي مكامن الفساد .
انطلق التدقيق في عمله من بعض الحقائق والمعطيات، اهمّها ان الأموال صرفت في 3 حقول اساسية: تمويل النفقات الحكومية، تثبيت سعر صرف الليرة والهندسات المالية.
وتغاضى المسؤولون السياسيون والماليون عن كل العمليات التي قام بها مصرف لبنان مقابل تمويل عجز الموازنة وتثبيت سعر الليرة . وكانت الكلفة نتيجة هذه السياسات المدمرة، غالية جداً.
وفي هذا السياق من شأن التدقيق في النفقات الحكومية ان يوضح الكثير. وتشير المعطيات المتوافرة الى ان هذه النفقات كانت في العام 2005 حوالى 5 مليارات دولار سنوياً، وقفزت في العام 2020 الى حدود 19 ملياراً . ويتمّ صرف 50 % من النفقات على الرواتب والأجور، وهو رقم كارثي في ظل فائض الموظفين والفساد المستشري والتوظيفات السياسية التي لم تتوقف حتى العام 2018 عندما تم توظيف 5000 شخص في مختلف الادارات والمؤسسات العامة قبل اشهر قليلة من اجراء الانتخابات النيابية، على رغم وجود قرار بمنع التوظيف بأشكاله كافة.
وتشكل الكهرباء حوالى 10 % من الانفاق العام. وعلى مدى 30 سنة تم صرف حوالى 45 مليار دولارعلى هذا القطاع، اي ما يعادل 45 % من الدين العام، لشراء فيول لتشغيل معامل الكهرباء. ولم يذهب سوى النذر اليسير الى النفقات الاستثمارية في الكهرباء.
وتستهلك خدمة الدين العام وفوائد الدين لمصرف لبنان والمصارف 25 % من النفقات. ولقد استفادت المصارف بدرجات مختلفة من الفوائد المرتفعة على سندات الدين طوال سنوات طويلة.
أنفقت المليارات لتثبيت سعر الصرف على 1500 ليرة للدولار الواحد بطريقة مناقضة لكل القواعد الاقتصادية والمالية، واستخدم في هذه العمليات قسم كبير من اموال المودعين المحليين والمنتشرين في العالم والأجانب .
واستنزفت الهندسات المالية، التي بدأت في العام 2015، المليارات من اموال المودعين . وذكر المدير العام السابق لوزارة المالية الان بيفاني انّ ارقام الاستفادة من هذه الهندسات بلغت ما بين 60 و65 مليار دولار ذهبت الى جيوب المنتفعين. دفع مصرف لبنان نتيجة الهندسات فوائد مرتفعة جداً للمصارف مقابل اكثر من 50 % من اموال المودعين وضعت بتصرّفه. واستفاد مودعون من الفوائد المرتفعة بدورهم، وحوّلوا اموالهم الى خارج لبنان. وهناك جزء من دور التدقيق الجنائي فهو كشف فضائح الهندسات المالية، اذ ينبغي ان يظهر التدقيق بالأسماء والأرقام المستفيدين حتى يمكن تحديد من يجب ان يتحمّل الخسائر.
وبحسب بيفاني وَفّرت الخطة الاقتصادية للنهوض التي وضعتها حكومة الرئيس حسان دياب الحل المطلوب، من خلال اقتراح ان يساهم كبار المساهمين المستفيدين من الهندسات المالية بما بين 15 و20 % من قيمة الأموال التي استفادوا منها، برَسملة المصارف من جديد، على ان يستردّوا هذه الأموال لاحقاً، اضافة الى استرداد قسم كبير من الأموال المنهوبة وتوظيفها في الرسملة.
امّا الخطة البديلة التي يفكّر بها ناهبو اموال المودعين والمال العام فتقوم على تعويض الخسائر عبر استخدام الممتلكات العامة، ما يؤدي الى تطييرها وتجميد الودائع. وهذا يعني اعتماد هيركات يلتهم المدّخرات، مع ما يرافق ذلك من إمكانية لعدم استعادة جزء من الودائع الا بعد سنوات طويلة.
وفي السياق ذاته يندرج رفض اعادة هيكلة الدين الداخلي الذي من دونه لا يمكن ان يستعيد لبنان عافيته الاقتصادية.
قرار وعلامات استفهام
3- قرار مجلس النواب: فُتح الباب امام التدقيق الجنائي بدءاً من مصرف لبنان بعد قرار لمجلس النواب بالتدقيق في حسابات المصرف والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة من دون اي عائق او تذرع بسرية مصرفية او خلافها .
لكن هذا القرار هجين بحسب رأي الوزير السابق زياد بارود في ندوة « التدقيق الجنائي … نحو دولة الشفافية والمحاسبة ؟ « . واتُّخذ على الأرجح استناداً الى المادة 145 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنصّ على انه عندما يوجّه رئيس الجمهورية رسالة الى المجلس ، يناقشها هذا الأخير ويتّخذ بشأنها الموقف او التدبير او القرار المناسب . والسؤال المطروح يتناول الطبيعة القانونية للقرار ، كونه لا يندرج من ضمن القرارات التي يمكن لمجلس النواب اتخاذها والمنصوص عنها في المادة 40 من النظام الداخلي ، كقرار رفع الحصانة عن نائب على سبيل المثال . وللقرار صفة الزامية من دون ان تتوافر امكانية الطعن فيه امام المجلس الدستوري ، مما يجعله بمرتبة اسمى من القوانين بما فيها القوانين الدستورية . ومع ذلك كرّس القرار من الناحية المعنوية مبدأ التدقيق الجنائي ، الذي بدأ لاحقاً في مصرف لبنان بالاستناد اليه .
لكن هذا لا يعفي من اقرار القوانين اللازمة لاجراء التدقيق الجنائي في المؤسسات الخاصة . فالقرار الذي صدر يشمل الادارات والمؤسسات العامة ومصرف لبنان والصناديق والبلديات … فقط .
لا يجوز التذرّع بالسرية المصرفية لعدم اجراء التدقيق الجنائي في ادرارات ومؤسسات القطاع العام . وبالتالي يمكن مثلاً لمجلس الوزراء ان يطلب عبر وزير المالية الحسابات المالية للدولة ، من دون الحاجة الى اقرار قانون برفع السرية المصرفية . اما بالنسبة الى التدقيق الجنائي في القطاع الخاص فالأمر مختلف ، والقرار الصادر عن مجلس النواب لا يتيح على سبيل المثال للمصارف التجارية رفع السرية المصرفية عن حسابات مودعيها . والأمور لا تستقيم الّا باقرار قانون برفع السريّة المصرفيّة .
ومن الضروري الاشارة الى ان قانون السريّة المصرفية الصادر في العام 1956 هو استثناء ، له ظروفه ودوافعه . والاستثناء يفسّر دائماً بصورة ضيّقة وبحدود الغاية التي أُقرّ لأجلها . واستناداً الى الرأي الصادر عن هيئة التشريع والاستشارات في العام 2020 تنزع السرية المصرفية عند اكتشاف جرائم مالية معيّنة ارتكبها مصرف ما من خلال ادارته المالية . وبموجب المادة 150 من قانون النقد والتسليف لا ضرورة لكشف اسم الزبون عند وقوع جريمة مالية ، ويمكن الاشارة اليه برقم او رمز ، مما يحافظ على قانون السريّة المصرفيّة .
وفي مقابل كتمان السر المصرفي هناك موجب الابلاغ عن الجرائم عند وقوعها . واعتبرت هيئة التشريع والاستشارات ان الأولوية تعطى للمصلحة العامة ، وبالتالي يتمّ تقديم موجب الكشف عن الجرائم على موجب كتمان السر .
ولفتت القاضية رنا العاكوم في ندوة « التدقيق الجنائي … نحو دولة الشفافية والمحاسبة ؟ الى «ان مخالفة السرية المصرفية لا تشكل جرماً يعاقب عليه القانون الّا اذا حصلت عن قصد بنيّة الاضرار وعليه فإن مخالفة السرية المصرفية بنيّة الكشف عن الجرائم لا غبار عليها«.
4- حسابات وزارة المالية : اقرّ المدير العام السابق لوزارة المالية الان بيفاني في الندوة المذكورة آنفاً انه لا يعرف الكثير عن الحسابات المالية لمصرف لبنان ، واصفاً ذلك بأنه « من المفارقات الكبيرة في الدولة اللبنانية العجيبة « . وهذا الأمر يشير الى وجود محميات تُمنع معرفة كيفية انفاقها المال العام .
ومن دون التدقيق الجنائي لا يمكن معرفة اين وكيف صرف المال العام وصولاً الى تحديد المسؤوليات وتحميل المسؤولين الخسائر . وهذا يفسّر ممانعة المنظومة السياسية التدقيق تحاشياً لتحملّ الخسائر . وبدلاً من ذلك ظهر سعي لتحميلها الى المودعين من خلال امرين : انهيار الليرة اللبنانية ، وعمليات الهيركات .
انجزت وزارة المالية بين عامي 2000 و2012 بحسب بيفاني ، تدقيقاً شاملاً على الحسابات المالية للدولة لمدة 28 سنة . والنتيجة ان الفريق الذي انجز هذه المهمّة الجبارة عوقب بحرمانه من المكافآت السنوية التي تعطى للموظفين في وزارة الماليّة .
لم توضع نتيجة التدقيق على جدول اعمال مجلس الوزراء حتى اليوم ، ولم تحل على مجلس النواب لاطلاع النواب عليها . والخوف ان يكون مصير التدقيق الجنائي مشابهاً لتدقيق وزارة المالية ، طالما ان النيّة عند المنظومة الحاكمة هي تحميل اللبنانيين الخسائر .
وطرح النائب السابق غسان مخيبر نشر هذه الحسابات وفتح نقاش عام بشأنها ، كما هو معمول به في الدول الديموقراطيّة ، مشيراً الى انه يعوّل على المشاركة المواطنيّة . ولفت الى وجود مؤسسات مستقلّة في هذه الدول تسمّى BUDGET OFFICE ، يتمّ العمل حالياً لانشاء مثيلات لها في لبنان ، واوضح ان هذه المؤسسات تضمّ اقتصاديين ومدقّقي حسابات لمراجعة الحسابات الماليّة لأن هذه الأخيرة معقّدة جدّاً ، ودراستها تحتاج الى مثل هذه الخبرات . ولفت الى ان وصول الحسابات الى النواب لا يكفي ، ودراستها من جانب هذه المؤسسات ضروري لاستخلاص النتائج واعلان الحقائق .
وبنتيجة ذلك يفتح نقاش عام حولها ، وتتم احالة الارتكابات الى القضاء المختص ( القضاء الجزائي او الاداري او التأديبي ) لاجراء المقتضى .
مسار التدقيق
5- انطلاق التدقيق : بدأت رحلة اللجوء الى التدقيق الجنائي بطرح التعاقد مع شركة « كرول « ثم تعثّرت الأمور بذريعة انها شركة على ارتباط او تواصل مع اسرائيل . وتم التفكير باللجوء الى شركة اخرى لديها مكتب تجاري في اسرائيل ، ومتعاقدة مع مصرف لبنان على مهام التسويق . ورست الأمور بعد شدّ حبال سياسي كبير على شركة « ألفاريز اند مارسال « .
وفي الشق القانوني فتح الباب امام التدقيق الجنائي من خلال تعليق قانون السرية المصرفية لمدة سنة ، واستأنفت شركة « ألفاريز اند مارسال « مهامها التي كلّفتها بها حكومة تصريف الأعمال في مصرف لبنان في تموز من العام 2020 . ويبقى التحدّي في ما اذا كان تعليق العمل بالقانون كافياً لاجراء التدقيق المطلوب في الإدارات والمؤسات العامة والمجالس والصناديق .
ما هو مطلوب من « ألفاريز اند مارسال « هو من صلب مهمة ديوان المحاسبة ، لجهة التدقيق المسبق واللاحق الذي يجريه على الإنفاق العام وانجاز قطع الحساب عن الموازنات . ولو قامت هذه الهيئة الرقابية بمهماتها المحدّدة في الوقت المحدّد لما كانت تمّت الاستعانة بهذه الشركة .
ما تحقّق لجهة تعليق قانون السريّة المصرفية من شأنه ان يفتح مسارات عديدة للتدقيق . وفي حال توسّع التدقيق من حسابات مصرف لبنان والحساب رقم 36 الى حسابات الادارات والمؤسسات العامة والمصالح المشتركة يمكن اكتشاف الكثير . وعلى سبيل المثال يمكن لمشروع تمّ تلزيمه وفقاً للأصول الادارية والقانونية وتم عقد النفقة الخاصة به وفتح اعتماد له واجراء مناقصة اللازمة ، ان يعاد تلزيمه بعد مدة من الزمن في ادارة عامة اخرى معنيّة به . وهذه حالة موجودة في العديد من الصفقات . ولذلك فإن التدقيق لا يكفي بل ينغي استكماله بتحقيق مع المتورّطين في هدر المال العام من خلال رفع السريّة المصرفية عن حساباتهم . ولذلك ينبغي اقرار قانون رفع السريّة المصرفيّة عن كل المتعاطين بالشأن العام . وجرت محاولة لاقرار هذا القانون لكنها أُجهضت في اللجنة النيابية الفرعية التي شُكّلت لذلك .
وتستدعي نتائج التدقيق الإدّعاء والملاحقة ، من دون استبعاد تطبيق النصوص القانونية الموجودة .
أ-الإدّعاء والملاحقة : ينبغي ان تحال نتائج التدقيق الجنائي الى القضاء لإجراء المقتضى القانوني . ويؤيّد بعض القانونيين النشر التلقائي لنتائج التدقيق ، الّا اذا كانت تتعارض مع بعض القوانين الخاصة . اما الإدّعاء فمرتبط بطبيعة كل جرم .
ويُفترض ان تلعب المتابعة الشعبية دوراً محوريّاً في مواكبة الأمور وصولاً الى الأحكام القضائية لأن الرأي العام اللبناني يطالب بالحقائق كاملة من دون اي مواربة .
ب- القوانين الموجودة : يجب ان تصبّ نتائج التدقيق الجنائي في حال ثبوت ارتكابات عند القضاء . وتحريك الدعاوى يخضع لآليّات معقّدة . كما ان السلطة لا تلجأ غالباً الى تحريك الدعاوى . ومع ذلك فانه يمكن فعل الكثير من خلال القوانين الموجودة . فقانون الاثراء غير المشروع يوفّر وسيلة فعّالة في هذا المجال . يعني الاثراء غير المشروع تحقيق اثراء من خلال مصادر لا يحقّ للشخص المعنّي الاثراء من خلالها . والعلاقة الوثيقة بين التدقيق الجنائي والاثراء غير المشروع تكمن في انه عند اكتشاف حصول جرائم اختلاس امول عمومية او رشوة او صرف نفوذ ، فإن مدخولاً معيّناً يكون توفّر للشخص المعنّي بطريقة غير مشروعة .
وحقّق قانون الاثراء غير المشروع الصادر في 16/10/2020 نقلة نوعيّة لناحيتي مفهوم الجرم وعناصره ، واصول الملاحقة . فبموجب القانون القديم كان على من يدّعي بارتكاب شخص معيّن جرم الاثراء غير المشروع ان يدينه بجرم آخر مثل الرشوة او صرف النفوذ او الاختلاس ، ممّا كان يجعل الملاحقة صعبة .
امام اليوم فبات الإثراء غير المشروع يطال كل شخص يقوم بأي عمل لمصلحة الدولة اللبنانية او يتعاطى بالمال العام . وصار المشمولون بالقانون الموظفين العموميين بمختلف تسمياتهم ، والمتعهدّين وملتزمي التعهدات المستفيدين من المناقصات والمزايدات العمومية .
وتعتمد المعايير الدوليّة لا سيّما تلك التي جسّدتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي انضم اليها لبنان في 22 نيسان2009 مع 178 دولة اخرى .
كما ان المشترع حقّق نقلة نوعية اخرى ، وقلبَ عبء اثبات الجرم . وبالتالي بدل ان تبحث النيابة العامة في الاثراء من خلال الزيادة غير الطبيعية في الأموال والممتلكات ، صار على المشتبه به عند حصول الشبهة ان يبرّر الثراء الحاصل ، ومصادره ( إرث – عمل منتج سابق للعمل في الوظيفة العامة – الفوز بجائزة اللوتو … )
وفيما كان القانون يفرض دفع مبلغ 25 مليون ليرة للإدّعاء امام النيابة العامة في حالة الإثراء غير المشروع ، تمّ خفض المبلغ الى 3 ملايين ليرة فقط توضع في صندوق وزارة العدل ، وتُعاد حكماً الّا اذا اعتُبر المدّعي متعسّفاً وتمّ ردّ الدعوى .
ولم يكن القانون القديم بشجّع الناس على الابلاغ عن الفساد ، اذا كان يفرض لتحريك الدعوى كفالة مقدارها 25 مليون ليرة . وفي حال ردّ الدعوى يسجن المدّعي ويدفع غرامة قد تصل قيمتها الى 200 مليون ليرة . كما ان النيابة العامة المالية يمكنها اليوم ان تحرّك الدعوى من دون اي كفالة .
وجاء قانون حماية الكاشفين عن الفساد الصادر في ايلول من العام 2018 ليشجّع كل شخص شاهد او متورّط او غير متورّط على أن يبلغ عمّا يملكه من معلومات ، مع تأمين القانون الحماية المطلوبة .
وتعدّد المادة الأولى من القانون 44/2015 المتعلق بتبييض الاموال ومكافحة الارهاب في 20 بنداً الأموال غير المشروعة .
وينص البند 9 على ان الفساد يعتبر اموالاً غير مشروعة بما في ذلك الرشوة واستغلال الوظيفة والاختلاس والاثراء غير المشروع .
ومن شأن التدقيق الجنائي ان يوفّر الكثير من المعطيات والوقائع والاثباتات التي تساعد في الملاحقات القضائية بتهم الفساد وفقاً لمجموع القوانين المذكورة آنفاً .
6- الخطوات المطلوبة لانجاز التدقيق الجنائي : ينبغي خلق بيئة صالحة لمكافحة الفساد ، واللجوء الى اجراءات وخطوات محدّدة تتيح الوصول الى الهدف المنشود ، اهمّها :
أ- تفعيل رقابة ومحاسبة مجلس النواب : على الرغم من ان هذه الرقابة مستقلة عن اعمال التدقيق الجنائي ، الا ان ممارسة المجلس دوره الرقابي يفتح الباب واسعاً امام المساءلة والمحاسبة . ويتم ذلك من خلال تكثيف جلسات الأسئلة للحكومة ، وتفعيل عمل اللجان ، وتأليف لجان فرعيّة لدراسة ملفات محدّدة عند الضرورة ، والتعاون مع هيئات المجتمع المدني واصحاب الخبرات المطلوبة .
ب-تعديل قانون السرية المصرفية بما يسمح بملاحقة جرائم الفساد : لم يعد جائزاً التذرّع بوجود هذا القانون لتوفير حماية للفاسدين وناهبي المال العام . فقانون السريّة المصرفيّة أُقّر في العام 1956 بهدف جذب ودائع خارجية واستثمارات اقتصادية . والواقع اليوم يفرض نزع السرية المصرفية عن حسابات جميع المتعاطين بالمال العام من اجل كشف اي ارتكابات او جرائم محتملة .
ج- شمولية عمليات التدقيق الجنائي جميع الإدارات والمؤسسات العامة والمجالس والصناديق والبلديات : قرّر مجلس النواب مبدأ الشمولية ، وهو يتيح معرفة كل مسارات العمليات المالية في الدولة اللبنانية ، وتكوين داتا حسابية ماليّة تسمح بتحديد المسؤوليات وصولاً الى المساءلة والمحاسبة .
د-الشفافية بإعلان نتائج التدقيق الجنائي : تتمثّل الشفافية بنشر النتائج التي لا تتعارض مع القوانين الخاصة . وينبغي ان يكون موجب النشر على اوسع مدى ممكن بهدف اطلاع الرأي العام عليه ، وفتح النقاش حول النتائج التي يتمّ التوصّل اليها . .
ه-المساءلة والمحاسبة : يتم ذلك من خلال تحريك القضاء والأجهزة الرقابية لتحديد المسؤوليات استناداً الى المعطيات التي يوفّرها التدقيق الجنائي ، وصولاً الى المحاسبة واصدار الأحكام والقرارات.
و- تحميل المسؤولين عن الهدر العام ونهب المال العام الخسائر : يشكّل هذا الأمر لبّ الموضوع لأن المرتكبين في جرائم الفساد وهدر المال العام يسعون الى تحميل صغار المودعين الخسائر الواقعة من خلال انهيار الليرة والهيركات ، فيما تعويض الخسائر ينبغي ان يكون من خلال مساهمة كبار المستفيدين من الهندسات المالية برسملة المصارف من جديد ، على ان يستردّوا هذه الأموال لاحقاً ، اضافة الى استرداد قسم كبير من الأموال المنهوبة وتوظيفها في الرسملة .