IMLebanon

موسم “رحلات الموت” الآتي في رمضان

 

يكاد موسم العواصف الشتوية أن ينتهي ويشارف موسم هدوء البحر أن يصل، ومعه ينتظر الصيادون في عكار عادة استعادة نشاطهم ويبدأون استعداداتهم لملاحقة أرزاقهم على متن قواربهم، فيجهِّزون شباكهم وعدة صيدهم، في زمن أصبح فيه السمك من الكماليات وأكبر من أن يحلم بأكله الفقراء… لكنّ الانهيار في لبنان أحدث تحوّلات عميقة في حياة اللبنانيين ومنهم أصحاب المراكب وسكان المناطق الساحلية في الشمال.

 

تتزامن بداية شهر رمضان المبارك مع الهدوء المتوقع للبحر ومعه تستعدّ قرابة الثلاثة آلاف عائلة في ببنين ومناطق عكار المختلفة للمغادرة عن طريق المراكب في إطار الهجرة غير المشروعة، وبتعبير أدقّ تجارة البشر المنتشرة على سواحل الدول المنكوبة في البحر الأبيض المتوسط.

 

لا يحمل رقم الثلاثة آلاف عائلة أيّ مبالغة رغم أنّه رقم كارثيّ بكلّ الأبعاد والمعاني، والكارثة الأكبر أنّ الجميع يعلم بما يجري، سواء الأجهزة الأمنية أو النواب أو السلطة السياسية، وقد أصبحت هذه التجارة مشرّعة بحكم الأمر الواقع. فلم يعد سرّاً تنظيم الرحلات والتحرّك لجباية المبالغ المدفوعة سلفاً من الأهالي، وأصبح شائعاً أنّ الكثيرين ينتظرون «رحلة رمضان»، ورحلة رمضان هنا ليست عـُمرةً إلى مكّة المكرّمة، بل إنّها سلسلة من رحلات الموت عبر مراكب التهريب نحو أوروبا.

 

باع المئات من العائلات أغلب متاعهم وقاموا بتصفية ممتلكاتهم واستعدّوا للرحيل، رغم كلّ ما عاناه أقرباؤهم، بل ربما آباؤهم وإخوتهم وأخواتهم من مرارات الرحلات السابقة، فقد تعرّضوا لغسيل دماغ أقنعهم بأن يدفعوا عن كل «مسافر» ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف دولار وقد تصل المبالغ إلى الخمسة آلاف دولار حسب نوعية الرحلة، يدفعها مَن غـُرِّرَ بهم بالاستناد إلى تداعيات الانهيار الاقتصادي على حياة الناس بالتوازي مع إبعاد الوازع الديني والأخلاقي عن وعي الضحايا.

 

لم يعد صيد السمك مهنة مربحة لكثير من الصيادين في عكار، فتحوّلوا إلى تجّار بشر ينقلون فيها الضحايا، وظهرت تجارة واستثمار جديد نتيجة حاجة المهرّبين إلى مراكب جديدة، فانتعشت صناعة المراكب في سوريا، وباتت خطوط التهريب تعتمد على تأمين المراكب من الجوار السوري.

 

لا يعلم أغلب اللبنانيين أنّ أكثر من خمسة آلاف عائلة من ببنين وبلدات وقرى عكار قد غادرت خلال السنتين الأخيرتين، وأنّ هناك تفريغاً ديمغرافياً حقيقياً يجري. ورغم وجود أعداد من السوريين والفلسطينيين في عداد المغادرين هرباً عبر البحر، غير أنّ هناك تكاثراً مخيفاً في أعداد السوريين الذين ينتشرون في عكار، ويسيطرون على الكثير من مصادر الرزق وسط تغطية غير معقولة تتيح لهم العمل في جميع المجالات، وتسمح لهم بالتنقل واستخدام الطرقات العامة والمشاعات وقطاف الأشجار والنباتات الصالحة للأكل، بينما يُمنع ذلك على اللبنانيين. وهذا بحثٌ آخر.

 

لا تكتفي هذه العصابات بتهريب البشر بل إنّها تُرفق عملياتها بدسّ المخدِّرات لتهريبها إلى السواحل الإيطالية، وهي تتمتّع بتغطية مسلّحة كاملة على الأراضي اللبنانية، وبقدرة على تزوير جوازات السفر في الخارج، حيث يقوم «القرصان» بقيادة المركب وفي حال نجح في الوصول إلى السواحل الإيطالية، فإنّه يتمكّن من الحصول على جواز سفر يعود به إلى لبنان وكأنّ شيئاً لم يكن، ليكرِّر رحلات أخرى.

 

واحدٌ من أخطر منزلقات عمليات الاتجار بالبشر هنا هي أنّها تستهدف تزويد مافيات هذه التجارة بالعناصر البشرية، فالكثير من روايات الأهالي تتحدّث عن فقدان الاتصال بالعشرات من أبنائهم وبغموض يلتبس مصائرهم بعد فقدانهم أو فصلهم خلال رحلات الموت عن النساء والأطفال، واختطافهم من قبل عصابات أوروبية، بينما تحدّث آخرون عن وجود عصابات تستولي على الشبان من مراكب التهريب قبالة الشواطئ اليونانية وتنقلهم إلى معسكرات في الغابات اليونانية لإجبارهم على التجريب والاستخدام في أعمال أمنية، خاصة في فترة ارتفاع التوتر اليوناني التركي.

 

بتاريخ 24 أيلول 2022 كنتُ أتحدّث على الهواء في مقابلة إذاعية حول هذا الملف فراسلني الشيخ الشهيد أحمد شعيب الرفاعي ليوضح لي أنّ مافيا التهريب قامت بإقفال محطة محروقات في بلدة ببنين بالقوة لأحد الضالعين في هذه «التجارة»، لأنّهم اختلفوا على بدل تهريب خمسين سورياً كانوا حصّة صاحب المحطة من تلك الرحلة ولم تُدفع كلفة تهريبهم، وقد بقيت تلك المحطة مغلقة تحت طائلة التهديد العلني بإحراقها إلى حين الاتفاق على أن يسدّد صاحبها مبلغ خمسين ألف دولار بالتقسيط الشهري، ولم تنفع كلّ تدخلات الأجهزة الأمنية لحلّ الإشكال، حيث بدا واضحاً أنّ هذه المافيا أقوى من الدولة في عكار.

 

بدأت مظاهر الغنى والترف تظهر على كلّ من يشارك في عمليات التهريب، وقد أمسينا أمام ظاهرة «أغنياء تجارة البشر»، وهذا ما أصبح يلقي بظلاله على طبيعة النسيج الاجتماعي، ويُحدِث تحوّلات، أدّت إلى وصول رؤساء بلديات مجرمين ضالعين في التهريب والسلب والاعتداء على القانون والقتل، كما هو حال يحيى الرفاعي رئيس بلدية القرقف وقاتل الشيخ الشهيد أحمد الرفاعي، ووصول نوّاب يغطّون كلّ أنواع التجارة الحرام.