IMLebanon

نوّاب يحمون مطلوبين… بالقتل

 

لا تزال مظاهر ومفاعيل تلاشي الدولة تتفاقم وتزداد ثقلاً وبشاعة في الحياة السياسية والإجتماعية، ومن أخطر هذه المظاهر، انزلاق بعض النواب في سلوكهم الشعبوي إلى حدود إيواء المطلوبين بجرائم القتل في منازلهم ومكاتبهم، قبل أن يتحوّل هؤلاء النواب إلى «وسطاء» لصالح المطلوبين مع الأجهزة الأمنية والقضائية فيساومونها على تسليمهم ويضغطون على أهالي الضحايا، ليأخذوا منهم «مصالحات» غالباً ما تأتي على حساب حقوق المجني عليهم بشكلٍ من الأشكال، بينما تزداد نزعات العنف والإستعداد لإطلاق النار بهدف القتل لأنّ البيئات القابلة للعنف باتت ترى هذه الحمايات مشجِّعاً لها على ارتكاب المزيد من الجرائم.

 

في الشمال، تزداد ظاهرة حماية النواب للمطلوبين بشكلٍ ملحوظ. ففي طرابلس سجّلتِ الأحداث إيواء نائبٍ مطلوباً بجريمة قتل لأكثر من 10 أيام ثمّ طلب من أحد متزعّمي مجموعات الأمر الواقع في المدينة «أن يريحه منه» بنقله إلى مكانٍ آخر، وهذا الإجراء لم يكن الأول من نوعه من قبل هذا النائب العريق.

 

لا يعرف أحدٌ ما هي الفائدة الحقيقية لنائبٍ في أن يُؤوي مجرماً مطلوباً بجناية قتل وماذا سيعود عليه مثل هذا الفعل بالنفع شعبياً أو سياسيّاً أو معنوياً، وهل يجوز استجداء الشعبية بمثل هذا السلوك. وهل يُدرك هذا النائب وأمثاله أنّهم بذلك يشجّعون على القتل حرفياً، فضلاً عن انتهاك حقوق المظلومين وضرب القانون بعرض الحائط؟

 

نائبٌ ثانٍ في عاصمة الشمال يُخصِّص ما يقارب العشرة مكاتب لديه لإيواء المطلوبين على جميع المستويات فلديه تشكيلة واسعة من الفارين من وجه العدالة محمية بالحصانة النيابية.

 

لا يخلو يوم من أيام المناطق الشعبية التي يتقاسم السيطرة فيها نوّاب وقوى سياسية، من عمليات إطلاق نار متواصلة تصل إلى حدود القتل أو الإعاقة في أغلب الأحيان، ويتدفّق المصابون وعائلاتُهم إلى المستشفى الحكومي في القبة والمستشفى الإسلامي الخيري، وتتناسل من هذه الجرائم جرائم ثأرية أخرى من دون أن يظهر للدولة بأمنها وقضائها أثرٌ حقيقي وأحياناً تغيب حتى في الشكليات.

 

نائبٌ ثالث في قضاء المنية الضنية سارع إلى إيواء قاتل في منطقته أكثر من عشرة أيام ثمّ باشر اتصالاته الأمنية والقضائية لـ»تسليم» المطلوب وكان في حالة استنفار شديدة ليبقى المطلوب تحت مظلّته السياسية حتى لا يتلقّفه منافسه مع عائلته ذات التأثير في الإنتخابات.

 

نائبٌ رابع من قضاء المنية الضنية، أيضاً يعتمد نظرية حماية المطلوبين لتأمين المصالحات وهذا عملياً يضرب جوهر القانون والعدالة لأنّه يُعطي المرتكب أفضلية الإستقواء على الضحيّة وأهله، فتصبح العدالة المتأخِّرة عنصر إضعافٍ للحقوق، خاصة أنّ التعطيل الحاصل في القضاء والإضرابات المتواصلة وافتقار القضاة للكثير من أدوات عملهم، فضلاً عن الأزمة المتواصلة التي تعاني منها قوى الأمن الداخلي وتجعل حركتها في تطبيق القانون محدودة وضعيفة، وكلّ هذا يؤدّي إلى استقواء عناصر الفوضى والإضطراب وإشاعة منطق الإجرام في المجتمع.

 

نائبٌ خامس من عكّار يحمل ملفات المطلوبين بالجملة، ويبني حضوره وحركته على بدعة «المصالحات» حتى أنّه يمكن القول إنّه يسترزق منها سياسياً ويثبّت من خلالها قواعده الانتخابية، وهو يمضي في ممارساته هذه، على طريقة الجرّافة التي تأخذ في طريقها كلّ منطقٍ وقانون، وبات سلوكه يضرب النسيج الإجتماعي في عكار لأنّه يتصرّف على أساس أنّه لم تعد هناك دولة وأنّه هو الذي يستطيع حلّ القضايا بدل الدولة والقانون.

 

لم يعد المعيارُ حفظ الإستقرار الإجتماعي بتطبيق القانون، بل أصبح السلوك الآن تطويع القانون لصالح منطق «شريعة الغاب» وإشاعة الفوضى والتحرّك ضمنها.

 

أخطر ما في هذا المسار أنّ هؤلاء النوّاب يتصرّفون على أنّهم يحسنون صُنعاً وأنّهم يساهمون في حقن الدماء بمنع الثأر حسب ظنّهم، وبعض الظنّ إثم، لأنّ ما يحصل لاحقاً في القضاء يؤدّي إلى تغليب القويّ على الضعيف وسريان عنصر المصالح الإنتخابية والسياسية على حساب القانون والعدالة، كما أنّ هذا السلوك يضرب قواعد القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي تشكّل ضوابط لا يزال لها تأثيرها على الناس.

 

نسي هؤلاء النوّاب أنّهم أعضاء في أعلى هيئة في الدولة تنتخب رئيس الجمهورية وتمنح الشرعية للحكومة. لكن في زمن السقوط الكبير يبدو أنّ قماشة السياسيين في البلد أصبحت ممزّقة وبالية. الرحمة للضحايا والعار لمن يحمي القتلة.