IMLebanon

حكومة دياب محاصرة بين الثورة والجوع والتصدّع

 

ولدت حكومة الرئيس حسان دياب بعد مخاضٍ من الصراع والتناهش بين أحزاب وشخصيات قوى 8 آذار لتخرج على اللبنانيين بصيغةٍ هجينة وخليطٍ يفتقد التماسك وثغراتٍ في ملفات الوزراء ستكشفها الأيام المقبلة، لكن أسوأ الثغرات هي المحاصصة الفاقعة التي تسود تقاسم المواقع الوزارية، وأوضح ما فيها أنها حكومة اللون الواحد والحزب المسيطر والتيار المهيمن على المقدّرات، والإعتراف بالعجز عن الحلول في الملفات الكبرى المالية والاقتصادية، مثل الكهرباء والقطاع المصرفي، فضلاً عن استمرار منهجية التمويل من الدولة لدى كل الأحزاب المشاركة في الحكومة.

 

نقاط القوة في الحكومة

 

يستفيد الرئيس دياب من نقاط عدة يمكن أن تمنحه قوة مؤقتة قبل وقوع الإنهيار الشامل في البلد، منها:

 

تحفّظ الكثير من القيادات السنية عن مهاجمته نظراً للتهشيم الطويل المدى الذي تعرّض له موقع رئاسة الحكومة خلال وجود الرئيس سعد الحريري في السلطة.

 

الترحيب المبدئي الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يصدر عند تشكيل أيّ حكومة، والفترة الإنتظارية التي سيمنحها المجتمع الدولي لها، بينما يراقب أداءها ومدى كفاءتها وشفافيتها المالية وسلوكها الإقتصادي والأمني، ولكنها ليست فترة مفتوحة تسمح بالتراخي أو بإرتكاب الأخطاء الممنوعة، أو الوقوع في الجمود القاتل والعجز عن المبادرة، كما كان حال الحكومة السابقة.

 

وتحت ضغط الشارع صمدت بعض المعايير التي كان من مطالب الثورة أو تلاقي مطالبها، ومنها:

 

فصل النيابة عن الوزارة.

 

زيادة مشاركة المرأة في الوزارة.

 

تخفيض عدد الوزراء بشكل نسبيّ.

 

إنهاء الشراكة بين قوى السلطة التي أعادت الإندماج بعد سقوط تجربة قوى 14 آذار ومع التسوية الرئاسية، ودفع قسم منها لتشكيل حكومة لون سياسي واحد تقابله كتل برلمانية سياسية «معارضة» وثورة شعبية ستكون الرقيب والحسيب على الحكومة الجديدة، وهنا سيكون من يحكم مسؤولاً بدون أيّ التباس.

 

نقاط الضعف

 

خيّب دياب آمال الشارع، فرضخ لضغوط أحزاب السلطة، ورضي بالمحاصصة، ولم تفلح إدعاءاته بأنه هو وبعض الوزيرات يمثـّلون الثورة، فجاءت حكومته حكومة اللون الواحد بكل معنى الكلمة.

 

جاء الدمج بين الوزارات غير منطقيّ في كثير من الحالات، كما هو حال الثقافة والزراعة، كما أن السيرة الذاتية لمعظم الوزراء متواضعة ولا تسمح بالمراهنة على إنجازاتٍ فعلية.

 

وقد ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي بهذه التناقضات، ومنها:

 

دميانوس قطار، خبير اقتصادي ومالي وزيراً للبيئة، وهو أيضاً عضو مجلس إدارة credit Libanais.

 

وزير الاقتصاد راوول نعمة مدير تنفيذي في «بنك ميد» المشرف على الإفلاس.

 

وزير الشؤون الإجتماعية والسياحة رمزي مشرفية جراح عظم.

 

نائب الرئيس وزير الدفاع زينة عكر. زوجة جواد عدرا. لديها خبرة في إدارة الأعمال وإدارة شركة الإحصاء «الدولية للمعلومات». سرت معلومات عن اعتدائها على الأملاك البحرية بإقامة سنسول بحري مقابل مسبح ومطعم بلاج سانت إيلاي. عضو في الحزب القومي السوري، ولعلها من المفارقات أن يكون وزير الدفاع قومياً سورياً يحمل فكراً يتخطى الإنتماء الوطني اللبناني إلى حدود القومية السورية.

 

وزيرة العدل ماري كلود نجم، خلال عملها في مكتب خالها الوزير السابق ناجي البستاني صديق النائب جميل السيد، قدّمت إستشارات قانونية لصالحه في المحكمة الدولية.

 

وزير الثقافة والزراعة عباس مرتضى: مسؤول مكتب العمل البلدي في البقاع في حركة امل وتدور حوله شبهات تهريب المازوت في البقاع.

 

وزير الطاقة ريمون غجر مستشار جبران باسيل في وزارة الطاقة.

 

وزير الصحة حمد حسن رئيس اتحاد بلديات بعلبك وتحوم حوله شبهات تتعلق بالعمل البلدي، بالإضافة الى وصفه الثالورة بـ»الحراك الاسود» ويزايد على الحزبيين في انتمائه لـ»حزب الله».

 

روائح الفساد تتصاعد..

 

وهناك بين الوزراء الجدد من تفوح من سجلاته روائح التطرف السياسي والفساد، كما هو حال وزير صناعة «حزب الله» عماد حب الله. فهو كان من أبرز المدافعين عن المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من باب أن «إسرائيل» اخترقت داتا الاتصالات وأنها لفقت التهمة لـ»حزب الله».

 

تولى حب الله، الذي يحمل الجنسية الأميركية، رئاسة الهيئة الناظمة للاتصالات بعد استقالة كمال شحادة منتصف ٢٠١٠، واستمر في منصبه لثلاث سنوات بعد انتهاء ولايته حتى ٢٠١٥، وخرج منها بديون على الهيئة بلغت مئة مليون دولار. كما إتهمه النائب السابق غازي يوسف بتهريب معدات وأجهزة تعود للدولة اللبنانية إلى النظام السوري، كما يورد الإعلامي الإقتصادي الزميل عبادة اللدن.

 

وفي سجل الوزير حب الله الزاخر بـ»الإنجازات» ما ورد في كتاب كف اليد الذي وجهه إليه وزير الاتصالات الأسبق بطرس حرب، وجاء فيه:

 

«ولما كان الدكتور حب الله قد خالف أيضا قانون المحاسبة العمومية، إن لجهة صرف السلفات البالغ مجموعها حوالي 32 ملياراً و500 مليون ليرة لبنانية لغير الغاية المخصصة لها، أو لجهة عدم تسديد السلفات، ولاسيما منها المعطاة الى الهيئة خلال تولي حب الله رئاستها بالإنابة، ومن ثم خلال فترة تسيير الأعمال، على الرغم من مطالبات الوزارة المتكررة إلى الدكتور حب الله بتسديدها وتذكيره بأن القيّم على السلفة هو مسؤول شخصياً عن قيمتها على أمواله الشخصية، وعليه أن يبرز عند كل طلب وجودها لديه إما نقداً وإما بأوراقٍ مثبتة لما أنفقه من أصلها، بالاستناد الى المادة 109 من قانون المحاسبة العمومية (…)».

 

التحديات السياسية والدستورية

 

يواجه الرئيس دياب وحكومته تحديات سياسية ودستورية متشعبة، أهمها:

 

أن «حزب الله» هو الحاكم الفعلي للتركيبة الوزارية، وهو كان كذلك في الحكومة الماضية، لكن طبيعة المرحلة تستوجب منه التدخل المباشر في مسار العمل الوزاري لضمان مصالحه الإستراتيجية والإقتصادية والمالية المباشرة وغير المباشرة، بعد أن أصبح الحصار الخارجي والعقوبات عاملين هامين في تحديد سلوك الحزب وكيفية تعاطيه مع الأحداث.

 

سيعمل الرئيس عون على تكريس ممارساته التي دأب عليها في الحكم خلال وجود الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة، ومنها منع صدور قرارات التعيين الوظيفي أو أي قرارات هامة أخرى، إلا في الجلسات المنعقدة في القصر الجمهوري، وهذا إعتداءٌ سافر على صلاحيات رئيس الحكومة، ويضرب القواعد الدستورية الحاكمة للعلاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة. فهل سيستطيع الرئيس دياب تخطّي هذه الممارسات.. أم سيخضع هو الآخر لطغيان سلطة عون؟

 

ستبقى أصابع رئيس «التيار الوطني الحرّ» جبران باسيل شغـّالة في التحكّم بمقاليد الوزارات  التي حصل عليها، وستمتدّ إلى غيرها بحكم أنه بات أكثر قدرة على فرض إملاءاته وقراراته، وهذا سيكون عامل تخريبٍ متقدّم وستكون له عواقبه الوخيمة على العمل الوزاري، خاصة أنه حصل على أكثر من الثلث المعطل في المعادلة الحكومية الجديدة.

 

حكومة المناورة واحتمالات التصدّع

 

يمكن القول إن حكومة حسان دياب هي حكومة المناورة مع المجتمع العربي والدولي. وسيكون إمتحان البيان الوزاري محطة هامة في تحديد حضور «حزب الله» في الواجهة المباشرة للعمل الحكومي، فهل سيفرض ثلاثيته «الجيش والشعب والمقاومة» بشكلٍ فاقع فيه، أم أنه سيترك المجال للصياغات الملتوية للإبقاء على هامش الحركة في ضوء التطورات الإقليمية والدولية.

 

يتمنى «حزب الله» أن يستطيع الرئيس دياب إحداث إختراقاتٍ في المجتمعين العربي والدولي، وأن يتمكن من الإتيان بالأموال من الجهات المانحة، لكنه يدرك أيضاً أنه دخل المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وأن هذه الأخيرة تخلّت عن بعض التراخي المقصود في مراحل سابقة، لذلك ستكون الحكومة الحالية متراسه ودرعه الذي سيحتمي به إذا اشتدّ أوار الصراع.

 

إلا أن هناك احتمالاً لا يمكن إغفالُه في سياق تطوّر الضغوط الدولية، وهي أن يصبح جبران باسيل بين خيارين حاسمين: إما العداء المباشر للمجتمع الدولي والإصطفاف مع «حزب الله» والمحور الإيراني، مع ما يعنيه من عقوبات على الممولين لتياره وخسارته لمصادر التمويل.. وإما أن ينزاح باسيل بشكلٍ أو بآخر لتجنـّب اللائحة السوداء، مغيّراً في المشهد الحكومي والسياسي، وهذا حديثٌ آخر.

 

ستكون حكومة دياب محاصرة بين فعل الثورة وجوع الناس وتحفظ المجتمع العربي والدولي، وبين جشع الأحزاب المكوّنة لها وجموح السلطة لدى صانعيها، بينما يمكر خبثاء الحكم لتنمية الفوضى وتعبيد الطريق أمام القمع وإرهاب الدولة والفوضى المنفلتة من كلّ عقال.