IMLebanon

هل تخسر موسكو باكو؟

لم تشهد العلاقات الأذربيجانية-الروسية برودة كما هي عليه الحال الآن، وإن كان الاعلام يكاد لا يتطرّق البتّة الى أسبابها وأبرزها الموقف الروسي من قضية النزاع في إقليم ناغورني كارباخ الذي يشهد عودة للتوتر والتصعيد في الآونة الأخيرة، فضلاً عن التصعيد الحاصل بين أنقرة وموسكو، ودعوة الرياض باكو للانضمام الى التحالف الإسلامي المزمع انشاؤه ضدّ «داعش» في سوريا.

اللافت أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي سيزور باكو خلال هذا الشهر في إطار التعاون بين البلدين، يحاول في الوقت نفسه أن يُظهر لموسكو، أنّ لتركيا أصدقاءها في القوقاز وما وراءه كما لروسيا، الأمر الذي لن ترتاح إليه موسكو ـ بل يشكّل قلقاً كبيراً لها.

تؤكّد المصادر المتابعة أنّ «باكو» تدرس بعناية فائقة ما يجري في سوريا من أحداث خصوصاً بعد تورّط حليفيها في الصراع أيْ موسكو وأنقرة، وزاد هذا الأمر بعد رفع الحصار وإزالة العقوبات عن طهران المنافس الأكبر في بحر قزوين.

وعلى رغم ذلك ظلّ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف حذراً الى أقصى الدرجات، مُفضّلاً عدم الانجرار الى أيّ من الأطراف المتصارعة، أو الانضمام الى أيّ من الأحلاف في إطار نظرة براغماتية تقوم على أساس أنّ سوريا بعيدة عنا ولا شأن لنا بها.

يرى المراقبون أنّ اعتماد سياسة الحياد كان له بعدان، الأول: سياسي لتجنّب التصعيد الحاصل على الحدود مع أرمينيا. أمّا البعد الآخر فله خلفية اجتماعية-اقتصادية في ظلّ الانخفاض العالمي لأسعار النفط، ذلك أنّ الانضمام الى تحالف مع دول إسلامية ضدّ تنظيم «داعش» سيُغضب موسكو، وخصوصاً أنّ من أبرز أعضائه تركيا، كذلك في حال الانضمام الى تحالف موسكو – طهران فإنّ هذا سيؤثر في العلاقات مع أنقرة ومع الدول الغربية الأخرى، التي لا ترى مبرّراً لهذا التصعيد الروسي الخطير في سوريا.

يمكن القول حتى هذه اللحظة إنّ تحقيق هذا التوازن بين نارين قد تمكن علييف من ايجاده، لكنّ تسارع الأحداث الأخيرة بدأ يغيّر من مجرى الصراع، وبات على باكو اتخاذ قرار ما. ذلك أنه في زمن الانهيار العالمي لأسعار النفط والغاز الذي أفقد باكو الكثير من مداخيلها، فإنّ عدمَ اتخاذ موقف سيبعد الاستثمارات الغربية التي تحتاجها البلاد ويحرمها من مصادر مالية تحتاجها أكثر من أيّ وقت مضى.

كما أنّ إغضابَ أنقرة التي لباكو معها تقاليد عريقة في العلاقات كدولة جارة أمر لن يكون سهلاً، كما أنّ باكو لا تريد أن تخسر سوق الغاز نحو أوروبا المستهلك الأوّل للغاز الأذربيجاني. في المقابل، فإنّ ما يضغط ويشكّل عاملَ ردع يفرمل اندفاعة باكو نحو تركيا هو وجود أعداد هائلة من المواطنين الأذربيجان يعملون ويعيشون في موسكو ويضخّون ملايين الدولارات، وإبعادهم سيشكّل كارثة اقتصادية لباكو.

إذا كانت باكو تحمل على موسكو في الكثير من القضايا الاستراتيجية التي تمسّ بمصالح أذربيجان ومنها التصعيد في كارباخ ورغبة موسكو بعدم مراعاة الأخيرة، عبر مدّ خط الغاز الروسي عبر جيورجيا، نحو أرمينيا باتجاه ايران، فإنه تكوّنت لدى باكو قناعة شبه راسخة أنّ الاعتماد على الجار الشمالي أيْ موسكو لا يغني ولا يسمن.

كذلك، وعلى هذا الأساس تولدت لدى الكثير من جارات روسيا في أوكرانيا وغيرها من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق التي باتت تسعى نحو مصالحها هذه القناعة، وأنّ من الغباء التخلّي عن حلفاء استراتيجيين كأنقرة وعن المساعدات الموعودة من الاتحاد الاوروبي في الوقت الذي تواجه موسكو أزمات اقتصادية متلاحقة.

كما أنّ الحفاظ على علاقة جيدة مع أوروبا والغرب قد يلجم مسعى هذه الدول للاعتراف بناغورني كارباخ كإقليم مستقلّ في إطار سياسة إيجاد موطئ قدم، يمهّد للتمدّد نحو منطقة القوقاز، وهو عامل ضاغط يدفع بأذربيجان الى الموافقة على أيّ مطلب بالانضمام الى أيّ تحالف في حال تطوّرت الأمور واتخذت طابع حرب الأحلاف.

حتى هذه اللحظة يبقى أنّ الأخبار المتلاحقة من هناك تشير الى تصعيد عسكري في هذا الاقليم وازدياد تبادل طرفي الصراع أرمينيا وأذربيجان الاتهامات بشأن خرق الهدنة، إذ اتهمت سلطات ناغورني كارباخ الجيش الأذربيجاني يقيامه بأكثر من سبعمئة خرق لإطلاق النار، في المقابل اتهمت وزارة الدفاع في أذربيجان الجيش الأرميني بخرق الهدنة لأكثر من مئة واثنتي عشرة مرة.

أزمة «ناغورني كارباخ»

وتجدر الإشارة إلى أنّ النزاع بين البلدين على إقليم ناغورنو كاراباخ في ثلاثينيات القرن الماضي عندما كان البلدان لا يزالان ضمن الاتحاد السوفياتي، وأتت بعد أن قرّر جوزيف ستالين تغيير وقائع جغرافية بين البلدين لحلّ مشكلة الحدود والصراع القومي المستعر، حيث قرّر في عام 1923 ضمّ منطقة ناغورني كاراباخ التي كانت تقطنها غالبية أرمينية في ذلك الوقت إلى الجمهورية السوفياتية الجديدة أذربيجان ومنحها حكماً ذاتياً. في المقابل أبقى إقليم ناختشيفان بغالبيّته الأذرية معزولاً داخل أرمينيا، ما أوجد بؤرة خلاف حساسة بين الجمهوريّتين.

وفي مرحلة ترهّل الاتحاد السوفييتي وفقدان السلطة المركزية في موسكو لسطوتها، تفجّر الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان على الإقليم عام 1988، وبلغ النزاع ذروته مع إعلان الدولتين استقلالهما عن الاتحاد السوفياتي عام 1991، إلى أن تمّ التوصل عام 1994 إلى هدنة ما زالت سارية حتى الآن.

وعلى رغم عدم الاعتراف به دولياً، استكمل الإقليم في ظلّ السيطرة الأرمينية بناءَ مؤسساته بوصفه دولة مستقلة عاصمتها «ستيباناكرت»، وأقرّ دستوراً في نهاية العام 2006 يكرّس استقلاله عن أذربيجان، وتجرى فيه انتخابات منتظمة.

وترفض أذربيجان الاعتراف بالواقع الجديد المفروض على الإقليم من الأرمن، وتعرض على سلطة الإقليم منحها استقلالية واسعة في سياق حكم ذاتي كحلّ للأزمة، وهو ما يرفضه أرمن الإقليم ومِن ورائهم أرمينيا.