IMLebanon

محاولات ديبلوماسيّة لإخراج لبنان من غرفة العناية الفائقة

إنتهَت احتفالية شرَم الشيخ، وحقّقَ المؤتمر الاقتصادي أرقاماً قياسيّة بالمليارات المكتتبة. بعض العائدين وصَفه بـ»مهرجان دولي»، قدّمت خلاله الدوَلُ المشاركة جوائز ترضيّة، لا حُبّاً بإعمار مصر، ولكن تشجيعاً للسياسة المتّبَعة في مواجهة حركات التطرّف».

سَطعَ في سماء المؤتمر نجمان: الرئيس عبد الفتّاح السيسي على المنصّة الرسمية، حيث أدار وقائعَ المؤتمر بحِكمة، وحِنكة عالية، ووزير الخارجيّة الأميركي جون كيري الذي راح ينشَط وراء الكواليس، يتابع مع عدد من رؤساء الوفود ملفّات كثيرة مفتوحة، من مصير «الدولتين»، ومستقبل الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي في ضوء النتائج التي ستنتهي إليها الانتخابات العامّة في إسرائيل، إلى ما توصّلت إليه المفاوضات على الاتّفاق النوَوي، الى الوضع في اليمن، والعراق، وسوريا… وقبل أن يغادرَ فجَّر قنبلتَه في شأن الحوار مع الرئيس بشّار الأسد، تاركاً للمعاونين رَصد ردود الفعل.

خلاصة أولى: واشنطن قبلت التعاون مع موسكو وطهران لإيجاد مخرج، وعندما كانت العاصمة الروسيّة تقول إنّ الأسد جزءٌ من الحلّ، كانت تتعرّض للانتقادات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى طهران. الآن جاء دور واشنطن «لتأكلَ نصيبها»، إلّا أنّ كيري قال كلمته، المصلحة الأميركيّة فوق أيّ اعتبار آخر.

خلاصة ثانية: يقول المبعوث الخاص السابق للشرق الأوسط دينيس روس «حتى أكونَ منصِفاً، لا توجد إستراتيجيات يمكن أن تعِدَنا بالنجاح، ولكن لا يمكن في الوقت نفسه أن ننكرَ أنّ سوريا اليوم هي كارثة إنسانية واستراتيجيّة». كلامٌ من هذا الوزن لا يطلق جِزافاً، والاعتبارات عند كلّ مِن واشنطن وإسرائيل كثيرة.

لقد انتهَت سوريا «قلب العروبة النابض»، و«القوّة الاستراتيجيّة في مواجهة إسرائيل»، و«الدرّة الفريدة» في عقد دوَل الطوق، و«الرقم الصعب» في معادلة الشرق الأوسط، والصراع العربي – الإسرائيلي.

سقطَت الشعارات، وحلّ مكانَها الخراب، والدمار، والأظافر الطويلة والحادة التي تُمعِن في تشويه تاريخها وجغرافيتها، من أظافر إيرانيّة، إلى تركيّة، وإسرائيليّة، وغربيّة، وعربيّة أيضاً.

الخلاصة الثالثة: تحتاج سوريا إلى سنوات طويلة لإعادة إعمار ما دمَّره السوريّون أوّلاً، نظام ومعارضة، وأيضاً جحافل الطوارئ من مسلمين، وعرب، ومستوردين، وأخطبوط متعدّد الأرجُل، وظيفتُه التمويل والتحريض، والتعبئة، وصَبّ الزيت على النار.

لم تدمّر إسرائيل سوريا مباشرةً. ولا أرسَل الرئيس باراك أوباما جيوشَه وأساطيله لتدميرها، كما فعل صديقه جورج دبليو بوش في العراق، لكنّ الفاعل ليس مجهولاً، والمستثمرون في الدم السوري والعراقي والعربي معروفون، ومعروفة غاياتهم.

الخلاصة الرابعة: أطلقَ كيري في شرَم الشيخ «بالون اختبار» لاستكشاف أجواء الآخرين، ورصد ردود الفعل، لكي يُبنى على الشيء مقتضاه. إيجاد تسوية يعني إقرار ضمني بوجوب التوصّل الى «طائف سوري» يَحفظ للّاعبين الكبار مصالحَهم. هناك مصلحة إيرانية في تفكيك الهلال السُنّي، والتقرّب من «الشريك» التركي المتورّط بالمحرقة السوريّة.

وهناك مصلحة أميركيّة في التعاون مع طهران، وأيضاً مع أنقرة لتأمين الغطاء السُنّي للتسوية بدلاً من الارتهان إلى شروط الآخرين. ومصلحة تركيّة تتوافق وحجمَ الدور، وطول الحدود المشتركة مع سوريا، مع التأكيد والإصرار على كشفِ المستور من الاتّفاق النووي، وما قد يُخبّئه من مفاجآت قد لا تستهضمها.

الخلاصة الخامسة: يُحاول كيري تحييدَ مصر. سعيُ واشنطن لإنجاح المؤتمر هدفُه إقناع القاهرة، وحَملُها على الاهتمام بورشةِ إعمارها. كانت الرسالة واضحة، مليارات شرَم الشيخ هي بمثابة جائزة ترضيّة، لتحييدِها، أو لضمان حيادها.

خلاصة سادسة: لبنان في البال. قنبلة كيري في شرَم الشيخ سيكون لها مفاعيل وتردّدات على الساحة اللبنانية. ومن حواضر المتداوَل أنّ القنوات الفاتيكانية – الفرنسيّة – الأميركيّة شغّالة، وأنّ ترسيمَ حدود النفوذ الإيراني في كلّ من العراق، وسوريا، سيطرَأ عليه بعض التعديل في لبنان لمصلحةِ الدولة، وانضواء كلّ الأحجام والأوزان تحت سقفِها، عن طريق تفعيل وتمكين مؤسّساتها الشرعيّة.

لبنان لا يمكن أن يكون من ضمن الأمبرطوريّة الإيرانيّة، لا تركيبتُه تسمح بذلك، ولا وظيفته. هناك خياران لا ثالث بينهما، إمّا أن يضحَّى بهذا اللبنان، وهذا غير وارد في الحسابات الدوليّة المتداوَلة، أو يُصار إلى إنعاشه تمهيداً لإخراجه من غرفة العناية الدولية الفائقة وفقَ تسوية تعالج المخاوفَ والهواجس والمآخذ عند الجميع لتفعيل دوره كوطن الرسالة، ومختبر لحوار الحضارات والثقافات.