IMLebanon

تفاوض وانسحاب أو قتال واحتلال

 

 

خبارات لبنان محدودة، وبعضها مفروض بقوة وقائع على الأرض تسبب بها قرار يتجاوز البلد. وليس أسهل من تجاهل ما قاد إلى الاحتلال الإسرائيلي سوى التمسك بموقف مثالي قوامه المطالبة بالانسحاب الكامل من دون قيد ولا شرط. لكن السؤال هو ماذا بعد هذا الموقف المريح لصاحبه والمخيف للبنان جراء استمرار الاحتلال والسلاح. والمسألة ليست الإصرار على رفض التفاوض المباشر من جانب فریق مسلح، ولا قدرة أكثر من طرف على انتقاد الفريق المفاوض في واشنطن وإدارة التفاوض في قصر بعبدا والإضاءة على النواقص والأخطاء في نص “الإطار الثلاثي” بل تحمل المسؤولية عن إيجاد البديل القابل للتحقيق. وباستثناء التسليم الخطير بالأمر الواقع في انتظار أعجوبة من الغيب، فإن الخيار محدد: القتال أو التفاوض أو شيء منهما معًا. ولا فائدة من التشاطر ورفض الممانعين للتفاوض لأنهم ليسوا الطرف المفاوض.

 

ذلك أن التفاوض بطيئ وصعب ومحکوم بالتنازلات المتبادلة، لكنه يؤدي في النهاية إلى تغيير الوضع. وأقل ما قاله أندريه غروميكو وزير الخارجية في الاتحاد السوفياتي لوزير خارجية إيران في ثمانيات القرن الماضي هو: “سنة مفاوضات أفضل من دقيقة حرب”. والقتال يقاس بنتائجه لا بمبدئيته وكون مقاومة المحتل حقًّا مكرّسًا لأي شعب تحت الاحتلال. والقتال الذي قام به “حزب الله” في حرب الإسناد لغزة ثم إيران فشل في امتحانين، بصرف النظر عن أداء المقاتلين وقدرتهم على ممارسة ما سماه “استراتيجية الإيلام” في مواجهة العدو. الامتحان الأول هو منع العدو من احتلال أراضٍ لبنانية وصولا إلى الليطاني. والثاني هو تحقیق أي خطوة عملية في تحرير فلسطين المحتلة من كيان وصفه السيد حسن نصر الله بأنه “أوهى من بيت العنكبوت”.

 

أما الرهان على إيران ومفاوضاتها مع أميركا بموجب “مذكرة التفاهم”، فإنه رهان على هواء في كلام ترامب التناقضي وعلى وعد يكرره محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي في العلن ومع الوسطاء الباكستانيين والقطريين والوفد الأميركي وفي اللقاءات والاتصالات مع “الثنائي الشيعي”. ولا شيئ يوحي أن الرئيس دونالد ترامب الضامن للانسحاب الإسرائيلي المشروط في صيغة “الإطار الثلاثي”هو في وارد الضغط القوي على بنيامين نتنياهو للانسحاب من لبنان بلا قيد ولا شرط، ولا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي راغب في إنهاء الحرب في لبنان تنفيذًا لمذكرة غرقت في مضيق هرمز أو في الانسحاب غير المذكور في نصها.

 

لكن كل شيئ يؤكد أن “المقاومة الإسلامية” ليست مجرد خيار لبناني بل هي خيار واسع ضمن المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية و”محور المقاومة” الذي يقال في طهران إن المرشد الأعلى علي خامنئي الذي اغتالته إسرائيل هو الذي أشرف على إنجاز “شبكة جيو سياسية” ممتدة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر مرورًا بالعراق وصولا إلى صنعاء.

 

وهذا شيء لم يفعله الرئيس جمال عبد الناصر في عز شعبيته العربية، ولا الرئيس حافظ الأسد الذي تحكّم بلبنان ومنظمة التحرير والأردن، ولا الرئيس صدام حسين الذي كان سدًّا في وجه المدّ الإيراني، ووصف دورہ بأنه “حارس البوابة الشرقية للأمة العربية”. لكن مفاعيله في لبنان أخطر من مفاعيل “تلازم المسارين” اللبناني والسوري. التلازم منع لبنان من التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل حتى في إطار المفاوضات العربية – الإسرائيلية التي انطلقت من “مؤتمر مدريد” بعد حرب “عاصفة الصحراء” بقيادة الرئيس جورج بوش الأب. والارتباط بالتفاوض الإيراني- الأميركي يعني اللعب بلبنان في صراع لا حل له.

 

ونحن في وضع ينطبق عليه قول مارتن لوثر كينغ: “لا أستطيع أن أكون ما ينبغي أن أكونه حتى تكون أنت ما ينبغي أن تكونه”.