IMLebanon

الدولار: إلى أين؟

 

لا يمكن التنبؤ بسقوف ماليّة محددة في ما يتعلق بسعر صرف الدولار الأميركي. من الواضح أنّ الليرة اللبنانيّة سوف تواصل إنهيارها التاريخي غير المسبوق، وأنّ توقع إستعادتها لقيمتها المتداعية هو مجرّد حلم تلاشت معالمه ولن يُكتب له التحقق في المدى المنظور.

 

إذا كانت السياسات النقديّة التي اعتُمدت في السنوات الماضية ترتكز إلى تثبيت مصطنع للعملة، وهذا صحيح؛ فإن سياسات الإهمال والمراوحة واللامبالاة التي تلت الانهيار الكبير منذ العام 2019 سوف تتواصل دون هوادة في ظل غياب أية معالجاتٍ حقيقيّة وجديّة للمشاكل والملفات المتراكمة.

 

مع أفول فصل الصيف وإقترابه من نهايته، ومع العودة التدريجيّة للمغتربين إلى مغترباتهم، سيتقلص ضخ الدولار في الأسواق الذي شهده الإقتصاد خلال الشهرين الماضيين، وسيرتفع الدولار نحو معدلات جديدة بلا سقوف محددة، في ظل إستنفاد منصة «صيرفة» لقدراتها المحدودة في ضبط السعر المتفلت للدولار من خلال حجم مداولاتٍ غير كاف لإستعادة الوضع الطبيعي.

 

الوضع «الطبيعي» إيّاه لا يُستعاد حصراً من خلال خطوات نقديّة، رغم أهميتها في لحظة الانهيار الراهن. إنه يتطلب ما هو أكبر وأعمق من ذلك. الإقتصاد يرتكز أولاً وأخيراً إلى الثقة، وهي لم تعد متوفرة في الحالة اللبنانيّة. المجتمع العربي والدولي ربط أية مساعدات مستقبليّة بإقرار الإتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي- بالرغم من قساوته- يشكل مدخلاً حتميّاً ووحيداً للخروج من المأزق.

 

بالأساس، معظم التوصيات التقليديّة القاسية التي يعتمدها صندوق النقد الدولي في «وصفاته» العلاجيّة للدول، صارت مطبقة في لبنان منها «تحرير» سعر الصرف وهو بات شبه محرر، ورفع الدعم، وهو أصبح مرفوعاً تقريباً بعد أن أهدرت مليارات الدولارات دعماً لجيوب التجار والمنتفعين في تلك السياسة البائدة التي ارتكزت إلى دعم «الكاجو» وسواه من البنود غير المجدية.

 

ما لم تنطلق مجموعة من الإصلاحات الإقتصاديّة الكبيرة مثل «الكابيتال كونترول» وسواها من التشريعات المطلوبة، عبثاً ينتظر اللبنانيون أن يكون الانفراج قريباً. لا مفر من صياغة خطة جديدة للتعافي لا ترتكز إلى معاقبة المودعين وتبرئة المصارف والدولة من المسؤوليّة.

 

صحيحٌ أن الجشع تحكّم برغبات عدد كبير من المودعين الذين نالوا فوائد مصرفيّة لم يحلموا بها واستفادوا منها على مدى سنوات متلاحقة؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الدولة إستدانت لتمويل فساد رموزها وأسفارهم ورحلاتهم وسفاراتهم الفضفاضة في الخارج وإيجارات وزاراتهم وإنفاقهم غير المجدي وغير المسؤول.

 

والصحيح كذلك، أن أصحاب المصارف التجاريّة حوّلوا أرباحهم الخياليّة إلى الخارج وهربوا ثرواتهم وتركوا مودعيهم يشحدون حقوقهم الماليّة دون أن يرف لهم جفن أو يهتز ضميرهم!

 

نقطة البداية يفترض أن تكون من خلال خطة عمليّة مدروسة توزع الخسائر بشكل عادل على أن يتحمّل المودعون القسم الأصغر منها. هذا منطق الأمور، وهكذا يفترض أن تكون العدالة. ولكن، كل الطروحات المتداولة التي تتسم بالضبابيّة وتلفها جوانب من السريّة بهدف تمريرها لا ترقى إلى مستوى المشكلة العميقة التي تمر بها البلاد.

 

إن وجود قطاع مصرفي فاعل ونشيط هو من المقومات المهمة للدورة الإقتصاديّة التي من الصعب أن تنجح من خلال إقتصاد «الكاش» الذي يرتكز حصراً على المداولات النقديّة. ولكن، هذا لا يعني قضم حقوق المودعين وبعضهم فقد جنى عمره في الودائع التي ظن في مرحلة معيّنة أنها في مكانٍ آمن، أي المصارف التجاريّة.

 

الدولار إلى المزيد من التحليق ما لم تتحرّك الجهات المعنيّة للجم التدهور. هل لا يزال هناك متسع من الوقت وهل تتوفر الإرادة للقيام بذلك قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسيّة؟ مستحيل!