IMLebanon

الدول المانحة والمساعدات المباشرة

 

 

سئمت الأطراف الدولية المتابعة للشأن اللبناني من التعامل مع البلد الصغير. الأمور معه تدور في حلقة مفرغة: تبدأ بالإستجابة لنداء الحكومة اللبنانية، تضع الخطط، تقوم بالأعمال التحضيرية، ثم تصطدم بالجمود وعجز النظام عن القيام بأي إصلاح لتحرير المساعدات. سيناريو يتكرر عند كل استحقاق بشكل روتيني بينما الإقتصاد ينهار والدولة تتفكك. والسؤال هل من مقاربة مختلفة يمكن لهذه الدول إنتهاجها لمساعدة المجتمع اللبناني، ولو بالحد الأدنى، أقله من أجل زيادة قدرته على الصمود في هذه المرحلة البالغة الدقة؟

 

لنقلها بصريح العبارة، نظام التعطيل ما زال متجذراً، لم تستطع الإنتخابات الأخيرة اقتلاعه وذلك بالرغم من تغيير أحجام الكتل وسقوط رموز كبيرة ودخول قوة جديدة إلى البرلمان. ما يزيد من صعوبة التغيير، ليس فقط فساد ما يسمى بالمنظومة، إنما أيضاً إمساك قوى المحور بمفاصل السلطة وامتلاكها فيتو على القرارات الرئيسية. الأمثلة كثيرة عن قرارات وإصلاحات لم ترَ سبيلاً للتنفيذ منها على سبيل التعداد لا الحصر: ملف تفجير المرفأ، قانون الكابيتال كونترول، قانون إصلاح القضاء، قانون مكافحة الفساد، قانون الشراء العام، قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص… لائحة تطول بقرارات عالقة وبقوانين أقرّت مع وقف التنفيذ.

 

لذلك يتساءل المراقب ما جدوى توقيع الإتفاقات الدولية وكان آخرها الإتفاق الموقع مع مصر في 21 من الجاري بشأن استيراد الغاز، إذاً التنفيذ مرتبط بإصلاحات لم ترَ النور منذ عقود وليس من أدنى مؤشر أنها في طريقها إلى التنفيذ، مثل تحسين الجباية، ورفع التسعيرة، ووقف الهدر التقني وغير التقني.

 

أمام هذا الواقع وأمام عجز السلطة عن القيام بما تمليه عليها قواعد الحكم الرشيد لإطلاق المساعدات، قد تكون أمام الجهات الدولية الراغبة بمساعدة لبنان والتي طبعاً لديها المصلحة في ذلك أن تغير في مقاربتها وتتجاوز السلطة القائمة بانسدادها وتعقيداتها وتناقضاتها، والذهاب مباشرة إلى القطاع الخاص وإلى الأسر والأفراد. لنأخذ مثلاً القرض المرتبط بالإتفاقية مع مصر والمزمع تأمينه من البنك الدولي، أوَليس الأجدى أن يصرف هذا القرض مباشرة لمساعدة الأسر والأفراد والشركات الصغيرة لتمكينها من إنتاج الطاقة الشمسية ومن دون المرور بـ»القنوات الرسمية» الخاضعة لمنطق الفساد والمحاصصة.

 

في السياق عينه، وفي ظل شلل القطاع المصرفي وتوقفه منذ فترة طويلة عن تأدية وظيفته الأساسية المتمثلة بتمويل الإقتصاد، وفي ظل عجز الدولة عن تقديم برامج لدعم الصناعة والزراعة وسائر قطاعات الإنتاج، بإمكان الدول المانحة التوجه مباشرة إلى تلك القطاعات عبر آليات وبرامج محددة تساهم في تمويل نشاطها وبناء قدراتها، منها على سبيل المثال: تسهيل وضمان صادرات الشركات اللبنانية، أو توفير أدوات تمويلية لها.

 

إن مساندة قطاع الإنتاج والأسر والأفراد بشكل مباشر من قبل الدول المانحة تساهم في إبقاء الشعب اللبناني خاصة فئة الشباب في ارضه وعدم الوقوف في الطوابير أمام قنصلياتها طالبين الهجرة. قد يرى البعض في هذه المقاربة إنتقاصاً للسيادة اللبنانية، لكنه يتجاهل واقعاً: أننا أمام دولة فاشلة وأمام شعب مخطوف مهدد بالزوال، يواجه انهياراً غير مسبوق، على عتبة انفجار كبير قد يطيح بالأخضر واليابس. البارحة وبعد انفجار المرفأ وما خلّفه من مآسٍ، قررت الدول التي هالتها المأساة والعالمة بحقيقة السلطة في لبنان، أن ترسل المساعدات مباشرة إلى مؤسسات غير حكومية متجاوزة القنوات الرسمية. لم تأتمن السلطات لتوزيع كيس قمح أو علبة حليب. فكيف لها اليوم أن تأتمنها على مليارات الدولارات من أجل النهوض الإقتصادي؟